بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
أزهار عطرة من أودية هذا العالم.


"كاتي" الصّغيرة وقنديل الزّيت.


لمّا أتى الإيطاليّون إلى "كونيتسا"، في اليونان، بعد انكسارٍ على الجبهة الألمانيّة، اختبأ معظم سكّان البلدة في الجبال. أمّا "كاتي"، فبقيت بالقرب من والدَيها المَريضَين وجدّتها المُسنّة. أخذهم الإيطاليّون  أسرى إلى "باري"، في إيطاليا. أخذت "كاتي" معها، في سلّةٍ، ماءً مقدّسًا، وكتابَ صلواتٍ، وأيقونات. وصلت سفينتهم آمنةً إلى إيطاليا، فيما غرق كثير من السّفن الأخرى. استمرّت "كاتي" تحثّ رفاقها في الأسر على الصّلاة. أمّا الآخرون، فهزؤا بها، وسخروا منها. لكنّهم ما لبثوا أن سألوها الصّلاة من أجلهم. وُجِدَت بينهم امرأة على وشك الولادة، قلقت لولادتها في هذه الظّروف؛ فرثت "كاتي" لحالها. ولكي تساعدها، وضعت أيقونة على طاولة صغيرة، وأخذت دبّوسًا من شعرها، فجعلته حاملًا للفتيل، ولفّت قطنة صغيرة صنعت منها فتيلًا، ثمّ أشعلت القنديل، وشرعت تسجد وتصلّي. وَلَدت المرأة، لكنّها افتقرت إلى الحليب. أعطت "كاتي" الطّفل ماءً مقدّسًا، وصلّت؛ فعاش الولد. رأى الضّابط الإيطاليّ القنديل، فسأل:"من صنع هذا؟"؛ فأجابت "كاتي" بشجاعة: "أنا"؛ فطلب منها الضّابط أن تتبعه. لقد قادها إلى مخزن مليء بأوعية الزّيت، وقال لها:"عندما تحتاجين إلى زيت، تعالي خذي من هنا قدر ما تشائين".

"كاتي باتيرا".

    كان الصّوم الأربعينيّ، وقد قدّموا إليهم أطعمة غير صياميّة؛ إلّا أنّ "كاتي" لم تأكل سوى الخبز. صامت، استعدادًا للمناولة في عيد البشارة؛ فسخر منها الرّكاّب الآخرون، قائلين: "وكيف ستتناولين يوم عيد البشارة؟". أمّا هي، فبقيت تقول لهم، بثقة، إنّهم سيعودون إلى اليونان قبل عيد البشارة. وبالفعل، حصل تبادل الأسرى قبل عيد البشارة، وتناولت "كاتي" من الأسرار الطّاهرة.

    وكبرت "كاتي"، لتصبح مساعدة القدّيس "بايسيوس"، عندما كان في دير "ستوميو"، وهي مذكورة في سيرته، وقد عاشت حياة صلاة وعطاء مستمرَّين، باذلةً نفسها لخدمة الآخرين دون حساب. وقد رقدت، ممتلئة أعمالًا مرضيّةً لله، رقود الأبرار.


إنجيل حُفظ سالمًا.


    في قديم الزّمان، عاشت، في إحدى قرى جزيرة "كورفو"، (كيركرة) اليونانيّة، امرأةٌ تقيّة، متزوّجة ولها أولاد. تعلَّمت تلك المرأةُ المبارَكَةُ القراءة، وأحبّت كثيرًا قراءة الإنحيل المقدّس. فكانت، كلّما وجدت بعض الفراغ، تنكبّ على قراءة الكتاب المقدّس، على الرّغم من انشغالاتها الكثيرة.

    ‏ذات يوم، أخذت إنجيلها المحبوب، وذهبَت لتجلس في خِراج القرية، منصرفةً إلى المطالعة في الهدوء والسّكينة، طارحةً عنها كلّ اهتمام. لكنّها فوجئت بظهور قراصنة إزاءها، ولم تتمكَن من الاختباء. بالكاد استطاعت أن تخفي الإنجيل في جذع علّيقة، لكي لا يدنّسه أولئك الكافرون. أمّا هي، فقبضوا عليها وخطفوها، مع كلّ ما سطَوا عليه في القرية.

    ‏ ‏بقيت تلك المرأة سنين طويلة في العبوديّة. رحلت شابّة. ولمّا استطاعت أن تهرب، عادت إلى قريتها شيخة، لم يتعرّف إليها أحد؛ فعرّفتهم بنفسها، وذكرت لهم أسماء كلّ من زوجها وأولادها. أخبرتهم عن حادثة خطفها، وكيف خبّأت الكتاب المقدّس في جذع العلّيقة. فانطلقوا معها، ووجدوا العليقة فعلًا، وقد نمت كثيرًا. ثمّ عثروا على الإنجيل في مكانه، على الرّغم من انقضاء سنوات طويلة. فأمسكته ببالغ التّأثّر، ورأت أنّه حُفِظَ في حالة جيّدة، علمًا بأنّ ذلك المكان تتساقط فيه الأمطار بغزارة، لأنّ القرية تقع عند أقدام جبل "الضّابط الكلّ"، (باندوكراتور). فقط، بعض الحروق الطّفيفة نالت من أطراف الكتاب.

    ‏حينئذ، أخبر الرّعاة الموجودون أنّهم كانوا يشعلون النّار، كلّ سنة، ليُحرقوا شجر البطم؛ حتّى يتسنّى للعُشب أن ينمو، فترعاه خرافُهم. لكن، كلّما كانت النّار تبلغ تلك العلّيقة، كانت تنطفئ.

    ‏إلى هذا، أفاد قدس الأب المتوحّد إفدوكيموس، رئيس دير"الضّابط الكلّ"، أنّ هذا الإنجيل نُقل، منذ زمن طويل، إلى دار المطرانيّة، وحُفظ فيها. أمّا اليوم، فلا نعلم أين هو.



صبرٌ جميلٌ ورائحة زكيّة.


شهادة السّيّدة حنّة ك. من مدينة "فيريا":

    أنا متزوّجة، منذ ثلاثين سنة. عشتُ ستًّا وعشرين منها مع حماتي، في المنزل نفسه. مررتُ بصعوبات كثيرة، لأنّ حماتي، في السّنوات الخمس الأخيرة، لبثت طريحة الفراش. فكنتُ أذهب إلى عملي؛ وعندما أعود، كنت أجدها متّسخة، والمنزلَ مقلوبًا رأسًا على عقب، تفوح منه رائحة كريهة.

    في الفترة الأولى، لم أقبل زيارة أحد، بسبب الرّائحة الكريهة في المنزل. لكن، لحظة بدأتُ أرى خدمتي كبركة، لا كسُخرة، وذلك بمساعدة أبي الرّوحيّ، زالت الرّائحة من المنزل. وضعتُ في فكري أنّني أخدم المسيح نفسه.

   
ذات مرّة، راودتني أفكار سيّئة بشأنها، وأخذتُ أتذمّر في نفسي؛ فشعرتُ بالرّائحة الكريهة تعود. وفي إحدى اللّيالي، كنتُ في المنزل وحدي، والجدّة في غرفتها. فذهبتُ لأتفقّدها، فرأيتها قد وسّخت كلّ شيء: الملاءات، والسّجّاد، والسّتائر. في تلك الحالة، كان طبيعيًّا أن تفوح الرّوائح الكريهة. لكنّني تنسّمتُ عَرْفَ طيبٍ لن أنساه في حياتي، وقد لازمني هدوءٌ داخليٌّ عميق، لوقت طويل، إلى أن أتممتُ التّنظيف.

    منذ ذلك اليوم، حينما عبقت رائحة الطّيب، إلى يوم رقدت الجدّة، كلّما كنت أنظّفها أو أغسلها، كنت أشعر بالسّكينة والهدوء، وقد توقّفت عن اشتمام أيّة رائحة كريهة.




المرجع:

كتاب "نسّاك في وسط العالم"، قلّاية القيامة، الجبل المقدّس.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share