قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
أُجرة المرض السّماويّة.
القدّيس باييسيوس الآثوسيّ.

   - كيف حال أمّكِ؟.

   - ياروندا، إنّها ليست جيّدة. فهي تُعاني من حرارةٍ مرتفعة تُصيبها لفترة من الوقت ثمّ تفقد وعيها. وقد تَغطّى جلدُها بالقروح. وتقضي اللّيل بألمٍ ووجع.

   - مثل هؤلاء البشر هم شهداء، وإذا لم يكونوا شهداء كاملين فهُم نصف شهداء على الأقلّ.

   - ياروندا، حياتُها بكاملها كانت معاناةً طويلة.

   - بالتّالي، ستكون مُكافأتُها مُضاعفة. وهناك الكثير بانتظارها!. لقد ضَمِنَت الفردوس. عندما يرى المسيح أنّ شخصًا ما يُمكنه احتمال مرضٍ خطير، يُعطيه إيّاه، حتّى إنّه بهذه المعاناة القليلة في هذه الحياة ينالُ مكافأته في الحياة الأبديّة السّماويّة. يتألّم أحدُنا هنا، من يتألّم هنا سيُكافأ في الحياة الأخرى، فهناك فردوس ومكافأة أيضًا.

   أخبرتْني اليومَ امرأةٌ تخضع لغسل الكليّ منذ سنوات: "أيّها الأب، أرجوك أن تُبارك ذراعي، فالأوردةُ مليئةٌ بالقروح ولا أستطيع أن أغسل كليتيّ". فأجبتُها: "في الحياةِ الأخرى، ستصيرُ هذه القروح ماساتٍ أغلى ثمنًا من كلّ ماساتِ هذا العالم... منذ كم من السّنين وأنتِ تغسلين كُليتَيك؟". أجابتني: "منذ اثنتَي عشرةَ سنة". فأضفْتُ: "أنتِ أُهِّلتِ لتقاعدٍ مخفّضٍ وعلاوةٍ على تقاعدك في نفس الوقت". ثمّ أرتني جُرحًا في الذّراع الأخرى وقالت: "أيّها الأب، هذا الجرحُ لا يلتئمُ والعظمُ ظاهرٌ من خلاله". فأكّدْتُ لها: "نعم، لكن يمكنُكِ رؤية السّماء من خلال هذا الجرح... تشجّعي، وانا سأُصلّي ليزيد المسيحُ من محبّتك له، فتَنْسي ألمكِ. هناك أيضًا التّضرّع الآخر، بأن يُزيل الألم، لكن عندها ستزول أيضًا المكافأة الكبيرة، لذلك، فإنّ التّضرّع الأوّل أفضل بكثير". فتعزّت المرأةُ المسكينة.

   عندما يُمتحن الجسد، تتقدّس النّفس. فبالمرض نختبر الألم في جسمنا، منزلنا الأرضيّ. أمّا نفسُنا وهي مالكة المنزل، فتبتهج أبديًّا في القصر السّماويّ الّذي أعدّه لنا المسيح. أنا أحبّ وأفرح بهذا المنطق الرّوحيّ الّذي يعتبره النّاس العالميّون غير معقول، وأفتخر بجروح جسدي. الأمر الوحيد الّذي أفكّر فيه هو حصولي على مكافأةٍ سماويّةٍ. فأنا، كما أفهم، أدفع دينَ جحودي ونكراني لجميل الله، لأنّي لم أستجب لعطاياه الكثيرة وإحساناته. فكلُّ شيءٍ في حياتي كان احتفالاً، حياتي الرّهبانيّة والمرض الّذي أُعاني منه. يُغدق الله دائمًا عليّ بوافرِ محبّته وعظم تدبيره. لكن، صلّي حتّى لا يجعلَني أدفع ديون هذه الأمور في هذه الحياة، لأنّي سأضيع عندها، ويا حسرتي!. سيُشرِّفني المسيحُ لو استطعتُ أن أتألّم أكثر من أجل محبّته، ما دام هو يهبُني القوّةَ لأتحمّل، ولذلك أنا لا أريدُ مكافأةً.

   أخبرَني والداي أنّه عندما كان يمرضُ أهلُ "فاراسا"، لم يكونوا يهرعون فورًا إلى الحجي أفندي (وهو القدّيس أرسانيوس الكبادوكيّ المُعيّد له في ١٠ تشرين الثّاني) للحصول على الشّفاء. لكنّهم كانوا أوّلاً يحتملون الألم بقدر ما استطاعوا، بتضحيةٍ وصبرٍ، لاعتقادهم بأنّ المعاناة بركة. فقد كانوا يفكّرون: "فلأتعذّب مع المسيح قليلاً هو الّذي عانى الكثير من أجل خلاصنا". ثمّ كانوا يذهبون إلى الحجي أفندي ليشفيَهم، وذلك عندما كانوا يروا أنّ أعمالهم تتراجع وعائلاتهم تعاني. هذا هو مقدار التّفاني الّذي كانوا يتمتّعون به. إذا كان النّاس العلمانيّون يفكّرون بهذه الطّريقة ويملكون هذا الصّبر، فكيف يتوجّب عليّ، أنا الرّاهب، أن أُفكّر؟. لقد قال المسيح: "بصبركم تقتنون أنفسكم" (لو ٢١: ١٩). لم يُسرّ الله بإحسان أيّوب، عندما كان يملك ثروةً طائلة، كما سُرَّ بصبره واحتماله خلال المصاعب الّتي حلّت به.

   إنّ الإنسان الّذي يتمتّع بصحة كاملة، ليس على ما يرام. ومن الأفضل بالنّسبة له أن يُعاني من مشكلةٍ صحيّةٍ. سأتحدّث عن نفسي، لقد استفدْتُ من مرضي أكثر ممّا استفدْتُ من كلِّ الجهادات النّسكيّة الّتي قُمتُ بها حتّى الآن. لهذا أقولُ أنّ الإنسان الّذي ليس لديه أيّه التزاماتٍ، يجبُ أن يُفضِّلَ المرض على الصّحة الكاملة، فصحته دينٌ عليه. لكن بسبب مرضِه هذا، طبعًا إذا تحمّله بصبرٍ وشكرٍ، سيتمكّن من الحصول على شيءٍ أهمّ. عندما كنتُ في ديرٍ شركويّ، أتى لزيارتي أُسقفٌ قدّيس عجوزُ اسمه "إيروثيوس"، وكان يعيش بنُسكٍ في إسقيط القدّيسة حنّة. عند مغادرته، وبينما كان يهمّ بركوبِ الدّابة، رُفعَ سروالُه وظهرتْ ساقاه المتورّمتان. وعندما شاهد الآباءُ، الّذين سارعوا لمساعدته ساقَيه، أصابتْهم الدّهشة. فعرفَ الأسقف سبب انذهالهم وقال: "هاتان السّاقان أفضلُ عطيّةٍ وَهَبَني إيّاها الله. وأنا أُصلّي لكي لا يحرمَني منها".

   - ياروندا، عندما تقول أنّ المريض يحتملُ مرضه بصبرٍ، فهل تعني أنّه لا يُظهرُ ألمه للعيان؟.

   فقط في آخر المطاف وعند أقصى درجات الحاجة يُمكنه أن يدع الآخرين يعرفون بألمه. قد يقول بأنّه يتوجّع، لكن ليس لدرجةٍ كبيرة. لأنّه، إذا لم يُخبرهم بألمه فقد يسيئون الظّنّ به ويتعثّرون من بعض تصرّفاته. على سبيل المثال: لو أُصيب أحد الرّهبان بمرض ما وعانى من مشكلة صحيّة ولم يستطع حضور الصّلاة، فقد يتأذّى البعض من أفكارٍ سيّئة بخصوص غياب هذا الرّاهب...


المرجع:

القدّيس باييسيوس الآثوسي، جُزنا بالنّار والماء، نقلته إلى العربيّة الأخت إيلين منصور، مكتبة البشارة بانياس (٢٠١٥).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share