صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
الأمومة الإلهيّة-البشريّة،
صورة عن الأبوّة الإلهيّة.


   نقول في دستور الإيمان: "أؤمن بإله واحد، آب ضابط الكلّ". أبوّة الآب تصوغ علاقة بنوّته للإنسان. الإنسان مخلوق على صورة الله، وصورة أبوّة الله تنزّلت على الإنسان. لكن لا شيء في النّاحية الذّكوريّة من البشريّة، بإمكانه أن يولّد الطّابع الإلهيّ للأبوّة بشكل تلقائيّ، لا توجد غريزة أُبوّة تساوي غريزة الأمومة.

    في نصّ ليتورجيّ قديم، "الدوغماتيكون"، تعبير عن أمومة والدة الإله، على ضوء الأبوّة الإلهيّة، أو بالحريّ من خلالها: "لقد ولدتِ بدون أبٍ، الابن ، المولود من الآب قبل كلّ الدّهور". المقابلة الواردة في النّص تحمل معانٍ غنيّة: أمومة العذراء هي صورة بشريّة عن أبوّة الله.

    إذا كانت الأبوّة هي الميزة الأعمق للحياة الإلهيّة، فإنّ الأمومة هي الميزة الإلهيّة بامتياز للحياة الإنسانيّة.

    النّفس الأنثويّة هي أكثر رهافةً لما هو روحيّ، وأقرب إلى الأصل، إلى التّكوين. لهذا السّبب يقدّم الكتاب المقدّس المرأة على أنّها خلاصة انفتاح البشريّة على ما هو إلهيّ. حتّى السّقوط، ارتبط بالمرأة لا كونها "الجنس الضّعيف"، بل لكونها أكثر انفتاحًا على الخيارات المطروحة، دون البحث بالضّرورة عن مصدرها. بالمقابل أُعطي وعد الخلاص للمرأة، لحوّاء: "مريم"، حوّاء الجديدة، الّتي تلقّت الخبر السّار. ولامرأة وهي مريم المجدليّة، ظهر المسيح أوّلًا. امرأة ملتحفة بالشّمس ترمز إلى الكنيسة، والمدينة السّماويّة في كتاب الرّؤيا. وقد اختار الله صورة الختن والعروس ليعبّر عن محبّته للبشريّة، وطبيعة العلاقة الزّوجيّة لاتّحاده بها. وعلى وجه التّحديد، تمّ التّجسّد من خلال إناء "مريم" الأنثويّ. لقد وهبت ابن الله جسدها ودمها.

    ترد في المسيحيّة صورٌ عديدة للأمومة: انتحب يسوع، أمام أسوار أورشليم،: "كم من مرّة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدّجاجة فراخها"(مت23: 37). والرّسول بولس استعمل الصّورة ذاتها للتّعبير عن هدف بشارته: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ"(غلا4: 19)في تقليد الكنيسة الشّرقيّة، الموهبة الأساسيّة للكهنوت هي "الحنان الأموميّ". ونجد الموضوع ذاته مذكورًا في كتابات آباء وأمّهات البرّيّة، يعبّر عن ذلك الأب "بيمن" بقوله: "إذا ما لاحظتُ أخًا غلبه النّوم، أثناء الصّلوات اللّيليّة، أضع رأسه على ركبتيّ وأنيّحه".

    إذا ما اعتُبِرَت المرأة على مدى التّاريخ، دون الرّجل، ففي البعد المواهبيّ للتدبير الإلهيّ، يوجدان متساوييَن بالكامل. ليست النّساء آباء الكنيسة، إنّهنّ أمّهات الكنيسة، تمامًا كما يطلق على بعض الآباء والأمّهات الرّوحييّن الرّهبان صفة "المعادلين للرّسل"، بسبب تبشيرهم بالإنجيل. ونجد ذلك بأجلى بيانٍ مذكورًا في "تعاليم الرّسل الإثني عشر": "الشّمّاس يمثّل المسيح، وعليكم أن تحبّوه. وللشمّاسات الكرامة، لأنّهنّ يمثّلنَ الرّوح القدس". تختصر هذه العبارة تقليد الكنيسة. الرّجل مرتبط كيانيًّا بـ"الكلمة"، والمرأة بالرّوح القدس. لذلك ضمن الرّموز الواردة لاجتماع المؤمنين اللّيتورجي، المرأة هي المذبح، وهي تمثّل الصّلاة. المرأة هي المرأة أو العذراء المصلّية(Orant).وهي صورة الرّوح المصلّية، النّفس البشريّة المتحوّلة إلى صلاة، في بذل الذّات الكليّ والكامل، تمامًا كما هي "العذراء المصلّية" الّتي تصوّر في حنية هيكل الكنيسة. إنّها رمز الرّوح، الّذي في أوان الخلق، كان "يرفُّ" على وجه الخليقة. المرأة من خلال كيانها المصلّي، "ترفُّ" على وجه الحياة بحمايتها الأمّهيّة. تأخذ الحياة بين يديها وترفعها إلى الله.

العذراء المصلّية في حنية هيكل كنيسة ميلاد والدة الإله، في دير القدّيس يوحنّا المعمدان، في لبنان.

    لم تنسب الكنيسة الشّرقيّة أبدًا إلى والدة الإله، رتبة  الكهنوت. وإذا ما بدت في بعض الإيقونات تلفّ العالم بالأموفوري (وهو رداء المطران اللّيتورجي)، فهذا لا يشير أبدًا إلى سلطة أسقفيّة، بل إلى موهبة أمّهيّة، كما يرد في عيد زنّار والدة الإله، المعروف في السّلافيّة بـ"بوكروف".

    الكهنوت الأسراريّ ليس من ضمن المواهب أو المِنَح الرّوحيّة المنوطة بالمرأة، الممثّلة بوالدة الإله، الّتي هي هامة البشريّة الجديدة وتعبيرها الأسمى، لأنّها أرفع من الكاهن ومن كلّ رتبة كهنوتيّة. إنّها "الأكرم من الشّاروبيم، والأرفع مجدًا من السّارافيم"، كما يرد في أهمّ ترتيلة موجّهة لوالدة الإله في الكنيسة الشرقيّة.

    نجد في "هيراكليتوس" صورة معبّرة بشكل مذهل، وهي صورة القوس والقيثارة. الكلمة اليونانيّة "Bios"، تعني في الوقت ذاته الحياة والقوس، الّذي تعني سهامه الموت. القوس هو حبل مشدود، والقوس ذو الحبال المتعدّدة، بسمّوه على هذا النّحو، إذا جاز التّعبير، يصبح قيثارةً تبعث موسيقى، وانسجامًا، وجمالًا. الغريزة الرّجليّة الّتي تسبب التّدمير، والرّجل هو"أب الحرب"، بإمكانها أن تتحوّل إلى اتّفاق، وانسجام، تحوّلها المرأة، "أمّ الحياة"، المالكة غريزة الحياة، إلى وجود حيويّ بنّاءٍ وإيجابيّ.

    يحدّ الرّجل وجوده، جاعلًا من الكون، الإسقاط الخارجيّ لجسده، ويملأه بإنجازاته وقوّته التّقنيّة. لكنّ المرأة الّتي هي "مجد الرّجل"، بحسب القدّيس بولس، بمثابة مرآة تعكس وجه الرّجل، وتظهره له على حقيقته، وبالتّالي تصوّب له ميوله. إنّها "مُعينةٌ"(تك2: 18)، تساعد الرّجل فطريًّا في فهم مصيره، وكرامته، وحقيقته. كلمات القدّيس بطرس في (1بط3: 4)، في الكلام عن "إنسان القلب الخفيّ"، يبيّن موهبة المرأة الأساسيّة، الّتي هي ولادة الإنسان الخفيّ.

    "تُفَكِّكُ العلوم والتّكنولوجيا روابط الحياة الإنسانيّة، بينما يدعو ارتباط المرأة بالرّوح القدس، الرّجال، إلى التّساؤل عن حقيقة وجودهم. إنّها تتحدّاهم بأن يقفوا على فوهة الهوّة ويمنعوا تدمير التّاريخ والبشريّة. الرّجل كمحارب ومهندس للكون، يسلب العالم إنسانيّته، المرأة بالمقابل تعتبر كلّ شكل من أشكال الحياة، ولدها الخاصّ."

    لكنّ المرأة تحقّق دورها فقط إذا ما اقتبلت مهمّة "العذارى الحكيمات"، في المثل الإنجيليّ، الّلواتي كانت سرجهم مفعمة بمواهب الرّوح القدس، إذ ذاك، "كممتلئة نعمة"، تسير في إثر والدة الإله، وتصبح "الملهمة الأَعظم" بحسب "كيركغارد"، الكاتب والفيلسوف الألماني.

    توجد صلاة مذهلة، ذوكصولوجيا مدهشة، ملهمة من النّساء، انتشرت بين المؤمنين في روسيّا، زمن الحكم الشّيوعي،إنّها تتحدّث عن "تعزية المعزّي"، الرّوح القدس، بإحاطتنا ومحبّتنا: "إغفر لهم كلّهم، باركهم كلّهم، السرّاق والسّامرييّن الصّالحين، الّذين سقطوا على جوانب الطّريق، وحتّى الكهنة الّذين يعبرون بهم، كلّ من هم "أقرباؤنا": المعذِّبون وضحاياهم، القتلة والمقتولون، الّذين يثورون ضدّك يا الله والّذين يجثون أمام محبّتك. ضمّهم كلّهم إليك، أيّها الآب السّماويّ العادل.!."

    في كنيسة في شمال روسيّا، يظهر في حائطيّة من القرن الحادي عشر، القدّيس "جاورجيوس" على الحصان كالعادة، لكنّه لا يحمل رمحًا بيده ولا ينحر تنّينًا، بل تبدو ملكةٌ، ترمز في الوقت عينه إلى والدة الإله وإلى الكنيسة، تقود التّنّين برسن صغير، والتّنّين يتبعها، بكلّ وداعة.

   

كم هي معبّرة هذه الصّورة؟!، لا يُبيد الرّجُلُ الشّرّ...إنّما المرأة تحوّله.!.



ملاحظة: بول إفدوكيموف، كاتب هذا النّص،لاهوتيّ روسيّ استقرّ في باريس إثر الثّورة الشّيوعيّة. درّس في معهد القدّيس "سيرجيوس" في باريس، وكان من مؤسّسي حركة الطّلبة المسيحيّين الرّوس.

المرجع:

In the World of the Church, A Paul Evdokimov reader,(2001)

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share