إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
العندليب الصّامت.

   في يومٍ من الأيّام، قرّر المرتّل الأوّل لكنيسة القسطنطينيّة ذو الصّوت الشّجيّ أن يترك العالم ويكرّس حياته لله. هكذا انطلق إلى الجبل المقدّس. وعند وصوله إلى هناك، توجّه إلى "إسقيط القدّيسة حنّة". بحث عن أبٍ روحيٍّ مختبرٍ ليعترف عنده ويستنير بنصائحه قبل أن يبدأ جهاده الرّوحيّ في الحياة الرّهبانيّة. سأله الأب الرّوحيّ: "ماذا كنت تعمل يا ولدي قبل مجيئك إلى هنا؟". ارتبك الشّاب وطأطأ رأسه وبصوت منخفض وتواضع قال: "لقد كنتُ المرتّل الأوّل في مدينة القسطنطينيّة". صمت الأب الرّوحيّ متأمّلاً للحظات، وبعد برهةٍ وكأنّما استنار فكره، قال له: "أصغِ إليّ يا ولدي، قد تقودك موهبة الصّوت الملائكيّ الّتي وهبك إيّاها الله إلى الكبرياء وخسارة نفسك، إن لم تكن حذرًا ومنتبهًا. لدينا في الجبل أعياد كثيرة، وإذا ما سمع الإخوة صوتك العذب، فسيدعونك كلّهم إلى أعيادهم لترتّل، لكنّ روحك هكذا لن تكون مأخوذةً بالله والصّلاة، إنّما بالتّرتيل والمدائح. وكما تعلم ليس هدفنا هنا إرضاء النّاس بل الحظوة برضى الله".

   أجاب المرتّل: "نعم يا أبي، سأسعى، بنعمة الله لإتمام كلّ ما تمليه عليّ وحفظه بدقة".

   - أُفكّر يا ولدي أن أُرسلك إلى شيخٍ روحيٍّ تقيٍّ مختبرٍ في الجهاد الرّوحيّ، لكن انتبه لما ستفعله. اقرأ هناك المزامير وكلَّ الصّلوات على أكمل وجهٍ كما تعرف، لكن لا ترتّل أبدًا بشكلٍ مُتقَن. حاول أن تقوم عَمدًا ببعض الأخطاء في التّرتيل كي يظنَّ الآخرون أنّك لا تتقن الموسيقى. وهكذا عندما ستسمع بعد قليلٍ ترتيل رئيس الدّير الّذي سنقصده، تظاهر بأنّك لا تستطيع مجاراته في التّرتيل.

   - سمعًا وطاعةً.

   انطلق الشّاب مع الأب الرّوحيّ إلى الدّير الّذي سيقيم فيه.

   ومرّت السّنون. وفي يومٍ من الأيّام، التقى الأب الرّوحي برئيس الدّير، وبادره بكثيرٍ من اللّهفة والقلق سائلاً إيّاه: "كيف حال راهبنا المبتدئ؟".

   - يتقدّم بشكلٍ جيّد، والشّكر لله، أجاب الشّيخ برضًى. ثمّ أردف قائلاً: "إنّه متواضع جدًا، تقيّ ومطيع. يقرأ بشكلٍ جميل. لكنّه لا يُحسن التّرتيل ويرتكب الأخطاء، رغم أنّني أُصحّحه دائمًا. والحقُّ أنّه يحاول جاهدًا، لكنّه حتّى الآن لم ينجح". اغرورقَت عينا الأب الرّوحيّ بالدّموع عند سماعه كلام رئيس الدّير، لكنّه لم يكشف له حقيقة جهاد المرتّل، وعاد إلى قلاّيته شاكرًا الله متأثّرًا بتواضع الرّاهب.

رسم لإسقيط القدّيسة حنّة في جبل آثوس.
   مرّت السّنون بكثير من الصّلاة والصّوم والطّاعة. وكان المرتّل المتواضع يقبل من دون انزعاج إرشادات المرتّلين الآخرين، الّذين كانوا يُصحّحون كلّ خطأ يقع فيه. أمّا الأب الرّوحيّ الّذي أرشده، فكان قد وصل إلى مرحلة روحيّة متقدّمة بسبب جهاداته القاسيّة وقد منحه الله موهبة التّبصّر، هكذا علم مسبقًا أنّ المرتّل سيصاب بمرضٍ خطير ويغادر هذه الحياة الفانية بعد أيّام قليلة جدًا.

   وفي الخامس والعشرين من شهر تموز احتفل الإسقيط بعيد رقاد "القدّيسة حنّة" والدة العذراء شفيعته، وكما جرت العادة حضر إلى الكنيسة الرّئيسيّة جميع رهبان الإسقيط والعديد من الزّوّار. في هذا اليوم أُوكلت إلى الأب الرّوحيّ ترتيب الخدمة في الكنيسة. بدأ القدّاس الإلهيّ باكرًا جدًا، وعندما حانت ساعة الدّخول الكبير، اقتربَ الأب الرّوحيّ من المرتّل وأمره أن يتهيّأ ليُرتّل التّسبيح الشّيروبيميّ. حزن المرتّل المتواضع، ولم يُرد أن تُكشَف هويّته بعد انقضاء كلّ هذه السّنوات، فتمتم بصوت خافت: "مرّت سنوات عديدة، يا أبي، وأكاد لا أتذكّر شيئًا!".

   لكنّ أباه الرّوحي ألحّ وأصرّ على طلبه، فأجابه المرتّل: "سمعًا وطاعةً"، وذهب ليستعدّ.

   تعجّب الجميع ظانّين أنّ الأب أخطأ الخيار، وتهامسوا فيما بينهم بانزعاج: "لدينا العديد من المرتّلين الأكفّاء، لماذا لم يختر سوى هذا الرّاهب صاحب الصّوت السّيّء، ليُرتّل في مثل هذه السّاعة وهذا اليوم!".

   حانت ساعة الدّخول الكبير، وبأمرٍ من الأب، بدأ المرتّل بالتّسبيح الشّاروبيميّ بكثير من الخشوع: "أيّها الممثّلون الشّاروبيم سرّيًّا والمرنّمون التّسبيح المثلّث تقديسه...".

   فوجئ الجميع لما سمعوا النّغمات الملائكيّة في صوته العذب، ودهشوا لبراعته في إداء التّرتيل، فنظروا متأثّرين بعضهم إلى بعضٍ: "كيف يمكن لِمَن لا يعرف أصول التّرتيل أن يرتّل بمثل هذا الأداء الرّائع؟".

   وأكمل المرتّل القطعة بإتّقانٍ لا مثيل له: "محفوفًا من المراتب الملائكيّة...".

   عندها فهم الجميع أنّ هذا الرّاهب كان يتقن التّرتيل تمامًا، وتساءلوا ما الّذي دفعه لأن يدّعي عدم المعرفة وقلّة الخبرة كلّ هذه السّنوات!. خجل الإخوة من أنفسهم عندما تذكّروا كلّ المرات الّتي كانوا ينظرون فيها إليه بقسوةٍ عندما كان يخطئ، وكيف كانوا يضعونه جانبًا أثناء التّرتيل.

   انتهى القدّاس الإلهيّ وخرج الرّهبان إلى فناء الكنيسة وتحدّثوا بتأثّرٍ عن تواضع هذا الرّاهب. قال أحدهم متعجّبًا: "عندليب العذراء!. كيف كان مختبئًا في بستانها كلّ هذه السّنين؟".

   - كان هذا المبارَك يسمعنا طيلة هذه السّنوات بالرّغم من كلّ أخطائنا في التّرتيل دون أن يصحّح لنا شيئًا البتّة!"... وقال آخر.

   - ليس هذا فقط، بل كم كنّا نصحّح له ونوجّه له الملاحظات على كلّ خطأ يقوم به، وهو لم يكن يتذمّر البتّة، بل كان يجيب مطأطئ الرّأس: سامحوني يا أخوتي، سأُعيد المحاولة!.

   - المجد لله على هذا الصّوت، وكأنّ كلّ الطّيور المغرّدة اجتمعت في حنجرته!... وتعجّب آخر.

   - هيا بسرعة نذهب لنطلب منه المسامحة.

   أسرع الجميع وراءه، وبالكاد لحقوا به لأنّ أباه الرّوحي كان يرافقه مُبعدًا إيّاه بسرعةٍ عن المدائح وكلمات الإعجاب والثّناء، ويوصله للمرّة الأخيرة إلى قلايته.

   ما كان لأحد أن يعرف بتواضع هذا الرّاهب لو لم يُظهره أبوه الرّوحيّ، وهو لم يكشفه إلا لفائدة الآخرين. بعد مرور يومَين على هذا الحدث، مرض صاحب الصّوت الملائكيّ بشدّة، ورقد بالرّب كما تنبّأ أبوه الرّوحيّ. والآن هو يرتّل في السّماء مع الملائكة ويمجّد خالق الكلّ إلى دهر الدّاهرين. آمين.


المرجع:

الرّب قريب – قصص رهبانيّة من الجبل المقدّس، ترجمة راهبات سيّدة البشارة – حلب (2009).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share