عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
من أخبار عائلة
الأب صفروني سخاروف.

   لقد كانت عائلة "الأب صفروني" كبيرة وكان ترتيبه الثّالث بين عشرة أولاد، وقد رقد أكبرهم في عمر الرّابعة عشرة... خلال حياة الأب صفروني  (الّذي كان اسمه في العالم سيرجي سخاروف). بقيَ ذكرُ عائلته حيًّا في قلبه. كان يذكر قصصًا صغيرة عن "أبيه سمعان"، الّذي كان يَكِنّ له كولد إحترامًا كبيرًا، والّذي كان بدوره مربيًا حكيمًا ولطيفًا. كان الأب صفروني يتندّر بذكر كيف أنّه وصل متأخّرًا ذات يوم عن وجبة الطّعام، لاهثًا ومحمرًّا، عائدًا من لعبة كرة قدم. فسخر منه والده، ذاكرًا إحدى القصص الخرافيّة المعروفة: "كان يا ما كان، كان لأبٍ ثلاثة أولاد. إثنان منهم كانا حكيمين، وواحد كان شغوفًا بلعب كرة القدم...".

   والدته، "كاترين" (إيكاترينا)، كانت امرأة قلبٍ، ذات إيمان عميق. ويظهر ذلك من خلال حدثٍ جرى معها في صباها. كانت تسير يومًا في أحد شوارع موسكو، فشاهدت مجموعة من النّاس تزدحم أمام مدخل كنيسة القدّيس نيقولاوس. راحت تتساءل في نفسها إن كان ذلك اليوم يوم عيد كنسي يستدعي هذا التّجمّع. وإذ نفذت إلى داخل الإزدحام، اكتشفت أنّ "الأب يوحنا كرونشتادت" كان في الكنيسة، فلم تشأ أن يفوتها لقاءُ هذا الأب المعروف والمكرّم. تدافعت مع الحشد إلى أن بلغت المكان الّذي كان متوَقّعًا أن يخرج منه. وإذا به يخرج لتوّه في تلك اللّحظة، فوقفت على رؤوس أصابعها لترى بشكل أفضل. فما إن وقع نظر الأب يوحنا عليها حتّى هتف على مسمع الجميع :"هذه إمرأة بارّة!"، مشيرًا إلى "كاترين" المُحرَجة، والّتي لم تتوقّع أبدًا التّفاتةً كهذه من قبل الأب يوحنا.

   حادثة أخرى تُظهر قامة والدة الأب صفروني الروحيّة، كانت في يوم رقاد إحدى أخواته، المسمّاة أيضًا كاترين (المدعوّة كاتيا). لم تكن أخته تذهب إلى الكنيسة، ولم يكن موضوع الإيمان بالله مثار تسآل كبير لديها. مع ذلك، بدا وكأنّ تحوّلًا في أعماقها الدّاخليّة، ظهر وهي على فراش الموت، وكانت لم تزل بعد في وعيها. حصل هذا التّحوّل نتيجة معاينة والدتها الرّاقدة. قد عرف الأب صفروني بذلك التّحوّل من خلال رسائل "أخته ماريا"...

   كتبت ماريا، في وصف حالة كاترين قبل موتها: "عندما اكتشفنا أنّ موتها غدا محتّمًا – إذ كانت مصابة بسرطان الكبد، وكان غير قابل للشّفاء، بسبب تعذّر إتمام العمليّة الجراحيّة - قلقتُ لأجل عدم اكتراث أختي بالإيمان". وفي رسالتها التالية، ذكرت ماريا ظهور والدتها السّابق رقادها لكاترين وتفاصيل رقادها...

   كانت كاتيا تحت تأثير المسكّنات، وقد فقدت وعيَها، ثم استعادته لبضع دقائق. فقبل رقادها بيوم واحد، استعادت الوعي، ونظرت مباشرة إلى "ماريا" الّتي كانت بجانبها، وقالت فجأة بوضوح: "ماما لقد رقدتُ كمؤمنة، وأريدكم أن ترقدوا جميعكم مؤمنين". فقالت ماريا لكاترين: "إذًا أنتِ مؤمنة!"، فأ جابت كاترين ماريا، كأنّها قالت شيئًا خارجًا عن الموضوع: "نعم. ولكن يجب أن يعرف الآخرون ذلك أيضًا". عندها سألتها ماريا: "هل تحدّثتِ إلى أمِّنا؟". فأجابت كاترين بوعي كامل:"نعم".

   عندما علم الأب صفروني بظهور والدته لأخته المحتضرة، تضاعف تقديره لها، وصار غالبًا ما يعتبر هذا الحدث مثالًا لقوّة المحبّة الأمّهيّة والصّلاة، حتّى في وضع "ميئوس منه"، كالّذي مرّ معهما...

   قبل أن يغادر الأب صفروني الرّوسيا عام ١٩٢٢، أعطته أمّه، كبركة وداعيّة، صلبيًا صغيرًا ليلبسه. حدث ذلك في الفترة الّتي اجتذبته فيها الدّيانات الشّرقيّة. ورغم هجرانه لإيمان طفولته، اعتاد أن يُخبر، كيف أنّه باقتباله الصّليب بقصد عدم إحزان والدته، كان يشعر أكثر فأكثر بهذه البركة الأمّهيّة، الّتي رافقته طيلة حياته. احتفظ بالصّليب في قلاّيته الرّهبانيّة، وقبل رقاده بقليل طلب أن يوضع على قبره. (بالإضافة إلى أنّه طلب أن يوضع في قبره بعضٌ من التّراب الّذي جلبه معه من قبر والدته في الرّوسيا).

   أيضًا كان الأب صفروني يكرّم بمحبّة كبيرة مربّيته، المدعوّة كاترين أيضًا، والّتي كان لها دور أساسي في تنشئته الرّوحية. كان يذكر ذلك باختصار في أحاديثه: نشأت كاترين في أسرة قرويّة تقيّة، ويصفها لاحقًا بأنّها تجسيد للصّفة الروسيّة "tserkovnii" "كنسيّ" أي الحاملة القداسة. كانت تتميّز بنقاوة قلب كبيرة؛ كانت منذ الطفوليّة تصلّي كثيرًا وبحرارة، في الكنيسة والبيت على السّواء. دبّر لها ذووها الزّواج من أحد شبّان القرية. كانت الشّابة ذات الثّمانية عشر ربيعًا، ساذجة جدًّا بالنّسبة لما سيُطلب منها ليلة الزّفاف. وعندما علمت بالأمر، ذُعِرَتْ وهربت من الشّباك، تاركة كلّ مقتنياتها خلفها. ذهبت إلى موسكو وبحثت عن عمل، والتجأت إلى "عائلة سخاروف" الّتي اتّخذتهاأوّلًا كخادمة، ثمّ مربّية للأطفال. كان الأب صفروني يشبّه قصّتها بسِيَر بعض القدّيسين.

   ترتبط ذكريات طفولة "الأب صفروني" إلى حدٍّ بعيد، بمربّيته. كان يشعر بحالتها الصّلاتية عندما كانت تحمله بين ذراعيها. لم تكن فقط لتأخذه في نزهات، بل إلى الخِدَم الكنسيّة أيضًا، حيث كان الصّغير "سيرجي" (أي الأب صفروني) يجلس عند قدميها وهي تصلّي... تركت تلك الصّلاة النّقيّة، العميقة والحّارة، أبلغ الأثر على الطّفل الصّغير، وأصبحت مربيته، معلّمة الصّلاة الأولى له (للأرشمندريت صفروني). وجوده معها، أقنعه أنّ الصّلاة بإمكانها أن تكون طبيعيّة للأطفال، بمثابة التّنفّس، عندما ينشؤون في مُناخ صلاتي.

   أثّرت هذه الخبرة، وما كان يسمّيه "الحاجة" إلى صلاة غير منقطعة، في مجرى حياة الأب صفروني، حتّى في السّنوات الّتي اجتذبته فيها الدّيانات الشرقيّة، بحثًا عن مطلق فوق شخصانيّ. في هذه الفترة، كفّ عن الذّهاب إلى الكنيسة، وعلى حدّ قوله: "اتّخذت قرارًا بالإبتعاد عن صلاة طفولتي"... كانت "كاترين" تحبّ سيرجي، حبًّا أمّهيًّا خالصًا، وتألَّمَتْ كثيرًا في سنوات ارتداده.

   في أحد الأيام، قبل قليل من عودته إلى الإيمان الأرثوذكسيّ، دخل الغرفة الّتي كانت تقوم فيها مربّيته كاترين بكيّ الثّياب، فلمّا رأته، رفعت قبضتها في وجهه، وكأنّها تريد ضربه، وهتفت به بقسوة ولطف معًا: "أيّها الصبيّ الغبيّ المسكين، ألا ترى كيف أنّ الإنسان بدون الله، ليس سوى جماد؟"... كان الأب صفروني يخبر كيف أنّه في ذلك الحين، وبواسطة صلواتها الحارّة من أجله، حُفظ من الإرتداد الكلّي عن المسيحيّة، أي عندما اتّجه نحو الأفكار الدّينيّة الشّرقيّة غير المسيحيّة، وكان يعترف لها جهارًا بفضل مساهمتها في عودته إلى الإيمان الصّحيح.

   رغم بساطتها وقلّة ثقافتها، كانت تمتلك حَدْسًا روحيًّا عميقًا. فقد ذكر "الأب صفروني" حادثةً أخرى، إذ كان يرسم صورة جانبيّة لأخته كاترين. عندما رأتها المربية، سألته: "لماذا إذًا ترسمها هكذا؟، بعين واحدة؟". بعد عدّة سنوات، عندما بدأ الأب صفروني يتعمّق في رسم الأيقونة، تذكّر كلماتها وانذهل من حكمتها. لأنّه بحسب تقليد كتابة الإيقونة، لا يُرسم القدّيسون جانبيًّا، لأنّ شخصيّة القدّيسين تظهر من خلال العينين.

   أما عن "نيقولا"، أخ "الأب صفروني" فكان الأب صفروني يحبّه بشكل خاصّ، من أجل إيمانه المسيحيّ الصّادق:"إنّه إنسان نادر ومميّز. في حياته، ساهم بتقديم السّلام للعديد من الأشخاص، هذا السّلام الّذي عالمنا اليوم بأمسّ الحاجة إليه، وبالتّالي كلّ واحد منّا". حتّى في شبابه، كان نيقولا يتميّز بالحكمة. مرّة، إذ كان يتمشّى وسيرجي في موسكو، مرّا قرب منزل تصاعدت منه أصوات نقاش حادّ وشجار. فقال نيقولا لسيرجي: "هل تعلم كيف تبتدىء هذه الخصومات والمشاجرات العائليّة؟"... "كيف؟" سأل سيرجي. "على الواحد أن يقول فقط:"أوليَس لي ما أقوله أنا في هذا الموضوع؟"، ويضرب على الطّاولة بقبضته".

   عُرِفَ "نيقولاوس" منذ عمر مبكّر، برهافة حسّه (الّذي كان يعتبره الأب صفروني صفة أساسيّة في الأبوّة الرّوحيّة، والّذي جعله يعتبر أخاه بمثابة "ستاريتز"*). في شبابه، نصح الطّبيب نيقولا أن يُمضي فترةً في مصحٍّ في "بيالورسيا". وقد كان محطّ أنظار السّكّان المحليّين، كواحد من سكّان العاصمة، فكانوا يسألونه عن موسكو وأمور أخرى. وكانوا يلاحظون للحال سعة معرفته واطّلاعه. فكان أن أطلعته سيّدة قرويّة على مشكلة تواجهها مع ابنتها ذات السّبعة عشر عامًا، والّتي كانت تعاني صعوبة فهم ما تتعلّمه في المدرسة، إلى حدّ أنّ الجيران اعتبروها متخلّفة عقليًّا. بعد أن التقى نيقولا الفتاة، أخبر الأمّ: "ليست حمقاء، عليها فقط ان تتعلّم كيف تجمع ذهنها. أقترح عدّة مرّات في النّهار-وخاصّة قبل الدرس- أن تتلو ثلاث مرّات "إفرحي يا والدة الإله"** ، ولسوف يصطلح الوضع. اتّبعت الفتاة النّصيحة، فلم يمضِ وقت طويل حتّى التحقت برفاقها.

   من بين زائري نيقولا، كانت امرأة شابّة، جاءت تستشيره بشأن مشاكلها مع حميها. كان رجلًا فظًّا، نادرًا ما يخاطب كنّته من دون صراخ، وهذا كان يؤلمها كثيرًا.  أسدى لها نيقولا نصيحة غريبة: "عندما يبدأ بالصّراخ، اجلسي وكلي الخبز". وبالفعل، بعد وقت قصير ابتدأ الوضع بالتحسّن. لقد اكتشف نيقولا صفة أخرى للرّجل- لقد كان بخيلًا. عندما كان يرى أن صراخه وقسوته على كنّته، كانا يثيران شهيّتها، كان يحاول ان يضبط نفسه، بدافع التّوفير.

   في عمر نضجه، التحق نيقولا بمجموعة تابعة للأب ألكسي ميشيف***. في وقت ما، تبعًا لنصيحة الأب ألكسي، راح نيقولا يفكّر جدّيًا باقتبال الكهنوت، وابتدأ يحضّر ذاته للخدمة في أبرشيّة "ألما-أتا".كان يذكر الأب صفروني كيف أنّ مزاج نيقولا، وطريقته في التّحدّث، وصبره، وموقفه القلبيّ وانفعالاته الروحيّة - بل كلّ ما في شخصه كان يدلّ على "طينة" كهنوتيّة. كان ذا وجه سلاميّ مميّز، يعكس سلام روحه العميق. عندما كان يحضر الخدم الكنسيّة، كان يلاحظه الكاهن بين جموع المصلّين، ظانًا أنّه كاهن، وكان يدعوه إلى الصّلاة في الهيكل****.  مع ذلك لم يكن الكهنوت رسالة نيقولا. سنة ١٩٣٠، ابتدأ بالعمل للدّولة، في البنك المركزي للإتحاد السّوفياتي، حيث بسبب غيرته منه كتب بحقّه أحد زملائه تقريرًا، وقد لاحظ تقدّمه السّريع في العمل، قال فيه: "إنّ نيقولا بترتيله الصّلوات والمزامير، يقود حملةً ضدّ الدّولة السوفياتيّة". وكنتيجة لهذه الشّكوى، أوقِفَ نيقولا في العام ١٩٣١، وأُرسل للعيش في مركز في بلدة "سيميبالاتنسك". وقد صدر الحكم لا لأجل "الصّلوات والمزامير"، بل لأجل رفضه، حتّى بعد استجواب قاسٍ، أن يشهد ضدّ أيّ من أبناء رعيّة الأب الكسي ميشيف. لم يكن ليُخفي إيمانه. حتّى إنّه أخبرهم أنّه يرتّل في جوقة الكنيسة. (وقد أخبر لاحقًا أنّه تحت التعذيب، كان يصلّي أن يمحو الله أسماءهم من ذهنه حتّى لا يتعرّض لإدانتهم).

   عاد نيقولا إلى موسكو، سنة ١٩٣٤. كان خادمًا نشيطًا في الحرب العالميّة الثانية. ثم سنة ١٩٤٩، ترحّل ثانيّة بشكل مفاجىء، هذه المرّة إلى فلاديمير، حيث أُخضِع لإستجوابات قاسية. إستمرّ على قيد الحياة بأعجوبة - العديد من المسيحيين رفقائه لم يعودوا من المنفى، بل تمّت تصفيتهم. نيقولا أيضًا، صدر القرار بإعدامه رميًا  بالرّصاص. عادة، عندما يستنتج المحقّق أنّه من المستحيل حمل المستجوَبَ على الإقرار بشيء، كان يبعث أمرًا سرّيًا بواسطة الهاتف، فيُرمى المستَجوَب بالرّصاص في الممرّ، وهو في طريقه إلى غرفته. وقد صدر أمر مماثل بالنّسبة لنيقولا. عندما وضع المحقّق سمّاعة الهاتف، تابع إستجواب نيقولا. لكن فجأة، بدأ المحقّق يشعر بتوعّك في صحّته؛ كان عرضةً لنوبةٍ قلبيّة. فتح نيقولا الباب بسرعة، ونادى: "النّجدة، المحقق مريض"، وفي غمرة الجلبة الّتي حصلت، لم يعد أحد مكترثًا بأمر المحقّق بتصفية نيقولا. وصلت المساعدة الطبّية في الوقت المناسب، وبقي المحقّق على قيد الحياة. وعندما تعافى المحقّق، واكتشف ما فعله نيقولا، إنذهل. استطاعت محبّة نيقولا المسيحيّة أن تتغلّب على النّوبة القلبيّة الّتي أصابت معذّبه. عندما صارا وحيدَين، اعترف لنيقولا: "كنتُ قد أمرتُ بتصفيتك"، ثم أضاف "لقد أنقذتَ حياتي. والآن أنا سوف أنقذ حياتك. سوف يتمّ نقلك قريبًا إلى وظيفة أسهل، إلى المكتب الدّينيّ في السجن، وعندما تنتهي مدّة حكمك، تعود إلى بيتك، وهكذا، عام ١٩٥٨، عاد نيقولا نهائّيًا إلى منزله.

   الإستجوابات الّتي تعرّض لها نيقولا، أثّرت سلبيًّا وبشكل كبير على صحّته الجسديّة، لكن إيمانُه بالأكثر، ومحبّته لله وللقريب تعمّقا كثيرًا... وفي أبيات وردت ضمن سلسلة طويلة من القصائد، وجّهها إلى زوجته المحبوبة، وصديقه قال:

ليس هنا، بل هناك، سوف يُعطى الكلّ
المعرفة الرّبيّة بكمالها، بنجازها...
ضع جلّ اهتمامك في التوق الإلهي
فبه نسير إلى الأبديّة.

   رقد نيقولا في تشرين الثّاني، ١٩٨٠. سأله مرّة الأب صفروني كيف استطاع أن يحتمل كلّ ما تعرّض له من التّعذيب، فأجاب: "لا شيء ممكن، من دون صلاة". سنة ١٩٩١ بعث الأب صفروني نسخة من كتابه "في الصّلاة" إلى إبنة نيقولا، وفي الإهداء كتب:"تذكّري دومًا أنّ أباك، كان قدّيسًا على الأرض، وهو الآن يرتع في مجد عظيم في السّموات".

   أحد الأسباب الّذي منع الأب صفروني من الكتابة إلى نيقولا، رغم محبّته واحترامه الكبيرَين له، كان تخوّفه من تعريض أخيه وعائلته لخطر السّلطة السّوفياتيّة. هذا ما يفسّر لماذا وجّه رسائله إلى "ماريّا"، الّتي كانت قد ترمّلت قبل قليل من بدء المراسلات، ولم يكن لديها أولاد- وإلى "شورا" (تصغير ألكسندرا)، التي كانت غير متزوّجة.

الأب صفروني مع أخته ماريا في إسيكس.

   "ألكسندرا" أخته كانت غير مؤمنة، أمّا ماريّا فكانت تحيا على عكسها تمامًا. ذات يوم، كانت ماريا تصلّي خوفًا من إمكانيّة حدوث قمع جديد، وإذ كانت في حالة الصّلاة، شعرت كأنّ أحدًا يحيطها برفق بذراعيه من الخلف، وسمعت بوضوح صوت المسيح في داخلها: "لا تخافي، سوف أحميكي". لم تشكّ و لا للحظة من هو الّذي تفوّه بتلك الكلمات. مذّاك، غادرها الشّعور بالخوف، إلى الأبد. وبقي ذكر هذه الحادثة في قلبها، حتّى نهاية حياتها، وقد منحتها الشّجاعة، عندما كان عليها أن ترتّب معاملات السّفر إلى بريطانيا لرؤية الأب صفروني (سنة ١٩٦٠). في تلك الفترة، كانت الحرب الباردة في أوجها، وكان كلّ اتّصال بالغرب محفوفًا بمخاطر كثيرة. لكنّ ماريا ذهبت من دون وجل إلى كلّ المؤسسات السّوفياتيّة المختصّة بالسّفر الخارجي. وكانت رباطة جأشها توحي إلى كلّ الموظّفين والعاملين، بأنّه فقط، من كان تحت حماية شخص مهمّ من المراتب العليا، بإمكانه التحرّك بهذه الحريّة، لذلك أمدّوها بكلّ ما احتاجت إليه من الملفّات، دون أن يسألوا أيّة أسئلة خاصّة. وهكذا استطاعت السّفر. لم يتكهّن أيّ من زملائها في العمل، أين كانت؛ اعتقد الجميع أنّها كانت في زيارة لأقربائها في "ألما-أتا". [...]

   الرّاهب  الأب الكاهن نيقولا (سخاروف).


المرجع:

Archimandrite Sophrony (Sakharov) (2015), Letters to his family, Stavropegic Monastery of St John the Baptist, Essex, London.


* ستاريتز=(شيخ روحاني)، راهب متميّز بقداسته، وبخبرة طويلة في الحياة الروحيّة وموهبة  إرشاد النفوس.

** ترتيلة أرثوذكسيّة معروفة: إفرحي يا والدة الإله العذراء مريم يا ممتلئة نعمةً، الرب معك، مباركة أنت في النساء ومبارك ثمر بطنكِ، لأنّكِ ولدتِ مخلِّص نفوسنا.

*** ١٨٥٩-١٩٢٣، وقد كرّم مذّاك كقديس.

**** وهو امتياز محفوظ للكهنة فقط (المترجم).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share