إنّ القداس الإلهيّ هو ذروة محبّة الله، فبينما نحن نتلقّف العطايا من الله، نقدّم له الشّكر في الوقت عينه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الفضائل تأتي من وسط الجهاد، وعندما تكون الفضائل غير مُجرَّبة فهي ليست بفضائل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).حين تكون صلاتنا مبللة بالدّموع لأجل العالم بأسره حينئذ نجلب إلى داخلنا رحمة الله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).دعونا لا نكون مجربين لأنفسنا، ولا نسبّب التّجربة لأنفسنا. دعونا نقبل بصبر كلّ تجربة تأتي ونقدمها لله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ التّوق الجيّاش للقاء الله والتعرّف عليه هو الطّاقة الباعثة للحرارة في الصّلاة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
عن التّكلّم بالألسنة.
للقدّيس بورفيريوس الرّائي.

   لقد كُتب في أعمال الرّسل (٢: ٣-٨) أنّه في اليوم الخمسين، عندما امتلأ التّلاميذ من الرّوح القدس، بدأوا يتكلّمون بلغات غريبة، حتّى إنّ الجمع الّذي كان متجمهرًا تعجّب كيف أنّ كلّ واحد منهم كان يسمعهم يتكلّمون بلغته الأمّ.

   هناك آراء مختلفة في تفسير هذه الظّاهرة. ففيما يعتبر البعض أنّ تنوّع اللّغات لم يكن في آذان المستمعين، بل من أفواه التّلاميذ المتكلّمين، يرى آخرون أنّ المستمع كان يسمع الكلام في لغته، أيًّا تكن اللّغة الّتي يتحدّث بها الرّسول. يُعلّم القدّيس "يوحنّا الذّهبيّ الفمّ"، إنّه في اليوم الخمسين فعلت اللّغات البشريّة الكثيرة فعلها في إنسانٍ واحد، وذلك بعكس ما جرى في برج بابل حين تفرّقت اللّغة البشريّة الواحدة إلى لغات عديدة. وقد سُميَت الموهبة "موهبة الألسنة" لأنّ ذلك الإنسان استطاع أن يتكلّم بأصوات كثيرة مجتمعة. وبما أنّنا لا نستطيع عمليًّا أن تصوّر فمًا واحدًا ينطق في وقت واحد بلغات كثيرة، ليس من تفسير آخر سوى أنّ صوتًا واحدًا انطلق من فمّ الرّسول ووصل بنعمة الله مختلفًا إلى ذهن كلّ واحد، أي مترجَمًا في لغته، وهذا ما قصده القدّيس "غريغوريوس النّيصصيّ" في عظته الدّفاعيّة الثّانيّة الشّهيرة حين قال: "يجب أن نعلم أنّ الرّوح القدس يتكلّم معنا بتعابيرنا الخاصّة. كما تعلّمنا من أعمال الرّسل أن كلّ واحد تلقّى التّعليم بلغته الأمّ، مستوعبًا معنى المقول بالكلمات المألوفة لديه... تعلّمنا أنّ القوّة الإلهيّة توزّعت إلى لغاتٍ كثيرة لئلاّ يُحرم أحد من أصحاب اللّغات المتنوّعة المنفعة".

   في ما يلي شرح "للقدّيس بورفيريوس" عن التّكلّم بالألسنة، إذ ارتضت العناية الإلهيّة أن يُسجّل في منسكه حديث في هذا الشّأن في ٣ تشرين الأوّل ١٩٨٧:

   الزّائر: في اليوم الخمسين وهناك، كما يقول (الكتاب)، كانوا يسمعونهم يتكلّمون بلغاتهم.

   الشّيخ: الفرتيّون، والماديّون والعيلاميّون.

   الزّائر: وسكّان ما بين النّهرين.

   الشّيخ: هل ستتذكّر أن تقرأه لي؟.

   الزّائر: نعم، بكلّ تأكيد أيّها الشّيخ.

   الشّيخ: لأنّه لديّ تفسيري الخاصّ، بنعمة الله. طبعًا، ولا آظنّ أنّه جيّد... طبعًا إنّه ليس جيّدًا، لأنّه هناك يقول ألسنة، أما بالنّسبة إليّ، فإنّه لما حلّت نعمة الرّوح القدس "كأنّها هبوب ريح عاصفة" وخصوصًا لما خرجوا إلى السّاحة واجتمع النّاس، فاضت النّعمة على النّاس أيضًا... نعم، "فاضت النّعمة".

   الزّائر: وبينما كان هؤلاء يتكلّمون العبريّة كان أولئك يسمعون لغتهم.

   الشّيخ: وقد قلنا إنّ كلّ النّاس تأثّروا ، المؤمنون وغير المؤمنين. وارتدّوا إلى الله وهرعوا ليعتمدوا، وهكذا سمع كلّ واحد منهم لغته. ويمكن أن يكون الرّسول قد تكلّم بلغته... قائلاً: الآن انطلقوا حالاً إلى بيوتكم، فسمع من كان فرنسيّ بينهم بلغته: va à la maison.

   الزّائر: نعم.

   الشّيخ: أفهمت؟.

   الزّائر: أيّها الشّيخ، هؤلاء...

   الشّيخ: اسمع. لقد تغيّرَتِ الطّريقة. هنا نسمع الصّوت عبر الأذن. لكنّ العقل يلتقط المعنى بوساطة البصيرة. (ملاحظة للنّاشر: أي إنّ الصّوت لم يتغيّر على الرّغم من قولنا إنّه كان يسمع بعدّة لغات، لأنّ الفهم كان يتمّ ذهنيًّا، داخل العقل، بوساطة البصيرة الّتي مُنحت في ذلك الحين لسامعي الرّسل).

   الزّائر: نعم.

   الشّيخ: هذا يعني، حين تقول أنت: أرى في "سونيو"!. أما أنا فأرى في "سونيو" كلّ شيء كما هو، أرى المنارة الّتي لا ترونها أنتم... كلّ ذلك من دون عينَين. (كان الشّيخ، وهو كفيف البصر، يرى الأماكن ببصيرته بشكل أفضل مما يراها الآخرون بعيونهم الجسديّة).

   الزّائر: نعم.

   الشّيخ: إذًا هذا ما حصل... كان الصّوت يطرق في الأذنَين، أمّا في عقولهم، فكانوا، بالاستنارة الإلهيّة، يفهمون ما يُقال. كان يقول "اذهبوا إلى بيوتكم". ولكن الّذي صوّت قال بلغته... لست أدري... كالمَثَل الّذي أعطيته. فأنتم رأيتم "سونيو" بعيونكم. أمّا أنا فرأيتها أفضل من دون عينَيّ.

   الزّائر: نعم، طبعًا...

   الشّيخ: ولما قالت فلانة إنّ هناك منارة، قاطعتها، لأنّي قد رأيتُها... ما رأيك بهذا؟.

   الزّائر: اسمح لي أيّها الشّيخ أنّ أشدّد على هذا.

   الشّيخ: يعني أنّ هذا الصّوت أضحى مفهومًا بلغة كلّ واحد.

   الزّائر: هذا مهمّ جدًا، لأنّني إذا قرأتُ لك المقطع من أعمال الرّسل، يتبيّن أنّه في تلك اللّحظة، حين كان بطرس يكلّم الجمع، كانت تلك الآلاف تسمعه بلغتها في الوقت ذاته. هكذا يقول الكتاب. فكيف يمكن إذًا... أن يقول كلّ كلمة في خمس عشر أو عشرين لغة؟!... ففيما كان بطرس يتكلّم بالعبريّة كانت تترجم الكلام في ذهن كلّ من السّامعين إلى لغته.

   ولقد كانت للشّيخ القدّيس بورفيريوس هذه الموهبة للترجمة الآنيّة كما شهد له العديدون: فكانت السّيدة اليونانيّة تسمعه باللّغة اليونانيّة وفي الوقت عينه كانت السّيّدة الفرنسيّة تسمعه يتكلّم باللّغة الفرنسيّة... تمامًا كما كُتبَ في أعمال الرّسل "كان كلُّ واحد يسمع بلغته الّتي وُلد فيها".


   المرجع:

   بالقرب من الشّيخ بورفيريوس (ذكريات ابن روحيّ)، للمؤّلف قسطنطين يانّيتسيوتيس، مكتبة البشارة، بانياس (٢٠١١).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share