من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
إبراهيم بن أدهم
زاهد مسلم يحاكي آباء البريّة المسيحيّين.

   استمددنا عناصر هذه المقالة من أحد فصول كتاب "أبحاث تاريخيّة وأثريّة" لـ"جبرائيل سعادة"، الطّبعة الثّانية ١٩٩٥. النّص الكامل للمقالة ورد، أصلاً، بعنوان "Un grand saint musulman Ibrahim fils d’Adham” في المجلّة الإيطاليّة "Levante (Roma) – XV année N4 1968 p.24-44". النّقل إلى العربيّة هو لسلمان حرفوش.

   جبلة، مدينة على السّاحل السّوريّ، على بعد حوالي ثلاثين كيلومترًا جنوبيّ اللاّذقيّة. فيها جامع يحمل اسم "جامع السّلطان إبراهيم"، وهو يضمّ ضريح الذّائع الصّيت إبراهيم بن أدهم الّذي عاش في القرن الثّامن الميلاديّ.


جامع السّلطان إبراهيم ابن أدهم في سوريا

   قصص إبراهيم تداولها، أوّلاً، العرف الشفويّ. جمع عددًا كبيرًا منها، في القرن الحادي عشر، أبو نعيم الأصبهانيّ. مذ ذاك كتب عنه الكثيرون أمثال السّلّميّ والقشيريّ وياقوت الحمويّ وأبي الفداء وابن الورديّ واليافعي وابن بطّوطة والشّعراني والمناويّ وسواهم من المؤرّخين. فريد الدّين العطّار، في القرن الثّامن عشر، وضع مؤلّفًا باللّغة الفارسيّة، ضمّنه العديد من الرّوايات والأقوال عن إبراهيم. إلى ذلك، كُتبت عنه بالتّركيّة رواية بقلم الدّرويش حسن الرّوميّ، وثمّة سيرة له بالأندونيسيّة، وقصّة حياته لشاعر هنديّ، ورواية شعريّة بالماليزيّة، وقصّة بلغة جاوا، وقصص شعبيّة بالفارسيّة، وقصيدة بالعربيّة لناظمها "درويش"، من القرن الثّامن عشر.

   والد إبراهيم من ملوك خرسان. عاصمته كانت تُدعى "بلخ"، في أفغانستان، اليوم. وقيل ورث المُلك من جدّه أبي أمّه.

   وُلد إبراهيم سنة ١٠٠ للهجرة، أو ٧١٨/١٩ للميلاد. استلم المُلك بعد وفاة جدّه لأمّه. تزوّج وأنجب صبيًّا.


نداء الله

رسمٌ لإبراهيم بن أدهم عند شاطئ البحر عندما جاءت الملائكة لتطعمه

   تقول إحدى الرّوايات إنّ إبراهيم، بينما كان مستغرقًا في نومه، سمع وقع خطى فوق سطح القصر، فهتف بهم يسألهم ماذا يفعلون، أجابوه بأنّهم يفتّشون عن جمال لهم شاردة. عندئذ نسبهم إلى الجنون، لأنّ ما لم يخطر ببال أحد ليبحث عن جمال فوق الأسطحة، فردّوا عليه بأنّه أكثر جنونًا منهم قائلين: ها أنت تجلس على سرير مذهّب وتلبس ثيابًا حريريّة، وتتوهّم أنّك تستطيع من فوق كرسيّ المُلك، أن تصل إلى الله!.

   رواية أخرى تحكي أنّ مسافرًا غريبًا قال، مرّة، لإبراهيم، إنّه يريد أن يستريح في ذلك الخان، ويقصد قصره، فاستغرب إبراهيم أنّه يدعوه خانًا. أجاب المسافر: "لمن كان هذا المكان من قبلك؟"، أجاب: "لوالدي". فسأله المسافر: "ولمن كان من قبل والدك؟" فأجاب: "لجدّي". وأين والدك وأجدادك الآن؟"، "لقد قضوا نحبهم!"، قال إبراهيم. فأردف المسافر: "إذًا لستُ مخطئًا إذ أسميتُ هذا المكان خانًا!"، ثمّ همّ أن ينصرف، فاستحلفه إبراهيم بالله من يكون لأنّه أشعل نارًا في روحه، فعرف منه أنّه "الخضر!".

   وتقول رواية ثالثة إنّه رأى من نافذة قصره فقيرًا، يجلس مطمئنًّا، فدفعه الأمر إلى التّساؤل عن جدوى الأبّهة الّتي يرفل فيها، فيما الرّوح الباحثة عن الرّاحة والطّمأنينة لا تحتاجُ إلا للقليل، ممّا هو متوفّر لدى ذلك الفقير. فلمّا هبط اللّيل تخلّى عن كلّ شيء ولبس ثيابًا خشنة وانطلق في تشرّده نحو الله!.

   ثم هناك رواية أنّ إبراهيم خرج، مرّة، للصّيد. فجأة، أخذ صوتٌ يتردّد في كلّ مكان: "ألهذا خلقناك؟!." "كلا ما خلقناك من أجل هذا..."، فقال إبراهيم: "هذا إنذار من ربّ العالمين!". ثمّ التقى براعٍ من رعيانه فوهبه الأغنام والجواد والثّياب، ولبس ثوب الرّاعي وضرب في الصّحراء، وقد تخلّى عن قصره وأمواله!.


إرشاده

   والتقى إبراهيم رجلاً يُقال له النّبيّ إلياس، فقام بترشيده، آخذًا بيده في مراقي الزّهد والتّقشّف. قال له: "أنت يا ابن أدهم، اعلم أنّ الله إذا أراد الخير لعبد من عباده اصطفاه، وجعل في قلبه نبراس نور يكشف له طريق الخير من الشّرّ، ويضيء له خطاياه ذاتها. سوف أعلّمك الاسم الأسمى، فإذا ما جعت أو عطشت ليس إلاّ أن تطلب الطّعام والشّراب من هذا الاسم.

   وتابع إبراهيم طريقه، فالتقى "الخضر" حيث صلّى على إبراهيم وطلب له الصّبر والتّحمّل والعفّة والنّزوح المستمرّ إلى الله، وأعطاه هذه الوصيّة الأخيرة: "اعبد ربّك بفطرتك، واعلم أنّه أقرب إليك من حبل الوريد".


تشرّده

   منذ ذلك الحين، أصبح إبراهيم ذلك المتشرّد، التّائه في الأرض. كان يقول: "إنّ الله، تعالى، بالمسافر لرحيم؛ وإنّ الله، تعالى، لينظر إلى المسافر كلّ يوم نظرات؛ وأقرب ما يكون المسافر من ربّه إذا فارق أهله!.

   تنقّل إبراهيم بين فارس والعراق وفلسطين وبلاد الشّام. عاش أكثر عمره في سوريّة. أقام بادئ الأمر في مغارة في نيسابور تسع سنوات منصرفًا إلى العبادة والرّياضة الرّوحيّة. كان يغادر المغارة يوم الخميس ليجمع الحطب اليابس، ويوم الجمعة كان يبيعه في السّوق.

   كان يشتري بثمنه خبزًا يهب نصفه للفقراء، ويشترك بصلاة الجمعة في المسجد، إلى أن سمع النّاس بخبره فترك نيسابور.


 

الزّاهد العامل

   كان إبراهم زاهدًا عابدًا من النّوع العمليّ لا التّأمّليّ الصّوفيّ. شغله الشّاغل كان الخير والعبادة. يعظ النّاس أن يطلبوا العلم من أجل العمل. وكان يدين التّسوّل كوسيلة للعيش.

   كان عاملاً يقظًا. حين كان يُوقف سير حياته المتنقّلة، كان يعمل ليكسب عيشه، في البذار، أو الحصاد، أو كناطور. يجمع الحطب اليابس ويبيعه. وأحيانًا ينادي أمام البيوت: "من يريد طحن حنطته؟"، فكانت تخرج امرأة إليه بقفّة حنطة، فيجلس وينصب الرّحى بين رجليه. وبعد أن ينتهي من طحن ما حُمل إليه، كان يمضي إلى أصحابه الفقراء ليقتسم وإيّاهم الزّاد البسيط من الخبز الّذي حصّله. من أقواله في شأن العمل: "بادر بالعمل قبل أن تنادي بالرّحيل، واجتهد بالعمل في دار الممّر قبل أن ترحل إلى دار المقرّ".


الصّمت والصّلاة والصّوم

   لم يمنع العمل إبراهيم من البحث عن أجواء العزلة، الّتي كانت طمأنينته الرّوحيّة بحاجة إليها. كان يقدِّرُ أهميّة الصّمت للوصول إلى استقرار الرّوح. عنده أنّ النّفس الّتي تطامنت بالصّمت لا بدّ وأن تتسامى بالصّلاة. كان إبراهيم يصلّي أثناء عمله. وربّما أمضى أحيانًا ليالي بكاملها في الابتهال والتّهجّد وخاصّة خلال شهر رمضان المبارك، حسب قول الأصبهانيّ.

   نلمس ميل إبراهيم للصّلاة في الإعجاب الّذي أبداه حيال راهب أمضى سنين عديدة في العبادة، وذلك في صومعة فوق عمودٍ. نقل عنه الأصبهانيّ قوله: "تعلّمت المعرفة من راهب يُقال له أبا سمعان يعيش على عمود، على قمّة جبل، قرب دير مسيحيّ".

   في شأن موقف المسلم المؤمن من المسيحيّ المؤمن، لإبراهيم قول معبّر: "المؤمن يحبّ المؤمن حيث كان" (الأصبهانيّ). إذًا يفرح الواحد بلقاء الآخر.

   لم يكن ابن أدهم يأكل، على وجه العموم، إلاّ ما كان قد كسبه بعملة، وكان يعمل كي يؤمّن لقمة العيش ويساعد إخوانه الفقراء ومن حوله. كما كان يصوم حتّى خارج الأوقات الّتي فرضها الشّرع، ممّا أدّى به، بالنّتيجة، إلى الضّعف الشّديد والنّحول.

   نشيرُ، في هذا السّياق، إلى صورة عُثر عليها في البنجاب نرى فيها إبراهيم بن أدهم، والملائكة تقدّم له طعامًا، وهي تعود إلى حوالي العام ١٧٦٠، وموجودة، الآن، في Victoria and Albert Museum في لندن.


الفقر

   العفاف والكفاف كانا المبدأ الأساسيّ في طريقة إبراهيم. من ذا كان فرحه الأعظم وطمأنينته الكبرى.

   الفقر هو السّمة الأساسيّة في زهده. في أوّل تشرّده، لاحظ أنّه يحمل أربع قطع نقدية هي ثمن قفّة صنعها وباعها في الكوفة. فما كان منه إلاّ أن رمى تلك النّقود، كي لا يكون له ملجأ آخر سوى العناية الرّحمانيّة.

   وممّا كان يقوله: "الفقر مخزون عند الله في السّماء بعدل الشّهادة لا يعطيه إلا لمن أحبّ".

   وكان يقول أيضًا: "طلبنا الفقر فجاءنا الغنى لأنّ القليل الّذي لدينا يكفينا، وطَلَبَ النّاسُ الغنى فجاءهم الفقر لأنّهم لا يقنعون أبدًا بما يكسبون".


رسمٌ آخر له عند شاطئ البحر عندما جاءت الملائكة لتطعمه

الإحسان

   من أقواله: "إن قال لك أخوك أعطني شيئًا ما، ثم سألته: "كم؟..." فليس لهبتك، بعد، من قيمة". وسأله يومًا، أحد إخوانه أن يدلّه على عيوبه فأجابه إنّه لم يلحظ له عيوبًا لأنّه ينظر إليه بعين الودّ، فوجد كلّ ما فيه حسنًا، وعليه، تاليًا، أن يسأل شخصًا آخر يكشف له عن عيوبه.

   وكان يستشفّ انعكاس النّور الإلهيّ حتّى في أبعد المخلوقات عن التديّن والتّقوى، فنُقل عنه أنّه شاهد، يومًا، رجلاً أثقل عليه السّكر متمدِّدًا في ساقية ماء، فوق قيئه، وهو يُردِّدُ: "الله!." فدنا إبراهيم منه كي يغسل فمه الّذي تلفّظ باسم الله... وعندما استيقظ السّكران علم ما صنع إبراهيم فتاب.


التّواضع

   كان إبراهيم يدعو في صلواته: "اللّهم انقلني من ذلّ معصيتك إلى عزّ طاعتك". وكان يقول: "حبّ المجد هو أن ترى بأنّ رباط حذائك أفضل من رباط حذاء القريب". وقيل إنّه إذا دُعي إلى طعام وهو صائم، أكل ولم يقل إنّي صائم.

   وأخبروا عنه أنّه كان، ذات يومٍ، يحرس بستانًا، فمرّ به جنديّ، وطلب إليه: "ناولني من هذا العنب". فأجابه: "ما أذِنَ لي صاحب البستان". عندئذ غضب الجنديّ وأخذ يضربه بالسّوط. فطأطأ إبراهيم رأسه وقال: "اضرب رأسًا طالما عصى الله". فارتبك الجنديّ وصار يعتذر إليه، فقال له إبراهيم: "الرّأسُ الّتي يحتاج إلى اعتذار، تركته في بلخ"!.


اليقين بالله

   وضع إبراهيم يقينه في العناية الإلهيّة. كان يقول بأنّ القدّيس يمكن أن يصل إلى حالة لو قال معها لجبل أن يتزعزع من مكانه لتزعزع. ونُقل عنه أنّه كان، ذات يومٍ، في البحر، فهبّت عاصفة أهدأها بهذا الابتهال: "اللّهم قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك".

   وكان ابن أدهم في جبلة، ذات يوم، من أيام رمضان. وعندما حانت ساعة الإفطار، كان على شاطئ البحر وليس معه ما يأكله. فوُضعت أمامه، لا يدري كيف، مائدة عليها من جميع صنوف الطّعام.


التّفاني الأسمى

   ترك إبراهيم وراءه زوجة وطفلاً. في حجّ، ذات مرّة، إلى مكّة المكرّمة، لمح شابًا يافعًا بين الجمهور الحجيج، فقال لأحد إخوانه: "لقد عاهدْتُ الله، يا أخي، عهدًا لا سبيل إلى نقضه، ولو كنت أستطيع نقضه لاقتربْتُ من هذا الشّاب، لأنّه ابني وقرّة عيني. وكنت قد فارقته وهو في المهد، عندما هربت بنفسي إلى الله. وهو اليوم قد كَبُر، كما ترى، وأخاف أن أرجع عمّا تخلّيت عنه لله، فاذهب أنت وسلّم عليه، لعلّ ذلك يخفِّف من حرّ قلبي..." فاقترب الأخ المريد من الشّاب وخاطبه قائلاً: "بارك الله فيك بوالدك!"، فقال الشّاب بلهفة: "وأين يكون أبي؟... لقد رحل منذ زمن بعيد... ليتني استطيع أن أراه ولو مرّة واحدة"... ثم عاد الأخ المريد إلى إبراهيم فوجده راكعًا قرب الكعبة وقد بلّلها بدموعه الحارّة، مبتهلاً إلى الله أن يصون ابنه من كلّ معصية.


رسمٌ لإبراهيم بن أدهم

من أقواله

   مرّ إبراهيم بالبصرة، فاجتمع النّاس إليه وقالوا له: يا أبا إسحق إنّ الله تعالى يقول في كتابه: "ادعوني أستجيب لكم"، ونحن ندعوه مند الدّهر فلا يستجيب لنا. فقال إبراهيم: يا أهل البصرة، ماتت قلوبكم في عَشْرَة أشياء: أوّلها عرفتم الله ولم تؤدّوا حقّه، الثّاني قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، والثّالث ادّعيتم حبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتركتم سنّته، والرّابع ادّعيتم عداوة الشّيطان ووافقتموه، والخامس قلتم بحبّ الجنّة ولم تعملوا لها، والسّادس قلتم نخاف النّار ورهنتم أنفسكم بها، والسّابع قلتم إنّ الموت حقّ ولم تستعدّوا له، والثّامن اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم، والتّاسع أكلتم نعمة ربّكم ولم تشكروها، والعاشر دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم!.


وفاة إبراهيم

   لا نعرف بدقّة لا تاريخ وفاته ولا موضعه. يترجّح التّاريخ بين ٧٧٦ و ٧٨٣ ميلاديّة. وقد قيل توفي في جزيرة ونُقل إلى مدينة صور. في كلّ حال ضريحه المعروف هو في جبلة السّوريّة كما سبق فذكرنا.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share