<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
أيقونات القدّيس أليبيوس العجائبية.

   كان يعيش في مدينة "كييف" شخصٌ محبٌّ للمسيح، شيّد كنيسة صغيرة على نفقته الخاصّة وأراد أن يزيّنها بسبع أيقونات مهيبة. لذلك استدعى راهبَين من "دير مغاور كييف" تصله بهما علاقة قربى وأعطاهما نقودًا فضيّة كافيّة بالإضافة إلى الأخشاب الضّروريّة وقال لهما: "أرجو منكما أيّها الأبوان، أن تقولا للأب أليبيوس أن يقبل هذه النّقود الفضيّة حبًّا بالمسيح، وأن يرسم سبع أيقونات من أجل الكنيسة الّتي بنيتها".

   ولكن للأسف!... أسلم الرّاهبان نفسيهما للشّرّير إذ كان الحقد والحسد ومحبّة الفضة تتآكلهما. لذلك اتّفقا على أن يحتفظا بالنّقود ولا يقولا شيئًا لـ"أليبيوس" الّذي كانا يكرهانه كثيرًا بسبب فضيلته وتفانيه في كتابة الأيقونات. كانا كلاهما كاتبَين للأيقونات يساعدان البارّ في الرّسم، ولكن بسبب كسلهما وتهاونهما الرّوحيّ، لم يمنحهما الله موهبة تعادل موهبة أليبيوس المتألّه العزم. فأخفيا الأخشاب في إحدى كنائس الدّير الّتي كانت شبه مغلقة على الدّوام. أمّا النّقود فوضعوها في مكان آمن من دون أيّ تأنيبِ ضمير على الخطيئة الفادحة الّتي اقترفاها.

   ومضى ردحٌ من الزّمان، فأرسل الرّجل المحبّ المسيح الّذي أوصى بالأيقونات يسأل الرّاهبَين عن طلبه. فأجاباه أنّ "أليبيوس" يطلب المزيد من النّقود الفضيّة بمقدار تلك الّتي دفعها. فلم يتأخّر الرّجل وأرسل النّقود وهو يطلب منهما الإسراع في إتمام العمل. فقام الرّاهبان المخادعان بإخفاء النّقود للمرّة الثّانية. وإذ كانا مستعبدَين كليًّا للشّرّ والجشع، وصل بهما الأمر إلى حدّ طلب النّقود مرّةً ثالثة، قائلَين: "إنّ أليبيوس يريدها أيضًا". فلم يرفض الرّجل المحبّ لله ولا هذه المرّة، لأنّه عرف بسيرة البار "أليبيوس". فأرسل النّقود من دون أن يشكّ بالأمر، ملتمسًا، بحسن نيّة، صلوات البارّ وبركته.

   لكن، بعد زمن، أرسل ذاك المسيحيّ شخصًا إلى الدّير يستطلع إن كانت أيقوناته جاهزة، وهكذا إذ أظلم قلب هذَين الرّاهبَين بسبب هواهما الرّديء، قالا إنّ أليبيوس، مع كونه قد أخذ الأجرة للمرّة الثّالثة، فهو يرفض أن يرسم الأيقونات.

   ذهل رجل الله لسماعه هذا الأمر وتعثّر، وقام إلى الدّير برفقة جمع من صحبه. هناك شكا أمره إلى "نيكن" رئيس الدّير، وطلب أن يتمّ رفع الظّلم الحاصل له من قِبَل "الأب أليبيوس". استدعى "الأب نيكن" البارّ أليبيوس وقال له بقسوة: "أيّها الأب أليبيوس، لماذا ظلمتَ هذا المسيحيّ؟. فهو توسّل إليك مرّات كثيرة بعدما أرسل لك نقودًا من أجل أيقوناته. فما معنى هذا الّذي أسمعه؟. لقد كنتُ أظنّ أنّك تزدري المال وتكتب الأيقونات لمجد الله وقدّيسيه".

   فأجاب البار متحيّرًا: "أيّها الشّيخ الكريم، قداستكم تعرف بأنّني لم أُهمل يومًا عمل اليد الشّريف ولم أمارسه أبدًا حبًّا بالمال. والآن فأنا أجهل ما الّذي حصل!".

   فقال له رئيس الدّير: "ألم يدفع لك هذا الرّجل ثلاث مرّات لكي تكتب له سبع أيقونات؟. ألم يرسل لك المال اللّازم لرسمها؟. فلماذا لم تُنجِزها؟. وأين هي أخشاب الأيقونات؟".

   لم يكن لدى "أليبيوس البارّ" ما يجيب به. عندئذ أرسل رئيس الدّير راهبَين لكي يحضرا الأخشاب الّتي أرسلها الرّجل. هذان، وبسماحٍ من الله، كانا قد شاهداها في اللّيلة السّابقة في وسط الكنيسة الصّغيرة وتساءلا لماذا هي موضوعة هناك. كذلك استدعى "نيكن البارّ" الرّاهبَين الّلذَين أخذا المال لأجل الأيقونات.

ضريح القدّيس أليبيوس في مغاور كييف.
   غير أنّ تحنّنات الله الصّانع العجائب تفوق شهوات البشر. لأنّه ما إن دخل الأخوان إلى الكنيسة الصّغيرة حتّى وجدا، عوض الأخشاب، الأيقونات وقد رُسمتَ بمهارة لا تُضاهى: أيقونات للسّيد ولوالدة الإله والقدّيسين. فأحضراها إلى رئيس الدّير وقد اعترتهما الدّهشة من الحدث العجيب. إذ ذاك فهم الجميع ما حدث، وجثوا أرضًا بتأثّر أمام أيقونات الملك السّماويّ وأمّه الفائقة القداسة وعبيده المختارين الّتي لم ترسمها يد.

   في هذه الأثناء جاء الرّاهبان المخادعان، وهما لا يعلمان بما جرى وبالأعجوبة الإلهيّة، وأخذا يوجّهان للبار أليبيوس أقوالاً غير لائقة، وينعتانه باللّص والمتهاون. فتصدّى لهما الباقون وأشاروا إلى الأيقونات العجائبيّة قائلين: "توقّفا أيّها الرّجلان الآثمان عن الكلام، وانظرا، فهذه الأيقونات الّتي رسمتها يد الله، هي تشهد لبراءة أليبيوس وذنبكما"!.

   لم يصدّق هذان عيونهما ورفضا الإقرار بذنبهما. إذ أدرك رئيس الدّير حالة الرّاهبَين المخزية وعدم إحساسهما، ففصلهما عن جسد الشّركة وطردهما من الدّير. أمّا هما، فبعدما غادرا الدّير، استمرّا في الشّر والحقد، وأخذا يشيعان في كلّ مكان أنّهما قد رسما بأنفسهما الأيقونات وأنّ أليبيوس يحتفظ بالنّقود لنفسه كي يدفع الجميع إلى الاعتقاد أنّ الأيقونات قد رُسمت عجائبيًا. ولكنّ افتراءاتهما لم تلقَ صدًى عند أيّ كان.

   وإنّ الله تدخّل بحوادث فائقة للطّبيعة مؤكّدًا عجيبة الأيقونات، إذ حصلت، بسماح من الله، بعد أعوامٍ عديدة حرائق عظيمة في كييف وتحوّلت مناطق كثيرة إلى رماد. واحترقت الكنيسة الّتي كانت تحوي الأيقونات السّبع. ولكن حين انطفأت النّيران، وبالرّغم من أنّ الكنيسة دمِّرت بالكليّة فإنّ الأيقونات بقيت سالمة كأنّها جديدة.

   عَلم أمير كييف "فلاديمير الثّاني المحارب" بالأعجوبة، وشاء أن يرى الأيقونات بأمّ العين كي يؤمن. فذهب إلى مكان الحادثة، هناك وجد كلّ شيء وقد تحوّل رمادًا، فقط الأيقونات السّبع كانت تسطع تحت الشّمس كأنّها لم تكن لا وسط لهيب النّيران ولا الدّخان. وإذ تأثّر الأمير بالحادثة، التمس إحدى الأيقونات وهي الّتي تصوّر والدة الإله الفائقة القداسة، وأرسلها إلى "رستوف" إلى كنيسة صخرية شيّدها بنفسه. وقد نجت الأيقونة عجائبيًا هناك أيضًا حين حصل زلزال دمّر الكنيسة وصارت أنقاضًا. بعد ذلك تمّ نقلها إلى كنيسة خشبيّة أخرى نشبت فيها نيران في وقت لاحق فأحرقتها، لكنّ الأيقونة، وللمرّة الثّالثة، بقيت سالمة من أيّ ضرر ولم تتأثّر بالنّيران مع أنّ الحريق دام ساعات كثيرة.


المرجع:

بدّور ج. (٢٠٠٦)، سنكسار آباء مغاور كييف، منشورات مطرانيّة عكّار الأرثوذكسيّة، أسقفيّة الحصن، مرمريتا، سوريّا.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share