<
فقط في الكنيسة بإمكاننا أن نرتشف الماء الزلال الذي يجري من الجنب المطعون للمسيح ليعطي حياة أبدية. كل التعاليم الأخرى إن هي سوى آبار مشقّقة لا تضبط ماء.(القدّيس إيريناوس أسقف ليون).لا تحاربنا الشّياطين، إلاّ عندما نتمّم ميولنا الرّديئة، الّتي هي بالحقيقة شياطيننا الّتي تحاربنا فنهزم أمامها برضانا.(القدّيس بيمن).نعمة التّوبة الفاعلة في المجاهدين هي صفقة إلهيّة وتبادل؛ نعطي فيه ترابًا ونأخذ سماءً.(الشّيخ يوسف الهدوئي).إنّ الاتّحاد الدّائم بالهّ مصدرِ الحبّ لا يمكن أن يبقى غير ملحوظ. لأنّه عندما يخترق الحبُّ الإلهيُّ القلبَ يوقظ فيه قوّة لم تسمع بها أذن من قبل، وإنّما تحسّ بها، فقط، قلوب محبّي الله .(الأم كاترين أفيموفسكي).إن أردتَ الخير لولدك، أقول لك ماذا تفعل: "إصنع لولدكَ لباسًا، واصنع لباسًا آخر لولد فقير. فلأجل ذاك الولد الفقير يُفَرِّحُ الله حياة ولدك". (القدّيس قوزما الإيتولي).
دير كهوف بسكوف الرّوسيّ

   تأسّس "دير كهوف بسكوف" منذ أكثر من ستمئة سنة في كهوف مثيرة للدّهش في ناحية "بيتشوري" الرّوسيّة. فإنّه توجد اليوم تحت مباني الدّير وحدائقه سراديب طويلة داخل الكهوف تمتدّ إلى كيلومترات عديدة. في هذه الكهوف استقرّ الرّهبان الأوائل. وهناك بنوا كنيستهم الأولى ودفنوا الإخوة على الطّريقة المسيحيّة القديمة في شقوق هذه الكهوف. وفي وقت لاحق، عندما ازداد عدد الرّهبان توسّع الدّير وأُنشِئتْ مبانٍ على سطح الأرض.

   منذ ذلك الحين، عُرفت هذه الكهوف بالجزء الّذي "بناه الله" من هذا الدّير – أي الجزء الّذي كان بالحقيقة هو صنع الله. استوحى الرّهبان الاسم من الخاصيّة الطّبيعيّة الّتي تمتاز بها هذه الكهوف. وقد قام الرّهبان بتوسيعها فيما بعد وهي كلّها متصلّة بعضها بالبعض الآخر بشبكة من الدّهاليز معقّدة للغاية. والميزة العجيبة الّتي لهذه الكهوف أنّ كلّ الجثامين والبقايا البشريّة الّتي يتمّ وضعها فيها تبطل رائحتها الكرهة، الرّائحة الّتي تنبعث عادة من الأجسام الّتي تنحلّ.

مدخل الكهوف

   في هذه الكهوف أكثر من ١٤٫٠٠٠ جثّة ممن سبقوا وقطنوا في "بيتشوري" (المنطقة حيث يوجد الدّير)، لا فقط رهبانًا، بل علمانيّين من الجوار أيضًا، ومحاربين دافعوا عن الدّير ضدَّ الهجمات البربريّة في القرون الوسطى. لم تكن التوابيت تُدفن في الأرض بل كانت توضع فوق بعضها البعض في نقور هذه الكهوف. ورغم ذلك، فإنّ الزّائر الّذي يجتاز هذه الدّهاليز حاملاً الشّموع مضيئًا طريقه، كان يتفاجأ بالهواء النّقيّ والنّظيف الموجود في هذه الكهوف.

   هناك ترنيمة تقول: "حيث يشاء الله يُغلب نظام الطّبيعة". يغادرُ السّواح المغاور في دهشة، غير مصدّقين عيونهم – أو أنوفهم على نحو أدق.



الأب نثانائيل

   هناك قصص عديدة تُروى عن هذه المغاور. إحداها حدث عام ١٩٩٥ عندما زار الرّئيس الرّوسي بوريس يلستن  "بيتشوري"، ورافقه "الأب نثانائيل" وهو أمين الصّندوق في جولته في أنحاء الدّير، وقد أخذه إلى الكهوف أيضًا. حمل الأب نثانائيل الشّمعة وتقدّم المسيرة بثيابه الرّثّة وشعره الأبيض المتدلي على كتفَيه وجسمه النّحيل. وبعد مسيرٍ قصير، عبّر "الرّئيس يلتسن" عن استغرابه إذ ليس ما يفسّر عدم وجود رائحة كرهة للأجسام المنحلّة في حين أنّها موضوعة في توابيت في نقور هذه الكهوف من دون أن تُدفن وهي قريبة من متناول اليد!.

   فأجابه الأب نثانائيل: "إنّها عجيبة إلهيّة". ثمّ أكملت المجموعة سيرها، غير أنّ الرّئيس توقّف بعد حين وأعاد طرح السّؤال عينه مرتابًا. فأجابه الأب نثانائيل ثانية على نحو مقتضب: "كما سبقت فقلت لك، إنّها عجيبة إلهيّة". ساد الصّمت لبضعِ دقائق. وقبل أن يغادر الرّئيس الكهوف سأل الشّيخ من جديد: "قُل لي أيّها الأب ما هو السّر الحقيقيّ؟!... ما هي المادة الّتي تضعونها في التوابيت؟!.

   فقال له الأب نثانائيل: "بوريس نيكولايفيتش، هل يوجد أحد من مرافقيك تنبعث منه رائحة كرهة؟".

   - طبعًا لا!.

   - فلماذا تظنّ أنّ أحدهم يجرؤ أن تكون رائحته كرهة وقد انضم إلى حاشية ملك السّموات؟". ويُقال أن الرّئيس يلتسن أقنعه الجواب ومضى من الدّير مسرورًا.

   كان النّاس في الفترة الشّيوعيّة وما زالوا إلى يومنا هذا، يفتّشون على تفاسير علميّة لشرح هذه الظّاهرة العجيبة في كهوف بسكوف. وقد قدّموا عددًا كبيرًا من النّظريّات الغريبة كالّتي أعلنها الرّئيس يلتسن أنّ الجثث الـ ١٤٫٠٠٠ كان يتمّ غسلها كلّ يوم بعطورٍ جميلة!!... آخرون قالوا إنّ للكهوف خاصيّة طقسيّة مميّزة تخوّلها التخلّص من كلّ الرّوائح بسهولة!!... وهذا التّفسير كان شائعًا وكان المسؤولون الشّيوعيّون يعطونه لكلّ السّوّاح الّذين يزورون هذه الكهوف.

الأب أليبي

   كان "الأب أليبي" هو رئيس دير بسكوف في أصعب فترة من الحكم الشّيوعيّ وأعنفها على عهد الرّئيس خروتشيف. وكان عندما يرافق الوفود الرّفيعة المستوى في جولة ديريّة، يحمل دائمًا محرمة مغطسة بأفضل العطور الّتي في الاتّحاد السّوفيتيّ وأحدّها. فعندما يبدأ الوفد بالتّكلّم عن ميزة هذه الكهوف الطّقسيّة الّتي تسمح لها بالتّخلّص من الرّوائح، كان يناولهم المحرمة الّتي بحوذته أو يلفتهم إلى الأزهار الطّبيعيّة الموضوعة في المزهريّات هناك وإلى رائحتها العطرة، ثم يقول لهم: "لماذا ترفضون أن تقبلوا أنّ هناك بعض الأمور في هذه الحياة يصعب تفسيرها؟!... يا ليتكم تواكبون جثّة وضعت حديثًا في هذه الكهوف وترون كيف أنّ رائحتها تزول بالكليّة!... ما هو تفسيركم لهذه الرّوائح العطرة المنبعثة الآن؟".


   لا أحد يعرف تمامًا طول وعمق هذه الكهوف غير "الأب نثائيل والأب سيرافيم"، اللّذين أمضيا وقتًا طويلاً في الدّير. ويوجد الكثير من الجثث غير المنحلّة في الدّاخل. كان الرّهبان المبتدئون، عندما يواجهون مشكلة صعبة، يذهبون إلى هذه الكهوف ، ويسألون المعونة من هؤلاء النّساك القدّيسين الرّاقدين هناك. كانوا يجثون على ركبهم ويلمسون التّوابيت بأيديهم ويصلّون إلى هؤلاء الشّيوخ كي يبادروا إلى معونتهم. وكثيرًا ما كانوا يسألون معونة "الأب سمعان" الّذي رقد حديثًا، عام ١٩٦٠، لأنّه كان الأقرب إليهم وقد أُعلنت قداسته مؤخّرًا. وأيضًا من الأب الرّئيس أليبي وشيوخ آخرين أمضوا حياتهم في جهادات طويلة وصعبة وأسلموا أرواحهم بين يدي لله وبقيت أجسادهم في هذه الكهوف.

   والخاصيّة الثّانية الّتي يتميَّز بها "دير كهوف بسكوف" تعود إلى القرن العشرين. إذ إنّ كلّ الأديار الكبيرة، مثل "لافرا القدّيس سيرجيوس ودير أوبتينا وكهوف كييف ودير سلوفكي ودير فلامو وساروف"، المشهورة في كلّ أنحاء الرّوسيا والعالم، كلّها أُقفلت إبّان الحكم الشّيوعيّ في حين أن دير بوسكوف الّذي لم يكن سوى ديرٍ ريفيٍّ بسيطٍ مؤلّفٍ من شركة رهبانيّة صغيرة بقي صامدًا أثناء الثّورة وبعدها وحتّى سقوط النّظام الشّيوعيّ وهو الّذي حافظ على التّقليد الرّهباني من دون انقطاع على الأراضي الرّوسية، إذ كان ضمن الأراضي الإستونية لغاية العام ١٩٤٠. وبعدما ضُمّتْ هذه الأراضي إلى الإتّحاد السّوفيّتيّ، لم يكن للحكم الشّيوعيّ الوقت الكافي لتدمير هذه الواحة الصّلاتيّة بالكليّة. وإنّ الله أنعم على هذا الدّير، أثناء اضطهاد "خروتشيف" العنيف للكنيسة، برئيس قويّ وقدير هو "الأرشمندريت أليبي"، الّذي استطاع أن يواجه هذه الآلة الحكوميّة الضخمة ولم يسمح بإقفال الدّير.

   وفي هذا الدّير بالتّحديد، أثناء الحكم السّوفيتيّ، عام ١٩٥٠، تجدّد تقليد الآباء الرّوحيّين ، إذ كان الدّير يضمّ عددًا من الآباء الشّيوخ القدّيسين الّذين كانوا يرشدون ويعرّفون الشّعب الرّوسيّ المؤمن، وهذا التّقليد الآبائيّ هو أثمن ما في الكنيسة الأرثوذكسيّة وهو الحامي والحافظ لتقاليدها وتعاليمها.



قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share