بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
"اذكر يا ربّ...".

   إنّ نهر النّعم الّذي يجري من الذّبيحة غير الدّمويّة يعود بمنفعة كبيرة ليس فقط على الأحياء بل على الأموات أيضًا. لذلك فإنّ الّذين يقيمون الخدم الإلهيّة قدّام المائدة المقدّسة يتوسّلون باستمرار: "اذكر يا رب عبيدَكَ..."، "من أجل صحة عبيدِكَ..."، "لراحة نفوس عبيدك..."، وكلّما كانت الطّلبة مقرونة بإيمان ومحبّة عميقَين من الكاهن كلّما طالت لائحة الأسماء المذكورة الّتي يُصلّون من أجلها.

   كان الشّيخ سابا (١٨٢١- ١٩٠٨)، الأب المعرّف في ناحية إسقيط "حنّة الصّغرى" في جبل آثوس، يذكر أسماءً كثيرة. كان يبدأ بالذّبيحة باكرًا ويستمرّ بذكر الأسماء لمدة ساعتَين أو ثلاثة. كان يستعمل طبقًا كبيرًا منقوشةً عليه أيقونة الميلاد.

   بعض الآباء في الإسقيط كانوا يقولون له: "أيّها الشّيخ أنت متعبٌ للغاية، فلماذا تذكر هذه الكثرة من الأسماء وتقف لساعاتٍ طويلة؟". فكان يجيبهم: "على العكس أنا لا أتعب البتّة، لأنّ الّذين أذكرهم يتلقّون منفعة كبيرة، وهذا يسبّب لي فرحًا جزيلاً".

   في بعض المناسبات كان الشّيخ سابا يذكر، أنّ الله أعطاه علامة أنّ النّفوس تلقى منفعة كبيرة إذ يتمّ ذكرها في الذّبيحة. لم يقل لأحدٍ عن هذه الرّؤية رغم أنّ الكثيرين كانوا يسألونه عن سبب ذكره لهذا العدد الكبير من الأسماء وعن الرّؤية.

   قبل رقاده بقليل، رأى الشّيخ أنّه من الضّروريّ ألا يحفظ لنفسه هذا الإعلان الإلهي، لذلك دوّن في مذكراته الحادثة التّالية... الّتي وجدها "الأب يواكيم سبيتسياريس"، في عام ١٩٢٥، بين أغراضه ونقلها كما هي على هذا النّحو:

   "إلى الّذين يتساءلون لماذا أُعطيتُ الإلهام بذكر هذا العدد من الأسماء خلال إعدادِ الذّبيحة، أروي هذه الحادثة.

   عام ١٨٤٣، جئنا من دير "الإيفيرون" إلى دير "ديونيسيّو"، وكنّا نعيش بصمتٍ في أعلى الدّير في قلاّية صغيرة، كنيستُها مكرّسة "للقدّيس يعقوب أخي الرّبّ". هذه هي الكنيسة الّتي كان شيخي "الأب ستيفان" قد طلب من رئيس الدّير إعادة بنائها من أساستها. وقد استُدعي المطران لتكريسها. ثمّ في تلك اللّيلة قبل وصول الأسقف، جاء راهبٌ كاهنٌ من الدّير وأعدّ أغطية المذبح والمائدة والزّيت من أجل التّكريس.

   في صباح اليوم التّالي، بعد تكريس الكنيسة وإقامة القدّاس الإلهيّ، قال المطران لشيخي "الأب ستيفان": "أرجوك، دعني أُعطيك بعض الأسماء كي يذكرها "الأب سابا" بما أنّه سيُقيم القدّاس الإلهيّ لمدة أربعين يومًا" (لأنّ كلّ كنيسة يتمّ تكريسُها، يُقام فيها القدّاس الإلهيّ يوميًّا لمدة أربعين يومًا). فقال له شيخي: "أعطِه قدرَ ما تشاء". كتب المطران اثنَين وستّين اسمًا على ورقة صغيرة وقدّم معها بعض المساعدات لشيخي.

   ومرّ تسعةٌ وثلاثون يومًا وأنا أذكر هذه الأسماء، وفي اليوم الأربعين عندما كنت متّكئًا على منصّة القراءة، منتظرًا قدوم شيخي كي أبدأ القدّاس الإلهيّ، غفوتُ قليلاً. وفي نومي أبصرتُ نفسي لابسًا ثيابًا كهنوتيّةً واقفًا قدّام المائدة المقدّسة وعليها الكأس المقدّسة الّتي تحوي دم المسيح. أيضًا رأيتُ "الأب ستيفان" يدخل إلى الهيكل ويأخذ من المذبح لائحة الأسماء وملقطًا. ثمّ توجّه ناحية المائدة المقدّسة وأمسك الورقة بالملقط وأخذ يُغطّسها بالكأس المقدّسة الّتي فيها دم المسيح. وكان في كلّ مرّة يغمّسها، يزول اسمٌ من اللّائحة... وهكذا إلى أن ابيضت الورقة بالكليّة.

   استفقتُ إذ دخل شيخي، فرويتُ له الرّؤيا، فقال لي: "ألم أقلْ لكَ ألّا تصدّق الأحلام؟". وبعد القدّاس الإلهيّ قال لي: "إنّ خطايا النّاس لم تُغفر لأجل استحقاقك، بل بالإيمان نحظى بمغفرة الخطايا".

   ولهذا السّبب أذكر هذه الكثرة من الأسماء في الذّبيحة الإلهيّة".

   ومع الوقت، تكاثر عدد معارفه، وصار له أولادٌ روحيّون كثر، والعديد من النّاس كانوا يطلبون صلواته. فصارت لائحة الأسماء تحوي على أكثر من ألف إسمٍ... كيف كان يجد الوقت ليذكرهم كلّهم؟... لا أعرفُ، لكنّه قام بتقسيمهم إلى ثلاثةِ أقسام وكتب كلًّا  منها بأحرفٍ كبيرة في كتيّبٍ، وكان يذكر واحدًا منها كلّ يوم. وبعد رقاده حصل آباء دير "كتلوموسيّو" على واحدٍ من هذه الكتيّبات وهم يحتفظون به كذخيرة مقدّسة لهذا الشّيخ القدّيس حتّى يومنا هذا.


المرجع:

Archimandrite Cherubim (1992), Contemporary Ascetics of Mount Athos, Volume Two, St. Herman of Alaska Brotherhood Press, Platina, California, U.S.A. pp 444-447.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share