بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
"ما أحبّ مساكنك يا ربّ القوّات".(مز ٨٣: ١).

كنيسة ميلاد والدة الإله، في قرية "بودموغلوف"، في روسيا.




نشأت قرية "بودموغلوف" سنة 1629. أمّا كنيسة "ميلاد والدة الإله"، فابتدأت مسيرة إنشائها في القرن الثّامن عشر، زمن القيصر بطرس الأكبر. عرف هذا الأخير بشغفه بالتطوّر والإصلاح، وكان يكره الكثير من التّقاليد الرّوسيّة، بما فيها الكنيسة. فأمر بوضع كلّ الكنائس والأديرة تحت سلطة الدّولة، ومنع بناء الكنائس الجديدة. بعد رقاد آخر بطريرك (أدريان) سنة 1700، وضع بطرس نظامًا جديدًا للكنيسة، يحكمه مدنيّون، ومنع منصب البطريرك وجعل الكنيسة جزءًا من الدّولة.

   

الأمير "غريغوري دورغوروكوف"

الأمير "غريغوري دورغوروكوف" مالك قرية "بودموغلوف"، كان مقرّبًا من القيصر بطرس، وذا مكانة مهمّة في القصر، ورجل المهمّات الصّعبة والمسؤوليّات الجسيمة. وبسبب مهامّه، كان كثير السّفر، وتاليًا تسنّى له أن يطّلع على ما وجد جديدًا ومختلفًا لدى الأوروبيين في ذلك الزّمان.

    شرع "غريغوري" ببناء الكنيسة بالحجارة بأيدي عمّال روسيين، وإشراف مهندس سويسري. لكنّ القيصر أوقف البناء، إذ أصدر قرارًا بمنع البناء الحجريّ في روسيّا في سبيل حشد كلّ الإمكانيّات لأجل إشادة العاصمة الجديدة، "سانت بيترسبورغ". وتجمّد المشروع. لكنّ السكّان استطاعوا قليلاً قليلاً الاستمرار فيه حتّى تمّ إنجازه سنة 1723. أمّا "غريغوري" فرقد ولم يكن لدى ابنه أدنى اهتمام لا بالقرية ولا بالكنيسة. وهكذا تركت الكنيسة بدون نوافذ ولا هندسة داخليّة، مدّة 30 عامًا، إلى أن استلم المشروع الحفيد "نيكولاي".

    نجح "نيكولاي" في استصدار سماح من المسؤولين الكنسيين (المجمع المقدّس)، بتزيين الكنيسة بستّة عشر تمثالاً من الخارج، للرسل الإثني عشر والإنجيليين الأربع، وهو ما كان ممنوعًا منذ سنة 1722 في الكنيسة الرّوسية. فكان أن تميّزت هذه الكنيسة بهم على غرار الملائكة الموجودين على سطح قلعة "بيتروبافرسكايا"، ودير "بيتروفسكي". ويبدو أنّ هندسة كنيسة "بودموغلوفو" استلهمت من الهندسة الإيطاليّة، مثلاً من لوحة خطبة العذراء، لرافاييل، حيث ترمز الكنيسة المستديرة إلى كون والدة الإله هي الكنيسة الكونيّة.

    ثمّ  في النّصف الثّاني من القرن الثّامن عشر، الّذي تميّز بالتّجارة ورؤوس الأموال، تجدّدت الكنيسة من أموال ثرييَن من "سيربوكوف"، القرية المجاورة، "تيموثي" و"فاسيلي"، وتم رسم إيقونات جديدة للإيقونسطاس، وحائطيّات الكنيسة، كما تم بناء برج الأجراس الّذي جرى تحطيمه فيما بعد.

    مع الثّورة الشيوعيةّ، في تشرين الأوّل 1917، مُنعت الخدم الإلهيّة في الكنيسة.صوّت معظم السّكان على تحويل الكنيسة إلى "إرث ثقافي"( نادٍ للغناء، للرّقص... أيّ شيء لا علاقة له بالله والكنيسة). كان القرار مثار أخذ وردّ لفترة طويلة، ثم في نهاية الثلاثينات تم إغلاق الكنيسة نهائيًّا، مع اعتبارها "إرثًا ثقافيًّا"، وهو ما ساعد في نجاتها من الدّمار الكامل على غرار العديد من الكنائس الأخرى في فترة الحكم الشّيوعي.

الكنيسة منحجبة بنموّ الأغصان عليها.
لم يقم النّظام بالحفاظ على الكنيسة. ومع مرور الأيّام صار المكان في حالة مزرية: نهبت الكنيسة من الدّاخل، وحطّمت النوافذ، وغطّت السّطح الأخشاب والأتربة. ثمّ في نهاية الفترة الشّيوعيّة، في الثّمانينات، قام بعض الرّعاع بتحطيم خمس من التّماثيل الموجودة على الشّرفة، ورموها أرضًا.

    عادت الكنيسة إلى رعاية الكنيسة الأرثوذكسيّة، بعد سقوط الحكم الشّيوعي سنة 1992، وتمّ إصلاح الكنيسة بالكامل على نفقة سكّان القرية. تمّ التعرّف على بعض المواقع الأصليّة لتماثيل الرّسل المنحوتة على الشّرفة من خلال الصّور القديمة والكتابات المتبقيّة.

    انتهى ترميم البناء سنة 2014، ولكن ما زال العمل قائمًا على صنع الإيقونسطاس الجديد، وتفاصيل أخرى.

    تقام الخدم الإلهيّة في الكنيسة كلّ يوم أحد وفي الأعياد الكبيرة. ويستقطب المكان الزوّار من كلّ أنحاء الرّوسيا. كما تقام، في حرم الكنيسة، من وقت لآخر، لقاءات ثقافيّة، كأمسيات موسيقيّة كنسيّة وكلاسيكيّة، ويشجّع على ذلك، بخاصّة، موقع الكنيسة، وفرادتها، وكون كاهن الرّعيّة، الأب "ديونيسي" خرّيج الأكاديميّة الرّوسيّة للموسيقى.

    أقيمت أول خدمة إلهيّة في الكنيسة، في عيد ميلاد والدة الإله، الموافق، بحسب التّقويم الشّرقي، الحادي والعشرين من شهر أيلول، سنة 2014.



(نقلها عن الرّوسيّة للموقع، الأخ "فاسيلي بيرفانيوك"، من أبناء رعيّة كنيسة ميلاد والدة الإله في "بودموغلوف".

المصدر: www.hram-podmoklovo.ru

ونقلتها إلى العربية عائلة الثالوث القدوس، دوما، لبنان.)

أنقر على الصّور لمشاهدتها.


قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share