بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
فرح ذاك اللّقاء.

   الفرح، هو فرح الرّوح القدس. الفرح، هو ثمرة الرّوح القدس، ومنه يولد (غلا5: 22). إنّه حالة لا توصف قائمة في النّفس الّتي تصلّي على الدّوام. إنّه فرح كامل، لأنّه فرح المسيح الّذي يصير فرحًا لتلاميذه أيضا:"...كلّمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم ويكمل فرحكم" (يو15: 11).

    ‏لقد عرفنا أناسًا كهؤلاء تسطع وجوههم بفرح المسيح ، فشرعوا ينثرون حولهم بهجة النّعمة الإلهيّة. وأنا مقتنع أنّ نور هذه الإطلالة الأبدية الّذي يفيض من هؤلاء الملائكة الأرضيين، إنّما هو مرآة قلوبهم الّتي تصلّي بلا انقطاع . إنّ فرح الصّلاة الدّائمة هو فرح كلّ الخليقة، فرح التجلّي الإلهي. فرح الفداء. فرح الصّعود الى السّموات. وفرح المجيء الثّاني المجيد. إنّ فرح الصّلاة الدّائمة، هو فرح كنيسة المسيح الظّافرة والمجاهدة. إنّه فرح الأنبياء والرّسل والشّهداء والنسّاك، بإيماننا. هذا الفرح يستقطب الجميع ويكافئهم أبديًّا. الإسم الإلهيّ الّذي في هذه الصّلاة،  يحييهم : وأعني اسم يسوع . عندما يتجذّر اسم يسوع في ذهننا وقلبنا. عندها فإن أحدًا لن ينزع فرح يسوع منكم . إنّ أفراح هذا العالم هي أشبه بالظّلّ والسّراب، بالنّظر الى الرّبح الأبديّ الّذي لفرح المسيح . الإنسان المعاصر يموّه القلق والضّجر المميت الناجم عن حياة لا إله فيها (حياة بد‏ون الله)، مستبدلًا بها مسرّات رخيصة غطاء لانفلاشه (نزوعه الى الخارج)، من شأنها أن تفرغه كلّه، لا بل تسقيه خلّ الشهوة . إنّ فرح المسيح يهب الملء، وذلك لأنه فرح كامل." . . . ما طلبتموه من الآب باسمي يعطيكموه.» (يوحنا 16: 23-24).

    كان حديثي مع الأب النّاسك لا ينتسى. وما دوّنته ليس سوى القليل ممّا قاله له. وقد حفظت هذه في ذهني. مرّ الوقت حتّى بلغ منتصف اللّيل. كانت السّماء الصّيفيّة مرصّعة بالكواكب. ساد على المكان صمت مطلق، وهذا رمز الى السّلام النّقيّ الخالي من الاضطراب، عند المتوحّدين. كان البحرهادئًا حالمًا تلاعب أمواجه أهداب الشاطىء النّائم. جلسنا بدون حراك ونحن نصلّي داخليًّا زمانًا طويلًا مسلمين ذواتنا الى سرّ الصّمت. هناك خارجًا، في تلك الفسحة النّسكيّة، جلسنا على مقاعد خشبيّة صغيرة. كانت نفسي عامرة بالنّشوة. وكنت أتشوّق الى مقطع يكلّمني عن الصّلاة القلبيّة ببساطة، يكون هديّة لا للرهبان وحسب، بل لكلّ المسيحيين في كلّ أنحاء العالم. علّ العالم يتمكّن من أن يحيا المسيح كما يحياه أولئك الملائكة الأرضيّون، الرّهبان، عبر الصّلاة القلبيّة الدّائمة. تركت أنفاس الصلاة تلطّفني وتنزل إلى أعماقي أنا وذاك الأب الجليل. أما ذاك فكان قد أغمض في تلك السّاعة عينيه، وانحنى إلى الأمام وراح يتمتم بإيقاع. كان يصلّي كي يعلّمني كيف أصلّي. ثمّ أنّ دمعتين تدحرجتا ببطء على وجهه المشرق السّاطع. وبعد قليل، تنهّد وقال: لكن هناك يا أخي تطويبة أخرى لم أذكرها بعد، إنّها الأجمل والأعذب وإليها يكون شوقنا أكثر، ومن شأن الصّلاة القلبيّة أن تقودنا إليها، بعطش لا يوصف، ولذّة إلهيّة. فرفعت عينيّ ونظرت إليه وقلت:"وما هي هذه التطويبة يا أبتي؟"، قال:"من يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت في وأنا فيه ". (يو6: 57‏). أفهمت؟ أجل لقد فهمت. إنّها الجّوع والعطش إلى المائدة المقدّسة. ثم تابع يقول:"هيّا إذًا، توجّه إلى قلّايتك وصلِّ. وبعد ساعة سأدعوك إلى الكنيسة لنقيم صلاة السّحر مع الصّلاة القلبيّة، وبعدها نقيم القدّاس الالهيّ ونتناول اللؤلؤة السّماويّة الّتي لا تثمّن، أعني يسوع المسيح".

    ‏لم أشعر في حياتي يومًا شعوري بتلك الرّاحة. لم أتذوّق القدّاس الالهيّ يومًا بعمق وبساطة، تذوّقي له في ذلك الحين. لم أحسّ ولم أتذوّق، بمثل تلك القوّة، المطالبسي والتطويبة الأبديّة الإلهيّة. هناك، في تلك الكنيسة الصّغيرة المتواضعة بجوار المنسك، وقد تحوّلت إلى فردوس حقيقيّ.





المرجع:

كتاب "اليقظة والصّلاة"، (مختارات من الفيلوكاليّا). النّاسك يوحنّا.(1991).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share