صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
تباشير الصّوم.

    الصّوم المناسب لقواك يساعدك على اليقظة الرّوحيّة. يذكّر المعلّمون الرّوحيّون، إنّ الإنسان ذا البطن الملآن لا يمكنه التّأمّل في أمور الله، وإنّ أسرار الثّالوث القدّوس الأقلّ غموضًا، إذا جاز القول، تبقى خفيّة على من أحبّ الطّعام الفاخر. لقد أعطانا المسيح المثل بصومه الطّويل، ولمّا انتصر على الشّيطان كان قد صام أربعين يومًا. فهل تريد أنت أن تصل إلى النّتيجة نفسها بعناء أقلّ؟!... "وبعد ذلك- بعد ذلك فقط- جاء بعض الملائكة يخدمونه" (متّى 4/11). وها هم ينتظرون ليخدموك. يقول القدّيس "يوحنّا السّلّمي" إنّ الصّوم يلجم الثّرثرة (سلّم الفضائل 14/34). والصّوم يجعلك رؤوفًا وقابلاً للطّاعة، يزيل الأفكار الشّرّيرة كما قساوة القلب. وعندما يكون البطن فارغًا يكون القلب متواضعًا. الصّائم يصلّي بفكر معتدل بينما فكر الشَّرِه زاخر بالتّخيّلات والأفكار الدّنسة. الصّوم طريقة تعبير عن المحبّة والكرم. بالصّوم يضحّي الإنسان بملذّات الدّنيا لنيل أفراح الآخرة. هَمُّ المعيشة وملذّات الطّعام يستوليان على قسم كبير من أفكارنا. وإنّنا لنتمنّى أن نتحرّر من هذا الشّاغل. هكذا يظهر الصّوم لنا كأنّه إحدى مراحل تحرّرنا، وحليف لا غنى عنه في قتالنا ضدّ رغباتنا الأنانيّة. أمّا الصّوم، مع الصّلاة، فهما إحدى أثمن العطايا التي حظي بها البشر؛ وهو غالٍ على قلب كلّ الذين خبِروه.

    عندما نصوم نشعر أنّ امتناننا لله يزداد، لأنّه أعطى الإنسان القدرة على الصّوم. والصّوم يخوّلك الدّخول إلى عالم ما كنتَ تشعر بوجوده شعور اليقين. كلّ حيثيّات حياتك وما يجري فيك ومن حولك يغمره نور جديد. الوقت الذي يمضي، وانتَ صائم، يُستَعمَل استعمالاً جديدًا وغنيًّا وخصبًا. أثناء السّهر، تزول الغفوة واختلاط الأفكار ويحلّ محلّها تبصّر عقليّ واسع. في مناخ الصّوم،لا نتمرّد على ما يعاكسنا، بل نقبله بهدوء في التّواضع والشّكر، والمشاكل التي كنّا نظنّها خطيرة ومعقَّدة تنحلّ تلقائيًّا، كما تفتح الزّهرة تاجها. فالصّلاة والصّوم والسّهر هي طريقة دقّ ذلك الباب الذي نودّ أن نراه يفتح لنا.

    كثيرًا ما اعتبر الآباء الصّوم مقياسًا للقدرة، "فمن صام كثيرًا أحبّ كثيرًا ومن أحبّ كثيرًا غُفِرَ له الكثير"(لوقا 7/47). ومن صام كثيرًا نال الكثير. ومع ذلك فالآباء القدّيسون ينصحون بالصّوم باعتدال: فلا يجب أن يُفرَض على الجسم إرهاق زائد لأنّ الرّوح ذاتها قد تتضرّر من ذلك. ولا يجوز أيضًا البدء فجأة بالصّوم: فكلّ أمر يتطلّب تعوّدًا وعلى كلّ إنسان أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعته ومشاغله؛ كمالا يجوز الامتناع عن أطعمة معيّنة: فكلّ غذاء عطيّة من الله. ومع ذلك فالحكمة تقضي بالامتناع عن المآكل التي تُثقِل أو تروق للذّوق وحسب: كالمأكولات المتبّلة واللّحوم والمشروبات الرّوحيّة، إلخ. عدا ذلك باستطاعتك أن تأكل كلّ ما هو رخيص وفي متناول اليد والجيب. إضافة إلى ذلك، الصّوم باعتدال يعني، حسب رأي الآباء القدّيسين، تناول وجبة طعام واحدة في اليوم، لكنّها وجبة خفيفة، إلى حدٍّ ما، تحاشيًا للشّبع.

    إنّه لأمر أثبتته التّجربة: إنَّ عازفَ البيانو الذي يعزف بحماس زائد أو الكاتب الذي يكتب بسرعة زائدة يتعرّضان لتشنّج العضلات. وهذان اللّذان كانا للحظة مضت مليئين بالحيويّة يريان نفسيهما مضطرّين إلى قطع عملهما فجأة لأنّهما فقدا الهمّة وصارا عاجزين. وعدم الحركة يعرّض الإنسان لتأثيرات مفسِدة جمّة. هذا المثل يحوي عبرة لك. فالصّوم والطّاعة والتّقشّف والانتباه والصّلاة تؤلّف مجموعة من الممارسات اللاّزمة، لكنّها، في نهاية الأمر، ليست سوى ممارسات.وكلّ ممارسة يجب أن تطبَّق بهدوء، مع أخذ القوى الفرديّة بعين الاعتبار، و تحاشي كلّ إفراط(لوقا 14/ 28-32) "تيقّظوا وأقيموا الصّلاة". (1بطرس4/ 7). هكذا يوصينا الرّسول بطرس والرّبّ نفسه من خلال بطرس.

"أقوم وأرجع إلى أبي".

    يستطيع الإنسان أن يسكر بغير الكحول. فالسّكر المتأتّي عن ثقة زائدة بالنّفس وما يتبعها من النّشاط المستعجل ليس أقلّ خطرًا من سكر الكحول. وهكذا يزرع الإنسان في حقل حياته الرّوحيّة ما يظنّ أنّه تضحيات، عندما يكون مدفوعًا بغيرة غير مضبوطة تظهر بالتّطرّفات وعدم الاعتدال. إلاّ أنّ الثّمار التي يجنيها تكون مدوّدة: فيكون هناك توتّر مفرط، وقلّة تحمّل لنقائص القريب وتبرير للذات. فالمطلوب ألاّ يشرد  الإنسان لا يمنة ولا يسرة (تثنية5 /32)، وألاّ يكون عنده ثقة مفرطة بنفسه.

    إذا لم نلحظ في ذاتنا ثمارًا وافرة من المحبّة والمسالمة والفرح والاعتدال والتّواضع والبساطة والاستقامة والإيمان والصّبر، يكون عملنا باطلاً، كما ينبّهنا إلى ذلك القدّيس "مكاريوس المصريّ". علينا أن نعمل للحصاد، لكن الغلّة هي عمل الرّبّ.

    إذًا كن منتبهًا لنفسك واستعمل الرّويّة. فإذا لاحظت أنّك أصبحتَ غضوبًا ومتطلّبًا مع الآخرين فخفّف حملك قليلاً. وإذا كنتَ تبغي أن تنتقد سلوك الآخرين وأن تلقّنهم درسًا وأن توجّه إليهم الملاحظات فقد ضللتَ الطّريق: فمن تخلّى حقًّا عن ذاته لا يحقّ له أن يلوم الآخرين على شيء.

    وإذا وجدتَ أنّ النّاس الذين حولك أو الظّروف الخارجيّة تزعجك وتضايقك فما ذلك إلاّ لأنّك لم تدرك بعد ما هو عملك: فكلّ ما يظهر، للوهلة الأولى، أنّه يضايقك أُعطِيَ لك في الواقع كفرصة لممارسة تحمّل الآخرين والصّبر والطّاعة. فالرّجل المتواضع لا يمكنه أن يتضايق من الآخرين، بل يمكنه فقط أن يضايق. إذًا كن مغمورًا، وتحاشَ التّصدّر واختبئ.

    اعتبر يا أيّها الإنسان نفسك كعَجَلة؛ هذا ما كان يقوله النّاسك "أَمبروسيوس". فكلّما كانت ملامسة العَجَلة للأرض أخفّ، كلّما دَرَجَت العَجَلة وتقدّمت بسرعة أكبر. لا تفكّر بالأمور الأرضيّة ولا تتكلّم عنها ولا تهتمّ بها أكثر ممّا يلزم. "ادخل إلى غرفتك وأغلق بابها" (متّى 6/ 6)، حتّى لو اضطررتَ أن تكون وسط ضجيج جمهور غفير. وإذا أصبح ذلك أحيانًا أمرًا لا يُطاق، فاخرج واذهب حيثما شئتَ شرط أن تكون هناك وحدك، واصرخ بكلّ نفسك إلى الرّبّ لينجدك، ولسوف يسمعك.



المرجع:

طريق الزّهّاد. تيتو كولياندر. نقله إلى العربيّة جورج الياس صعب.1989

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share