عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
الذّكرانيّات من أجل الرّاقدين.

   إنّ الكنيسة منذ البداية خصّصت صلواتٍ خاصّة من أجل الرّاقدين وحدّدت أيّام معيّنة تُقام ذكرانيات من أجلهم. فبحسب القدّيس يوحنّا الدّمشقيّ "إنّ تلاميذ المخلّص والرّسل الإلهيّين هم مَن وضعوا مرسومًا بأن نذكر المؤمنين الّذين رقدوا إبّان الأسرار الطّاهرة والمهيبة والواهبة الحياة. وإنّ كنيسة المسيح من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها تتمسّك بهذا الأمر الرّسوليّ بثباتٍ من دون أيّ اعتراض حتّى اليوم وسوف تستمرّ في التّمسّك به حتّى نهاية العالم".

   توصي الأوامر الرّسوليّة بأن تُقام ذكرانيّات للأموات بمزامير وقراءات وصلوات في اليوم الثّالث من موت محبوبنا، على مثال الرّبّ يسوع الّذي قام بعد ثلاثة أيّام. كما وتوصي أيضًا بصنع ذكرانيّات لهم في اليوم التاسع كمذكّر بالأحياء والأموات على مثال مراتب الملائكة التّسعة الّتي أُحصي محبوبنا الرّاقد بينهم كنفسٍ غير ماديّة، وأيضًا في اليوم الأربعين بعد الموت بناءً على ممارسات قديمة فهكذا حزن شعب إسرائيل من أجل موسى العظيم. بالإضافة إلى هذه الذّكرانيّات المحدّدة في أيّامها، يجب أن نُقيم ذكرانيّات سنوية للأموات.

   بالإضافة إلى الذّكرانيّات المنتظمة المذكورة آنفًا، رسمت كنيستنا المقدّسة أن يكون يوم السّبت هو يوم احتفال بذكرى الشّهداء القدّيسين وجميع الرّاقدين. بما أنّ يوم السّبت، كيوم سابعٍ منذ بداءة الخليقة، هو اليوم الّذي رأى موتًا جسديًّا، الّذي فُرض على الإنسان كقصاصٍ من قِبَلِ الله الصّالح. يستمرّ هذا اليوم، طالما أنّ موت الإنسان يستمرّ في الوقت نفسه أيضًا. ولكنّ يوم الأحد هو يوم القيامة، اليوم الثّامن، الّذي يرمز إلى عصر الأبديّة المنتظَر، قيامة الموتى وملكوت الله الّذي لا نهاية له.

   ولقد رسمت أمّنا الكنيسة أيضًا ذكرانيّات العامة مرتَين في العام: السّبت الواقع قبل أحد مرفع اللّحم والسّبت الواقع قبل عيد الخمسين العظيم المقدّس.

   في السّبت الأوّل تعمل الكنيسة ذكرانيّة من أجل جميع أولئك الّذين رقدوا في الرّبّ. انشأ الآباء الملهمون من الله هذه الممارسة منذ القرن المسيحيّ الأوّل وذلك إمّا لأنّ مؤمنين معيّنين عانوا الموت قبل الأوان في أماكن غريبة بعيدًا عن أقاربهم وفي البحر والجبال المنيعة الشّاهقة، أو لأنّ آخرين ماتوا بسبب مرض معدٍ أو جوع أو إنّهم سقطوا في أرض المعركة أو احترقوا في النّار أو ماتوا من البرد والعواصف، وآخرون أيضًا يمكن أن لا يكونوا قد استفادوا من ترنيم مزامير محدّدة وذكرانيّات الكنيسة. وبالتّالي، تقدّم الكنيسة بهذه الذّكرانيّة العامة للرّاقدين فرصةً لنا لنصلّي من أجل جميع هؤلاء وكلّ أولئك المدفونين في قبرٍ في سائر البلدان.

   حُدِّد سبت الأموت لسبب آخر أيضًا. كما نعرف، تدكّرُنا الكنيسة في اليوم التّالي الّذي هو أحد مرفع اللّحم بالمجيء الثّاني لربّنا يسوع المسيح. وهكذا نتضرّع، في هذا السّبت السّابق لأحد الدّينونة، إلى الدّيّان الرّهيب أن يُظهِر نفسه رحيمًا ليس لنا فقط، نحن الّذين ما نزال أحياءً، بل لإخوتنا المتوفّين أيضًا عند مجيئه الثّاني المجيد والرّهيب. إنّ قانون الصّلاة لهذا السّبت بالإضافة إلى آيات التّسابيح تتكلّم لاهوتيًا عن سرّ الموت بشكل يحضّ بعمق على الفضيلة مثلما تفعل خدمة الجنازة. تذكّرنا هذه الأشياء مجتمعة بتفاهة الأشياء الأرضية وبالقيمة الوضيعة للطّبيعة البشريّة، وتذكّرنا أيضًا بإحسان الدّيّان وقيامة الرّبّ من بين الأموات الّتي غلب الرّبّ بها الجحيم ومنح الجنس البشريّ القيامة والحياة.

   تُقيم الكنيسة الذّكرانيّة العامة الثّانية المحدّدة لكلّ عام بعد تسعة أيّام من صعود مخلّصنا يسوع المسيح بالجسد إلى السّموات، أي يوم السّبت الواقع قبل يوم العنصرة المقدّس. وفيه تُحيي الكنيسة تذكار كلّ أولئك الّذين رقدوا بتقوى من بداية الدّهر على رجاء القيامة إلى الحياة الأبدية. وهكذا، فنحن لا نصلّي في هذا اليوم من أجل المسيحيّين فقط، حيث إنّه من وقت آدم حتّى المسيح لم يكن هناك مسيحيّون. نحن نصلّي من أجل كلّ شخص "عاش حياة حسنة وسار إلى الله بطرق مختلفة كثيرة".

   تُقدّم الحنطة المسلوقة (Koliva) عند الذّكرانيّات المقدّسة، وهي ممارسة يمكن إعادتها إلى منتصف القرن الرّابع. في القرون الأولى كان يقدّم خبز وخمر مع زيتون أو جبن أو أرز. هدف تقديم هذه العطايا هو الصّدقة.

   إنّ الحنطة المسلوقة الّتي سادت أخيرًا على التّقدمات الأخرى ترمز إلى قيامة الأجساد من الموت. إنّها تذكّرنا بأنّ الإنسان هو أيضًا حبّة تُدفن عند الموت في الأرض كمثل حبّة الحنطة. سوف تُبعَث هذه الحبّة ثانية بقوّة الله. فالرّب يسوع المسيح شبّه جسده الكليّ القداسة وقيامته بالحنطة قائلاً: "إن لم تسقط حبّة الحنطة في الأرض وتمت تبقى وحدها، ولكن إن ماتت فإنّها تأتي بثمرٍ كثير".

   تُرفع تضرّعات من أجل الرّاقدّين في اللّيتورجيا الإلهيّة والذّكرانيّات المقدّسة لأنّنا نترجّى ونؤمن بإحسان الله ورحمته وحنانه وعطفه المحبّ.  بالحقيقة، يشجّعنا يوحنّا تلميذ المحبّة أن نفعل هذا بكلماته التّالية: "وهذه هي الثّقة الّتي لنا عنده أنّه إذا طلبنا شيئًا ما حسب مشيئته يسمع لنا". وهو يريد "أنّ جميع النّاس يخلصون". لذلك فإنّ الآباء القدّيسين يضعون نُصب أعينهم كلمات الرّبّ وإرادته المحسنة عندما يعلّمون أنّ صلواتنا من أجل الرّاقدين مفيدة للّذين انتقلوا. هكذا كتب القدّيس كيرللس الأورشليميّ: "نؤمن بأنّ النّفوس تنال فائدة عظيمة جدًا من التّضرّعات الّتي تصير من أجلها خلال اللّيتورجيا الإلهيّة عندما تُقدّم لأجلها ذبيحة على المذبح المقدّس". ويتّفق الذّهبيّ الفم مع الرّأي القائل إنّ الصّلوات من أجل الرّاقدين تقدّم لهم تعزية أكيدة. أُنشئت هذه الممارسة من قِبَل الرّسل لهدفٍ واحدٍ وهو أن نتذكّر أحبّاءنا الرّاقدين في الرّبّ خلال سرّ الشّكر الإلهيّ. أوصى الرّسل أن يعمل هذا لأنّهم يعرفون أنّ صلواتٍ كهذه تؤمّن فائدة كثيرة ومنفعة كبيرة للمنتقلين.  ليست التّقدمات الّتي نصنعها من أجل الّذين غادروا عبثًا، ولا عبثًا تكون التّضرّعات. لا نشكّ أنّ الرّاحلين سوف ينالون خيرًا وفائدة.

   يكتب القدّيس سمعان التّسالونيكيّ متتبِّعًا التّقليد الرّسوليّ الكنسيّ: لا شيء ينفع الرّاقد هكذا ولا شيء أكثر يؤدّي إلى السّرور والاستنارة والاتّحاد مع الله كمثل دمّ الرّبّ الثّمين الّذي يُسكب من أجلنا نحن غير المستحقّين، ومثل جسده الطّاهر الّذي تألّم من أجلنا على الصّليب.

   علينا أن نشير أنّ الذكرانيّة بحدّ ذاتها هي إحياء الكاهن ذكر الرّاحل خلال اللّيتورجيا الإلهيّة حالاً بعد تقديس التّقدمات المقدسة. ولكنّ هذه الحقيقة غير معروفة لكثيرين ممّن يظنّون أنّ الذّكرانيّة الفعلية هي الخدمة الموجزة الّتي تصير بعد اللّيتورجيا الإلهيّة. وهذا لسوء الحظ، هو السّبب أنّهم يحضرون الخدمة في النّهاية من دون أن يكونوا قد حضروا اللّيتورجيا الإلهيّة بتاتًا.

   لقد جرى التّشديد أنّه في كلّ وقت نصلّي من أجل بعضنا البعض فنحن نُنجز عملاً مقدّسًا يرضي الله. ولذلك فإنّنا عندما نصلّي من أجل إخوتنا الّذين غادروا غير مستعدّين من أجل الأبدية فإنّنا نُتمُّ واجبًا مقدّسًا يُرضي الله.


المرجع:

إبراهيم  غ. وسابا م. (٢٠١١)، سرُّ الموت للمؤلّف نيقولاوس ب. فاسيلياذس، مكتبة البشارة، بانياس، سوريا.


قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share