إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
قصّتان مختارتان من كتاب السّلّم إلى الله
للقدّيس يوحنّا السّلّميّ

   عن ذكر الموت والدّينونة:

   كان المدعو اسطفان ساكنًا هنا معتنقًا العيشة التّوحديّة الهادئة وكان قد أمضى في عراك الحياة الرّهبانيّة المشتركة مدّة كافية متحليًّا حقيقة بأصوام ودموع وفضائل أخرى متميّزًا بها على غيره ومتفوّقًا، فاقتنى أوّلاً قلاّيةً في منحدر النّبيّ إلياس من هذا الجبل المقدّس، وبعد ذلك توخّى توبة أكثر جلاء ومشقّة فقصد مكان المتوحدين المسمّى "سيدين" ولبث هناك عدة أعوام في أضيق وأشدّ ما يكون من سيرة النّسك، إذ كان ذلك المكان خاليًا من كلّ تعزية، وعر السّبيل وغير مسلوك من النّاس، بعيدًا عن الحصن حوالي سبعين ميلاً. ثمّ في أواخر حياته رجع إلى قلايته الأولى الّتي كان يحفظها  تلميذان له في الجبل المقدس ورعان جدًا من سكّان فلسطين. ولم يُقم عندهما إلاّ أيّامًا قليلةً حتّى مرض مرضًا أودى به إلى الموت. وقبل موته بيوم واحد اختُطف عقله، وعيناه مفتوحتان، فصار يتطلّع إلى يمين سريره ويساره. ثم سمعه جميعُ  الحاضرين عنده يقول تارة، وحالُه حال من يحاسبه المحاسبون: "نعم هذا بالحقيقة صحيح إلاّ أنّني قد صمتُ من أجله سنين كثيرة"، وتارة أخرى: "كلا لقد كذبتم فهذا لم أعمله قطّ". ثمّ قال أيضًا: "نعم هذا صحيح، نعم، ولكنّي بكيت من أجله، وخدمت الإخوة". ثم قال من جديد: "قد تجنّيتم عليّ حقًّا". ثم أجاب عن ذنبٍ لم يذكره: "نعم، بالحقيقة، نعم، وليس لي ما أجيب عن ذلك، ولكنّ الله رحيم". فكان هذا الحساب الصّارم غير المنظور مشهدًا رهيبًا هائلاً!. والأمر الأشدّ هو أنّهم كانوا يتّهمونه بما لم يفعل. يا للعجب!. إنّ النّاسك المتوحّد الصّامت قال عن هفوة من هفواته: "ليس لي ما أجيب عنها"، مع أنّه أكمل أربعين سنةً في الرّهبانيّة واقتنى موهبة الدّموع. ويلي ويلي! أين كان حينئذ قول حزقيال النّبيّ القائل: "في الحال الّتي أجدك فيها أحكم عليك" (حز ٧: ٣)؟ ولكنّه لم يستطع أن يتذرّع بمثل هذا، فلماذا؟ المجد للّذي وحده يعلم. ولقد أخبرني عنه أناس، صادقين، أنّه أطعم فهدًا بيده في البريّة. هذا وقد فارق جسده أثناء هذا الحساب ولم يشر إلى الحكم الصّادر بحقّه ولا إلى مصيره ونتيجة محاسبته.


* * * * * * *

   عن الطّاعة المغبوطة الدّائمة الذّكر:

   حدثني يوحنّا السّاباويّ الذّائع الصّيت عن أعمالٍ جديرة بالسّماع، قال: "إنّ أحد الشّيوخ في ديري في آسيا الصّغرى  كان متوانيًا وفظًّا جدًا. وأقول هذا لأكون صادقًا ولست أدينه. هذا الشّيخ لا أعلم كيف اقتنى تلميذًا عجيبًا اسمه "أكاكيوس"، كان بسيط الخلق، فطنًا وقد صبر على مصاعب جمّة لا تصدّق أنزلها به شيخُه، الّذي لم يكن  يعذبه كلّ يوم بالشّتائم والإهانات وحسب بل بالضّرب أيضًا. ولم يكن صبره هذا عن حماقة. وكنتُ أراه كلّ يومٍ شقيًّا  بمنزلة عبد حقير، فأقول له حين أصادفه: "ما هذا يا أخي أكاكي؟ كيف حالُك اليوم؟"، فكان يريني للوقت عينه مسودّة متورّمة أو رقبته متهشّمة أو رأسه مفدوغًا. ولعلمي أنّه مجاهدٌ، كنت أقول له: "حسنًا حسنًا، إصبر تنتفع". هذا أقام مدّة تسع سنوات مع ذلك الشّيخ الظّالم ومضى إلى الرّب. وبعد دفنه في مدفن الآباء بخمسة أيّام ذهب معلّمه إلى أحد الشّيوخ الكبار وقال له: "يا أبانا لقد مات الأخ أكاكيوس". فما إن سمع هذا حتّى أجاب: "في الحقيقة أيّها الشّيخ لا أصدّق!". فقال: "تعال وانظر". فنهض مسرعًا حتّى وصل إلى المدفن بصحبة معلّم ذاك المجاهد المغبوط، وصاح كأنّه يخاطب شخصًا حيًّا راقدًا: "يا أخانا أكاكي هل متّ؟"، فأوضح المطيع طاعته حتّى بعد الممات وأجاب: "يا أبتِ، كيف يمكن أن يموت إنسان قد حفظ الطّاعة؟"، حينئذ ارتاع معلّمه المزعوم وسقط على وجهه يذرف الدّموع. وعلى أثر ذلك طلب إلى رئيس الدّير قلاية كانت ملاصقة لذاك القبر وعاش هناك بقيّة عمره بتعقّلٍ قائلاً للآباء: "إنّني قد ارتكبت جريمة قتل".

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share