عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
كيف يصير الغنى عطيّة من الله؟!..
سيرة القدّيس البارّ جيراسيموس
الّذي من كهوف كييف.

رسم لكنيسة كهوف كييف.
   إنّ الاستعمال الحسن للغنى هو وصيّةٌ إلهيّةٌ لأنّ الغنى "عطيّةٌ من الله"، ولكن ليس جميع النّاس يستعملون نِعَمَ الله استعمالاً حسنًا. كثير من النّاس تحطمت حياتهم بسبب الغنى، و"أُسلموا إلى السّقوط بسبب الذّهب". يمكنُ أن يُفضي بنا استعمال المال إلى فائدة نفوسنا بطريقتَين: الأولى هي الإحسان، والثّانية هي تشييد الكنائس. وقد اختار "القدّيس جراسيموس" الطّريقة الثّانية. فقد كان غنيًّا وصاحب أمجادٍ في العالم إلاّ أنّه حين سمع صلاة القدّيس يوحنّا الّذهبيّ الفم في القداس الإلهيّ حول هؤلاء الّذين "يحبّون جمال بيت الرّب"، وظّف كلّ ثروته من أجل تزيين كنيسة والدة الإله في دير المغاور. بعد ذلك صار هو راهبًا هناك، وبدأ في تزيين نفسه بالفضائل كهيكلٍ للرّوح القدس وأيقونةٍ حيّةٍ لله. لكنّ الشّيطان، قاتل النّفوس، نصب فخًّا مدمِّرًا لعبد الله...

   حين أنفق البار جراسيموس جميع ما لديه من أجل كنيسة الفائقة القداسة، ظنّ أنّه عبثًا صرف ذهبه لأجل هذا الهدف. وأخذ يفتكر في نفسه قائلاً: "الويل لي، فأنا لن أنال مكافأةً على هذا العمل، وقد ذهبتْ أموالي سُدًى. وكان من الأوفق لي أن أوزِّعها على الفقراء".

   لم يفهم البارُّ أنّ أفكاره تلك  كانت بمثابة التّجربة، فسقط في الحزن واليأس، ولم تستطع محاولاتُ رئيس الدّير ولا نصائح الإخوة أن تساعده وتعزّيه. وبدأ يعيش من دون يقظة على نحوٍ لا يليق براهبٍ. وشرع يُبدِّدُ حياته من دون هدفٍ معيّن، ولا جهادٍ روحيٍّ ولا صلاةٍ ولا طاعة، غارقًا في الكسل والتّهاون. وحين وَجَد الآباء أن أقوالهم لم تكن تنفعه بل بالأحرى تغضبه، توقّفوا عن الحديث معه في الأمر وشرعوا في الصّلاة لأجله.

   لم يسمحِ الرّبُّ المحبُّ البشر أن تذهب أتعاب عبده وفضائله سدًى، فيسمح لمرضٍ ثقيلٍ بأن يصيبَهُ، فوصلَ إلى حافة الموت. مكث سبعةَ أيّامٍ لا يتحرّك ولا يقدر أن يتناول طعامًا أو أن يخاطب أحدًا. وفي اليوم الثّامن استدعى رئيسُ الدّيرِ الأخويّةَ كلَّها، فتحلّقت حول فراش البارّ جراسيموس، وحين رأوا أنّ نَفْسَهُ لم تكن تخرجُ من جسده بسلام، تنهّدوا وقالوا:

   - لقد حلّتْ مصيبةٌ بأخينا، إذ أمضى حياته في الكسل والتّهاون والآن نفسه تتعذّب وتعجز عن مغادرةِ جسده.


صورة لدير كهوف كييف.


   يا لعجائبك أيّها المسيح!. الّتي أنهى فيها الإخوةُ كلامهم عنه في تلك اللّحظة... وعاد جراسيموس المحتضر إلى ذاته ونهض وجلس على الفراش وقال بصوتٍ قويّ كأنّه لم يكن مريضًا:

   - أيّها الإخوةُ والآباء، إنّكم تقولون الحقيقة. أنا خاطئٌ. قضيْتُ حياتي في التّهاون. ولمّا جاءني الموت، وجدني غير تائبٍ، لكن بينما كان الشّيطان ينتظر نهايةَ أجلي بفرحٍ، ظهر أبوانا البارّان "أنطونيوس وثيودوسيوس" (مؤسسا دير كهوف كييف) وقالا: "أيّها الأخ، لقد صلّينا إلى الرّبِّ من أجلكَ، وهو بما أنّه الرّبُّ الجزيل التّحنّن، وهبك وقتًا للتّوبة"... بعد ذلك شاهدْتُ السّيّدةَ والدة الإله الّتي قالت لي: "يا جراسيموس، بما أنّك زيّنْتَ كنيستي وأغنَيتها بأيقوناتٍ جميلة وأوانٍ ثمينة، فقد توسّطتُ من أجلك عند ابني، وسوف أُكافئك على عملك، لأنّ الفقراء هم عندكم في كلِّ حين وتقدرون أن تساعدوهم. انهضِ الآن، وتُبْ توبةً عميقةً على خطاياك ثمّ ارتدِ الإسكيم الملائكيّ الكبير. وبعد ثلاثةِ أيّامٍ سأحضِرُكَ إلى جانبي، لأنّك أحببتَ جمال بيتي".

   وحالما انتهى من إخبارهم برؤيته، بدأ البارُّ جيراسيموس يعترفُ بخطاياه بدموعٍ وخشوعٍ من دون أيّ خجلٍ أمام الأخويّةِ كلِّها. ثمّ نهض وذهب إلى الكنيسة وهناك سامه رئيس الدّير راهبًا على الفور واهبًا إيّاه الإسكيم الملائكيّ الكبير.

   وفي النّهاية اعتزل وأسلم نفسه للصّلاة. ثمّ في اليوم الثّالث، وحسبما أكّدت له السّيدةُ العذراء، والدةُ الإله، رقد بسلام ورحل إلى السّماء.


المرجع:

بدّور ج. (٢٠٠٦)، سنكسار آباء مغاور كييف، منشورات مطرانيّة عكّار الأرثوذكسيّة، أسقفيّة الحصن، مرمريتا، سوريّا.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share