إنّ القداس الإلهيّ هو ذروة محبّة الله، فبينما نحن نتلقّف العطايا من الله، نقدّم له الشّكر في الوقت عينه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الفضائل تأتي من وسط الجهاد، وعندما تكون الفضائل غير مُجرَّبة فهي ليست بفضائل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).حين تكون صلاتنا مبللة بالدّموع لأجل العالم بأسره حينئذ نجلب إلى داخلنا رحمة الله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).دعونا لا نكون مجربين لأنفسنا، ولا نسبّب التّجربة لأنفسنا. دعونا نقبل بصبر كلّ تجربة تأتي ونقدمها لله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ التّوق الجيّاش للقاء الله والتعرّف عليه هو الطّاقة الباعثة للحرارة في الصّلاة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
أربعون قدّاساً

الأب دانيال الكاتوناكي

      نقل الأب دانيال الكاتوناكي * قصة رقاد أحد أبناء ضيعته الأفاضل المدعو ديمتريوس. هذا كان مسيحيّاً بسيطاً، رجل فضيلةً كبيرة وتقوى وقد أسبغ عليه الربّ الإله الحكمة وحسن البصيرة فأصبح مرشداً لنفوسٍ كثيرةٍ منها الأب دانيال نفسه عندما كان شاباً.

      يروي الأب دانيال أنّه عندما كان في مهمة لصالح دير فاتوبيذي في قريته عرّج على المدعو جورج ابن ديمتريوس ليستقصي منه خبر رقاد والده. فروى له جورج الحدث التالي:

      عندما بلغ ديمتريوس الملهم من الله نهاية حياته، عرف بالروح، بنعمة الله، يوم رقاده. في هذا اليوم استدعى كاهناً تقياً قدّيساً هو الأب ديمتريوس، الذي ما إن وصل حتى قال له ديمتريوس:

      - سوف أرقد اليوم يا أبانا. أرجو أن تقول لي ماذا علي أن أفعل في هذه الأثناء.

      كان الكاهن يعرف حياة ديمتريوس التقية، وعلى علم أنه اعترف، وحصل على مسحة الزيت المقدّسة وساهم المناولة المقدّسة عدة مرات. ولكن عندما رأى رغبته في أمرٍ إضافي، اقترح عليه التالي:

      - إذا كنت ترغب أطلب أن يقام أربعون قدّاساً لراحة نفسك في كنيسة في الريف.

      قبل الرجل اقتراح الكاهن بفرح. وبعد وقت قصير استدعى ابنه وقال له:

      - يا ابني، عندي لك وصية واحدة وهي أن تطلب إقامة أربعين قدّاساً لراحة نفسي بعد رقادي في كنيسة في الريف، بعيداً عن المدينة.

      - بارك يا أبي. أعدك بأن أتمم رغبتك. أجابه الابن

      بعد ساعتين رقد رجل الله. وبدون أي تأخير، نقل الابن طلب والده للكاهن ديمتريوس لأنه لم يكن يعلم أنّ هذا الأخير هو الذي اقترح على والده الأربعين قداساً:

      - أيها الأب ديمتريوس، لقد ترك أبي لي وصيةً وهي أن يقام على راحة نفسه أربعون قدّاساً في كنيسة في الريف. ولأنك، في بعض الأحيان، تخدم في كنيسة الرسل القدّيسين هناك، أرجو أن تأخذ على عاتقك إتمام هذه الخدم. وأنا سوف أهتم بعملك ومصاريف الكنيسة هناك.

      أجابه الكاهن بدموع:

      - يا عزيزي جورج، أنا الذي نصحت والدك بإقامة هذه الخدم، وسوف أذكره ما دمت حياً ولكني لا أستطيع أن أقوم بأربعين قدّاساً على التوالي في كنيسة الرسل القدّيسين في الريف لأن زوجتي مريضة. عليك أن تؤمّن كاهناً آخر.

      غير أن جورج أصرّ على الكاهن لعلمه بقداسته وبتقدير والده له. أخيراً رضخ الكاهن لطلب الابن وعاد إلى بيته وأعلم زوجته وبناته بالأمر:

      - عليّ أن أخدم أربعين قدّاساً لراحة نفس رجل الله ديمتريوس، لذلك لا تتوقعن عودتي قبل أربعين يوماً، لأني سوف أكون في كنيسة الرسل القدّيسين طيلة هذا الوقت.

      باشر الكاهن المحب لله، بكل فرح، بإتمام هذه الخدم وكانت آخر خدمة يوم أحد. مساء يوم السبت الذي سبقه، شعر الأب ديمتريوس بألمٍ حاد في أسنانه أجبره على العودة إلى البيت. ومن كثرة أنينه اقترحت عليه زوجته أن يستدعي أحدَهم ليقلع له السن الذي يؤلمه. فكان جوابه:

      - كلا، عليّ أن أقيم آخر قدّاس إلهي غداً على راحة نفس ديمتريوس.

      غير أنّه في منتصف الليل استبدّ به ألم لا يطاق اضطره إلى استدعاء أخصائي لقلع الضرس. على الأثر قرّر الكاهن أن يخدم آخر قدّاس يوم الإثنين بدل الأحد وذلك بسبب النزيف.

      بعد ظهر ذلك سبت، حضّر جورج المال ليدفع للكاهن أتعابه في اليوم التالي. ولكن في منتصف الليل، قام جورج ليصلي وبدأ يتذكر فضائل ومواهب وكلمات الحكمة التي كان يقولها أبوه المبارك. ثم مرت فكرة في رأسه:"هل تنفع حقاً إقامة أربعين قدّاساً لراحة نفس أرواح الراقدين، أو أنّ الكنيسة تنصح بها لتعزية الأحياء؟". في هذه اللحظة بالذات، غفا جورج غفوةً خفيفةً.

      رأى نفسه في سهل جميل، روعته لا توصف ولا مثيل له على الأرض. أحسّ بنفسه أنه غير مستحق بأن يكون في هذا الفردوس المقدّس، إلا أنه أحسّ بالخوف أن يُطرَد من هذا المكان ويُلقى في أعماق الجحيم لعدم استحقاقه. وسرعان ما فكّر: "إن الرب الرحيم الذي أتى به إلى هنا لا بدّ أن يشفق عليه ويقوده إلى التوبة، لأنه بما أنه ما زال بالجسد فهو لا شك ما زال حياً".

      مع هذا الفكر المعزّي، رأى من بعيد نوراً ساطعاً نقياً، أبهى من الشمس. أسرع نحو هذا النور ورأى بدهشة كبيرة منظراً فائق الجمال. امتدت أمامه غابة شاسعة تفيض منها رائحة عطرة لا توصف. فقال في نفسه: "هذا هو الفردوس! آه كم من البركة تنتظر من يعيش بصلاح على الأرض!"

رسم لجنة عدن

      وقف يتأمل هذا الجمال من العالم الآخر، وإذ به يرى قصراً جميلاً فائق اللمعان ذا تنسيق هندسي مميّز، جدرانه تلمع أكثر من الذهب والماس، ولا يمكن وصف جماله بلغة البشر، فبقي عاجزاً عن الكلام، مذهولاً أمام هذا البهاء. اقترب جورج من القصر، ويا للفرح! رأى والده، يُشع منه النور أمام باب القصر.

      - كيف جئتَ إلى هنا يا بني؟ سأل الأب ابنه بلطف ومحبة

      - لا أعرف يا أبي، لقد أدركت أني غير مستأهل أن أكون في هذا الموضع. ولكن قل لي كيف حالك هنا؟ وكيف وصلت؟ ولمن هذا القصر؟

      - إن صلاح ربنا ومخلصنا يسوع المسيح وشفاعة والدة الإله، التي أوقرها بخاصة، أنعما عليّ بهذا المكان. كان يجب أن أدخل القصر في هذا اليوم، إلا أن البنّاء يعاني اليوم داءً في صحته. لقد قاموا بقلع ضرس له، وهكذا لم تكتمل أيام البناء الأربعين. لذلك سوف أدخل غداً".

      للحال، استفاق جورج، ذارفاً الدموع، مذهولاً ومستغرباً. لم ينم طيلة تلك الليلة، وبقي يسبّح ويعظّم الرب الإله الفائق الصلاح. في الصباح ذهب ليحضر القدّاس الإلهي في كنيسة القدّيسة فوتيني. ثم أخذ خبزة التقدمة ونبيذاً مباركاً مع كمية من الشمع الجديد إلى ناحية ميرتاكيا حيث كنيسة الرسل القديسين. هناك وجد الأب ديمتريوس جالساً في قلايته.

      استقبل الكاهن الشاب جورج بفرح قائلاً: "لقد أتيتُ لتوي من خدمة القدّاس الإلهي. الآن قد أتممت الأربعين قداساً".

      قال هذا لئلا يحزن جورج.

      ثم بدأ جورج يصف له بالتفاصيل الرؤية التي حصلت له الليلة الماضية. وعندما وصل إلى سرد كيف أنّ والده تأخر بالدخول بسبب ألم أسنان البنّاء، خاف الكاهن، وبذهول وفرح، وقف وقال:

      - يا عزيزي جورج، البنّاء هو أنا الذي عمل على بناء القصر. واليوم لم أستطع أن أخدم القدّاس الإلهي بسبب قلع ضرسي. أترى المنديل في يدي؟ إنه مشبع بالدم. لم أقل لك الحقيقة عندما أخبرتك أني قد أتممت الأربعين قداساً وذلك لئلا أحزنك".

      عند هذا الحدّ ختم الأب دانيال الكاتوناكي كلامه على النحو التالي:  هذه  القصة  سمعتها  عام  1875  في  شهر  تشرين الأول، والدائم الذكر ديمتريوس رقد عام 1869.


* يُذكر أن الأب دانيال هو أب ذو سيرة عطرة أسّس في كاتوناكيا في جبل آثوس أخوية عُرفت باسمه.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share