إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
في التوبة والصّلاة وفي الجهاد أيضًا.
للقدّيس إسحق السّريانيّ.

   مضمون هذه المقالة هو ضرورة معرفة حاجتنا إلى التّوبة في كلّ ساعة من ساعات اللّيل والنّهار. إنّ مفهوم التّوبة كما عرفناه من الوجه الصّحيح للأمور هو التّالي: ابتهالٌ دائمٌ إلى الله بصلاةٍ مليئة بالخشوع إلتماسًا من الله غفران الخطايا الماضية، وحزن للاحتراس مما سيأتي. ولكي يشدّد الرّبّ ضعفنا أثناء الصّلاة قال: "اسهروا وصلّوا لئلا تقعوا في تجربة" (مت ٢٦: ٤١). فصلّوا ولا تملّوا واسهروا كلّ حين متضرّعين. وقال أيضًا: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، دقّوا الباب يُفتح لكم، فمن يسأل ينل ومن يطلب يجد ومن يدقّ الباب يُفتح له" (مت ٧: ٧). وقد ثبّتَ لنا هذا القولَ وأكّده في مَثَلِ الّذي ذهبَ إلى صديقه في نصف اللّيل وطلب منه خبزًا حين قال: أقول لكم إن كان لا يقوم ويعطيه لأنّه صديقه، فهو يقوم ويعطيه كلّ ما يحتاج إليه لأنّه لجّ في طلبه (لو ١١: ٨). أمّا أنتم فصلّوا ولا تتهاونوا. يا للثّقة الّتي لا توصف! إنّ الواهب يحثّنا على الطّلب لكي يعطينا المواهب الإلهيّة. فإذا كان هو نفسه الّذي يدبّر كلّ ما هو نافع لنا، فإنّ أقواله هذه (الّتي تحثّنا على الطّلب) إنّما هي بالأحرى مليئة بما يشجّعنا على اليقين بها. وإذ يعلم أنّ التّوبةَ لا تتوقّف إلاّ بالموت، وأنّ التّحوّل، أي الانتقال من الفضيلة إلى الرّذيلة سهل جدًا، وأنّ طبيعة الإنسان قابلة لما هو مضاد، فقد حثّنا على الاجتهاد والجهاد في التّضرّع المستديم. فلو كان بلد اليقين موجودًا في هذا العالم، لأصبح الإنسان، متى بلغه، منزّهًا بطبيعته عن الاحتياج، ولأصبح عمله خاليًا من الخوف... الرّب يحثّنا على الجهاد في الصّلاة كما مارسها هو  في عمل تدبيره. إنّ القدّيسين في الدّهر الآتي لا يقدّمون صلوات لله بمثابة مطالب، لأنّنا متى بلغنا بلاد الحريّة تلك، ستغدو طبيعتنا منزّهة عن كلّ تغيّر ومَيَلان – آتٍ من هول المضادات – يُصبح الكلّ كاملاً. لذلك ينبغي ألاّ يقتصر جهادنا على الصّلاة وحفظ الذّات، بل أن نسعى لفهم ما هو رهيف وغير مدرك من الأمور الّتي تعترضنا باستمرار والّتي يعجز ذهننا عن معرفتها ونقع فيها غالبًا ودومًا رغمًا عنّا حتّى ولو كان عقلنا تاليًا ومحبًّا للصّلاح.

   إنّ هذا العالم هو مكان جهاد، وهذا الزّمن هو أوان الصّراع، وحيث الصّراع والجهاد يوجد ناموس، لأنّ الملكَ لا يضع شروطًا على جنوده قبل أن ينتهي الجهاد ويجتمع الكلّ أمام بابه، ويُعرف عندئذ من صمد في المعركة ولم يقبل الهزيمة ممن أدار ظهره وولّى هاربًا. وقد يحدث أحيانًا أن يكون إنسانٌ مرميًا ومثخنّا بالجراح، لم يتروّض البتة ولا ينفع لشيء، إلاّ أنّه ينهض فجأة ويختطف العَلَم من جيش أبناء العمالقة فينال شهرة ويُمتدح أكثر من المجاهدين الماهرين في الانتصار بالمعارك، ويحصل على الإكليل والجوائز الثّمينة بما يفوق الجميع. لذلك يجب علينا ألاّ نياس وألاّ نهمل الصّلاة وألاّ نتكاسل في طلب المعونة من الله.

   ويجب أن نتذكّر دائمًا أنّنا ولو صعدنا إلى أعالي السّمواتِ فلن نستطيع البقاء دون عمل أو اهتمامٍ ما دمنا نحيا بالجسد في هذا العالم. هذا هو الكمال. وكلّ ما زاد على هذا فهو كلام باطل.

   أمّا إلهُنا فله المجد والعزّة والجلال إلى الدّهور، آمين.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share