"لنطرح عنّا كلّ اهتمام دنيوي"... حالة فردوسيّة... الحياة الرّوحيّة هي رجوع إلى الحالة الفردوسيّة.(الأب الياس مرقص).جوهر صلاة القدّيس أفرام السّرياني هو روح العفّة: ابتغاء الرّبّ وحده، البقاء في الذّهن العميق نحو الرّبّ ومعه وحده، متجاوزين كلّ شيء آخر.(الأب الياس مرقص). تتطلّب حياتنا يقظةً هائلة،لأننّا بمقدار ما نتمّم الأعمال والفرائض والواجبات، نزداد كبرياءً في العمق، كبرياء خفيّة في داخلنا. لذلك ترانا يذلّنا الله في صلاتنا وجفائنا وضيقتنا.(الأب الياس مرقص).متى نحسّ بالرّحمة العظمى؟. إذا كان الجسد تعبًا كلّ التعب،والرّوح منكسرًا كلّ الانكسار... بكاء ورحمة... بنعمة الرّبّ.(الأب الياس مرقص).كما أنّ الحبّ المتقطّع للمحبوب لا معنى له، ولا قيمة ثابتة حقيقيّة له، كذلك هي الصّلاة غير الدّائمة.(الأب الياس مرقص).
أعجوبة القدّيس باسيليوس الكبير مع الآريوسيّين.

   عندما كان الأمبراطور "والنس الآريوسيّ" في نيقية، سأله الآريوسيّون هناك أن يمنع على الأرثوذكسيّين إقامة الخدمة في الكاتدرائية وأن يعطيها للآريوسيّين. وإذ كان الأمبراطور هرطوقيًا أخرج الأرثوذكس بالعنوة من الكنيسة الكبيرة وأعطاها للآريوسيّين ثم غادر نحو المدينة المتملّكة. حزن الأرثوذكس الّذين كان عددهم كبيرًا في تلك النّاحية. وإذ كانت الأمور على هذه الحال وصل إلى نيقية القدّيس باسيليوس الكبير  المدافع عن الإيمان القويم والكنيسة. فأعلمه القطيع هناك بما فعله الأمبراطور. عزّاهم القدّيس وأسرع إلى القسطنطينية ووقف في حضرة الملك وقال له: "قد كُتب "أنّ كرامة الملك تحبّ العدل" وفي كتاب الحكمة قيل: "أنّ حكم الملك عادل"، لماذا، إذًا، أيّها الأمبراطور أصدَرْتَ حكمًا جائرًا، وطردت الأرثوذكس من كنيستهم المقدّسة وأعطيتها للكفرة؟".

   فأجابه الأمبراطور: "هل جئت إلى هنا يا باسيليوس كي تهينني؟ لا يجدر بك أن تتكلّم معي على هذا النّحو!".

   فقال القدّيس: "لكنّه يجدر بي أن أموت من أجل الحقيقة".

   وكان حاضرًا في بلاط الأمبراطور رئيس الطّباخين واسمه "ديموستين" الآريوسيّ وشاء أن يدافع عن حزبه، فاعترض الحديث وذمّ القدّيس بقساوة. فضحك باسيليوس برقّة وأردف: "هوذا "ديموستين" الجديد*، لكنّ هذا أميّ!... إنّ عملك هو بالأوعية والأطباق، ولكن ليس في عقائد الكنيسة". فأخذ الطّباخ يتمتم كلامًا بين شفتَيه مستاءً.

   غضب الأمبراطور من القدّيس باسيليوس. لكنّه إذ أدركَ أنّه هو (أي الأمبراطور) تصرّف على نحوٍ غير مقبول، قال للقدّيس: "عُد إلى نيقية واحكم بين الفريقَين، لكن لا تُبْدِ انحيازًا لفريقك".

   فأجابه رجل الله: "إذا وجدت في حكمي ظلمًا، فأرسلني إلى السّجن واطردْ كلّ المؤمنين الأرثوذكس وأعطِ الكنيسة للآريوسيّين".

   عاد القدّيس باسيليوس إلى نيقية ومعه أمرٌ أمبراطوريّ، وجمع الآريوسيّين وأعلن لهم أنّ الأمبراطور قد أعطاه السّلطة أن يقرّر لمن من الفريقَين يجب أن تكون الكنيسة الّتي أخذوها عنوةً.

   فقال له الآريوسيّون: "احكم إذن، لكن كما يحكم الأمبراطور".

   على هذا أعلن القدّيس باسيليوس: "تعالوا أيّها الآريوسيّون والأرثوذكسيّون، نقفل الكنيسة!. وليضع كلّ من الفريقَين ختمه ويجعل حرّاسًا يثقون بهم لحراسة الأختام. ثم فليصلِّ الفريق الآريوسيّ لمدة ثلاثة أيّامٍ وليالٍ ويَعُدْ إلى هنا، فإذا فُتحت الأبواب بتضرّعاته، تصبح الكنيسة له. ولكن إن لم تُفتح، فسوف نصلّي نحن ليلةً واحدةً ونأتي إلى الكنيسة بالتّسابيح والتّرانيم. فإذا فُتحت أبواب الكنيسة لنا، تكون الكنيسة لنا، وإلاّ تكون لكم من جديد".

   رضي الآريوسيّون بالعرض، أمّا الأرثوذكس فاستأوا إذ شعروا أنّ القدّيس أعطى الفريق الهرطوقيّ فرصًا أكبر خوفًا من الأمبراطور. غير أنّ الفريقَين اتّفقوا على الاقتراح وأقفلوا الكنيسة ووضعوا عليها حرّاسًا. صلّى الفريق الآريوسيّ لمدة ثلاثة  أيّام وليالٍ، لكنّ صلواتهم لم تُثمر، فاستمرّوا في الصّلاة لغاية اليوم الرّابع هاتفين: "يا ربّ ارحمنا!". ولكن عندما بقيت الأبواب مقفلة، تفرّقوا مطأطئين رؤوسهم، خازين. إثر ذلك، جمع القدّيس باسيليوس الفريق الأرثوذكسيّ، رجالاً، نساءً وأطفالاً واقتادهم إلى كنيسة القدّيس الشّهيد "ديوميدس" خارج المدينة. هناك احتفل بسهرانة استمرّت اللّيل بطوله ثم توجّه مع قطيعه إلى الكاتدرائية وهم يرتّلون: "قدّوس الله، قدّوس القويّ، قدّوس الّذي لا يموت، ارحمنا". ثم إذ وصلوا إلى أبواب الكنيسة توقّفوا وأمرهم القدّيس أن يرفعوا أيديهم إلى السّماء بتخشّعٍ ودموع ويسألوا الله بحرارة أن يرحمهم. وبعد الصّلاة أمرّ القدّيس بالصّمت ثمّ رسم إشارة الصّليب على الباب ثلاثًا وصرخ: "مبارك إله المسيحيّين، الآن وكلّ أوان إلى دهر الدّاهرين آمين". فردّ الشّعب قائلاً: "آمين". فجأة اهتزت الأرض، وتكسّرت الأقفال، وسقطت المزاليج إلى الأرض وانفتحت الأبواب بقوّة هائلة والتطمت بالحائط كأنّما ريحٌ قوّية قذفتها أو عاصفة شديدة هبّت عليها. فرتّل القدّيس: "افتحوا أيّها الرّؤساء أبوابكم وارتفعي أيّتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد" ثم دخل مع جموع المؤمنين إلى الكنيسة. وبعد القدّاس الإلهيّ صرف القدّيس باسيليوس المؤمنين. وكثيرون من الآريوسيّون (الّذين عادوا بأعداد كبيرة كي يروا ماذا ستؤول إليه الأمور) إذ  عاينوا ما حدث، تخلّوا عن كفرهم والتحقوا بالمؤمنين.

   عندما علم الأمبراطور بتدبير باسيليوس الحكيم للمسألة، والعجيبة المجيدة الّتي حصلت، عجب كثيرًا وشجب الإيمان الآريوسيّ، لكنّه إذ كان الحقد قد أعمى بصيرته لم يعد إلى حضن الأرثوذكسيّة، وما لبث أن لاقى حتفه بميتةً شنيعة مخزية إثر معركة في تراقية.


* ديموستيني أو ديموسثينيس (322 ق.م. – 384 ق.م.) كان رجل دولة إغريقي وخطيباً بارزاً في أثينا القديمة.


المرجع:

Saint Demetrius of Rostov (2002), The Great Collection of the Lives of the Saints, Volume 5, Chrysostom Press.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share