إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
التّجلّي

   "في ذلك الزّمان أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنّا أخاه فأصعدهم إلى جبلٍ عالٍ على انفراد وتجلّى قدّامهم وأضاء وجهه كالشّمس وصارت ثيابه بيضاء كالنّور. وإذا موسى وإيليّا تراءيا لهم يخاطِبانه... وفيما هو يتكلّم إذا سحابة نيّرة قد ظلّلتهم وصوتٌ من السّحابة يقول هذا هو ابني الحبيب الّذي به سُررتُ فله اسمعوا"... (مت ١٧: ١-٣، ٥).

   يسوع يصطحب معه تلاميذه الثّلاثة المقرّبين إليه. أحيانًا يكشف الله نفسه للخطأة بطريقةٍ فريدةٍ. ولكنّ امتياز معاينة الله والدّخول في فرح التّجلّي محفوظان بشكل عامّ للّذين لازموا المعلّم طويلاً وبأمانة.

   قاد يسوع تلاميذه إلى جبلٍ عالٍ. فقبل بلوغ نور التّجلّي لا بدّ من ارتقاء النّسك المؤلم. تغيّرت هيئة يسوع المعتادة. فسطع وجهه "كالشّمس" وأصبح لباسه "ناصع البياض" هذا هو فحوى التّجلّي. يسوع هذا الّذي كان تلاميذه يعرفونه جيّدًا والّذي كان مظهره، في الحياة اليوميّة، لا يختلف عن الآخرين، بدا لهم فجأة بشكل جديد ومجيد. ويمكن أن تحدث لنا، في حياتنا الدّاخليّة، مثل هذه الخبرة، بطرائق ثلاث. فقد يحدث أن تصبح الصّورة الدّاخليّة عندنا ليسوع (في عيني روحنا) برّاقة وساطعة لدرجة حتّى يبدو لنا بالحقيقة أنّنا نعاين مجد الله على وجهه: إذ يصبح لنا جمال المسيح الإلهيّ نوعًا ما موضوع اختبار. كما نشعر أحياناً أخرى، وبالعمق، أنّ النّور الدّاخليّ، هذا النّور المعطى لكلّ إنسانٍ آتٍ إلى هذا العالم لكي يرشد فكره وعمله، يتماثل مع شخص يسوع المسيح: فإنّ قدرة الشّريعة الأخلاقية تنصهر مع شخص الابن، وجاذبيّة التّضحية تجعلنا نلمح، بشكل خاطف المخلّص المذبوح، ونسمع دعوته. وأخيرًا نعي أحيانًا وجود يسوع في رجل أو امرأة ما وضعهما الله في طريقنا، وخصوصّا حين يُعطى لنا أن ننعطف بحنوّ على أوجاعهما: هذا الرّجل أو هذه المرأة يتجلّيان ويتحوّلان إلى يسوع المسيح، تحت عيني الإيمان. ومن هذا الواقع الأخير، علينا أن نستخلص طريقة محدّدة للرّوحانيّة، طريقة تجلٍ صالحة للتّطبيق على الجميع، دائمًا وفي كلّ مكان.

   كما يظهر بجانب يسوع موسى وإيليّا، موسى ممثّلاً الشّريعة وإيليّا الأنبياء. فيسوع هو تمام كلّ شريعة وكلّ نبوءة. هو النّهاية الأخيرة لكامل العهد القديم. هو ملء كلّ الإعلان الإلهيّ.

   ويتحاور موسى وإيليّا مع يسوع عن آلامه المتوقّعة. بشكل عامّ لا يلاحظ النّاس هذا الجانب من التّجلّي. فلا يمكننا أن نفصل، في حياة يسوع، الأسرار المجيدة من الأسرار المؤلمة. لقد تجلّى يسوع حين كان يتحضّر لآلامه. ونحن لن ندخل في فرح التّجلّي إلاّ إذا اقتبلنا، في حياتنا الخاصّة، الصّليب.

   أراد بطرس أن يثبت في غبطة التّجلّي، فاقترح على يسوع صنع ثلاث مظال. هكذا يرغب المؤمن، في بدء حياته الرّوحيّة، بأن يطيل "التّعزيات" وأوقات العذوبة الحميمة. ولكنّ يسوع لا يردّ على اقتراح بطرس. لا يحقّ لأوائل الرّسل، ولا لنا، أن ننسحب من أعمال الأرض الشّاقة ونستقرّ منذ الآن في سلام لا ينتمي إلاّ إلى الحياة المستقبلة....

   لماذا تتغيّر هيئة يسوع؟ ولماذا يتسربل بالنّور؟ لم يكن ذلك بهدف منح التلاميذ منظرًا مؤثّرًا ومريحًا، بل من أجل ترجمة شهادة الآب المهيبة لابنه، إلى الخارج. كما يعطي الآب استنتاجًا عمليًّا للرّؤيا: "له اسمعوا". فالنّعمة الخارقة لا تؤتي أيّ تأثير إلاّ إذا جعلتنا أكثر انتباهًا وطاعة للكلمة الإلهيّة.

   صعق التّلاميذ من الذّعر. فلمسهم يسوع وطمأنهم. "فرفعوا عيونهم ولم يروا غير يسوع وحده" (مت ١٧: ٨). يمكننا أن نجد معاني كثيرة في هذه الجملة، وكلّها صحيحة. فهناك من ناحية الوضع الطّبيعيّ لتلميذ يسوع في هذا العالم، وهو الالتصاق بشخص يسوع من دون أن يكون شخصه هذا مكتسيًا صفات المجد الإلهيّ الخارجيّة. فعلى التلميذ أن يرى "يسوع وحده"، يسوع في تواضعه. فإن بدت لنا صورته، في لحظات نادرة، محاطة بالنّور، وإن تخيّل لنا سماع صوت الآب يكلِّفنا بمحبّة الابن، فهذه الومضات لا تدوم؛ وعلينا في الحال أن نعثر على يسوع مجدّدًا حيث يوجد بالعادة، في قلب واجباتنا اليوميّة الوضيعة والشّاقة أحيانًا. أن نرى "يسوع وحده" يعني أيضًا أن نركّز في يسوع فقط، اهتمامنا ونظرنا، وألاّ ندع أمور العالم ولا الرّجال والنّساء الّذين نلتقيهم يصرفون انتباهنا عنه. باختصار أن نجعل يسوع الأهمّ والأوحد في حياتنا. هل هذا يعني أنّه يجب أن نغلق أعيننا عن العالم الّذي يحيط بنا والّذي كثيرًا ما يحتاج إلينا؟ هناك القلّة المدعوّة إلى أن تكون في وحدة مطلقة مع المعلّم: فليكن هؤلاء أمناء لدعوتهم. ولكنّ غالبيّة تلاميذ يسوع الّذين يعيشون في وسط العالم قد يعطون هاتين الكلمتَين "يسوع وحده" تفسيرًا آخر أيضًا، فبإمكان هؤلاء – من دون أن ينقطعوا عن العلاقة الشّاكرة بالأشياء المخلوقة، والعلاقة المُحِبَّة والمتفانية بالآخرين – أن يبلغوا درجة من الإيمان والمحبّة يصبح معها يسوع شفّافًا عبر البشر والأشياء؛ فكلّ جمال طبيعيّ وكلّ جمال بشريّ سوف يصبح هدب جمال يسوع. ولسوف نرى انعكاسها في كلّ ما يجتذبنا في الآخرين ويستحقّ محبّتنا. باختصار، هكذا نكون قد "جلّينا" العالم. ولسوف نرى "يسوع وحده" في كلّ الّذين نفتح أعيننا عليهم.

   ولسرّ التّجلّي جانب كونيّ وإسخاتولوجيّ. الطّبيعة بأسرها – الّتي تعاني الآن نتائج الخطيئة الّتي هي السّبب المادّي للشّرّ- سوف تتحرّر وتتجدّد حين يعود المسيح بمجد، في نهاية الأزمنة.

   والتّجلّي هو أخيرًا اعتلان الآب والرّوح القدس. إنّه يزيل القناع الّذي يستر عنّا، في هذه الحياة الأرضية، الحياة الحميمة للأشخاص الإلهيّة الثّلاثة. فلننشد مع الكنيسة جمعاء، في الأودية التّاسعة في السّحريّة: "لنقف بحالٍ غير هيوليّة في مدينة الإله الحيّ ونشاهد عقليًّا اللاّهوت غير الهيوليّ، لاهوت الآب والرّوح متلألئًا في الابن الوحيد".


   المرجع:

   الأب ليف جيلله (2014)، سنة الرّب المباركة، سلسلة "الرّوحانيّات واللّيتورجيا" 5، تعاونيّة النّور الأرثوذكسيّة للنّشر والتّوزيع م.م. بيروت، لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share