إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
ملفّ خاص
رحلة إلى روسيا

مشاهدات وانطباعات!

  مكان الإقامة

إيقونة معمودية الشعب الرّوسي

     كانت رحلة حجّ بدأناها صباح الاثنين باكرًا، السّابع والعشرين من حزيران الجاري، العام ألفين وأحد عشر ميلاديًا.

     إلى الآن، وأنا أكتب الأربعاء، كلّ شيء عجيب!

     نزل بعضنا عند ماشا، سيَّدة ورعة، راهبة في العالم، في مظهر عاميّ، في مطالع السّبعين من العمر. تخمع قليلاً كيعقوب، أب الأسباط الاثني عشر، بعدما صارع ملاكَ الرّب طوال الليل ولمّا يفلته إلا بعدما باركه. ماشا بوركت بعد ليل آلام! ليس هذا باديًا في محيّاها. محيّاها نور وهدأة ولطافة ولا أعذب. هذا بادٍ في بيتها في وسط موسكو. من عائلة عريقة، زوبوف. والدها فاسيلي (باسيليوس)، علاّمة ومؤرّخ. الجد بافْلِ (بولس) أكبر جامع نقد معدني في العالم! وأب الجد، فاسيلي، أيضًا، جامع آلات موسيقية نادرة، ومدير معهد الموسيقى في موسكو، وقائد الأوركسترا فيها. البيت الّذي فيه نزلنا ٱشتراه جدّ الجد، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أدنى إلى القصر، هندسةً، بطابقين. الثورة البولشفية ٱستولت على المكان، وحشرت من كان فيه، أربعين عددًا، في الطابق العلوي، الّذي كان مخصّصًا للخدم. هكذا أخذت العائلة تذوق الفقر والضيق بعد عزّ. اليوم، ٱستحال الطابق الأرضي مكاتب بكلّ معالم الحداثة، فيما ٱستمرّ العلوي مخزنًا لكلّ أثر بقي من العائلة ولها، نزولاً من أربعينات القرن التاسع عشر حتّى اليوم. هذا البيت متحفيّ. كلّ شيء فيه يطالعنا بماضٍ عريق. كتبٌ وكتبٌ وكتب، جلّها بالرّوسية، علمًا وأدبًا وفنًّا. وقليل جدًا بالفرنسية أو الإنكليزية. صور فوتوغرافية يرقى بعضها إلى ما قبل منتصف التاسع عشر. ثمة صورة لجدّة الجدّ، لما كانت في العاشرة. قال أحدهم ربما كانت هذه من أقدم الصّور المعروفة في العالم. ثم لوحات ولوحات فنيّة. ماشا، رسّامة لوحات وإيقونات وأستاذة جامعة. ثم صور قديمة ونسخُ وثائق قديمة "مُبَروزة" ومعلّقة في كلّ مكان. الأثاث عريق ٱنحطّ لكنّه ٱنحفظ حتّى أبسط التفاصيل المطبخيّة مما بقي. وإلى كلّ شيء، إيقونات تملأ المكان، بعضها مهم جدًا، فيما يبدو، وبعضها ورقي بسيط. في كلّ حجرة، حتّى المطبخ، زاوية رُصفت فيها الإيقونات مُصلّى، أو أكثر من زاوية؛ وأمامها قنديل زيت بلهب ضئيل يستحضر من في العُلى، ولا يترك الإيقونات شلحةَ الجدران زينةً ومتحفًا ومَعلمَ غنًى، دونما حضرة وحياة، لتكون لذوي المنزل محطَّ تباه كمن يدّخرون المائتات!

     يأخذك كلّ ما تجدك فيه خارج الزمن الراهن إلا بعض معالم الحداثة: برّاد وفرن غاز وتلفون وخليوي وآلة ٱستنساخ وما يمتّ إلى الاستهلاكيّات. الباقي كلّه من غير هذا الزمن إلى ماض تحكيه بقايا، وهي عديدة، من أيام غابرة، وإلى الآتيات المحكيّة، أوّلاً، في وجه ماشا، ولهب نفسها في ما لله، مترجَمًا صلاة لا تتوقف وخدمة لا تكلّ وفرحًا لا يخبو؛ ثم في حضرةٍ حيّة للآتي المقيم ههنا في الإيقونة وقنديل الزيت والبروسفورا والماء المقدّس وعادات التقى والكلام السّاكن في الكتب والخارج إلى نفوس طافرة بالاسم المقدّس وهاجسِ الله، متداوَلاً بأصالة بين جدران الموضع وقلوب الهياكل اللحمية. أولى مطالعاتك أنّك في أرضٍ إما السّيّد الرّب حاضر فيها بكثافة وإمّا غائر في جبّ النسيان. عند الرّوس لا أنصاف حلول ولا شكليات إلهيّة!




  أوّل محطّة

القدّيس أندره روبليوف كان راهبًا في دير الثالوث القدّوس، وتتلمذ للقدّيس نيقون تلميذ القدّيس سيرجيوس رادونيج. وهناك رسم إيقونة الثالوث القدّوس

     أوّل محطة، بعد الإقامة، كان دير القدّيس أندره روبليوف. الكنيسة من الرّابع عشر. هنا كانت إيقونته للثالوث أوّلاً. اليوم أضحت في متحف شتاترياكوف ولمّا تعد. الدّير ذاته بارد وصار بلا حياة رهبانية، متحفًا. بعض الإيقونات المعروضة أصلي وأكثره مما نسخ طبق الأصل. موظّفات يُدرن المكان. وثمة طلابُ رسمٍ يستنسخون كجزء من عملهم الميداني. التقيت رومانيًا يستنسخ المنديليون، وجهًا رائعًا للسّيّد، ربما من زمن روبليوف. النّسخة تكاد تبدو طبق الأصل، متقنة. كان لنا حديث. أتصوم وتصلّي قبل أن ترسم؟ أتُعِدُ نفسَك؟ كلا! لِمَ؟ هذه نسخة! وماذا إذًا؟ أليست حضرةً السّيّد؟ الآلية في العمل والتقنيّة أكثر شيوعًا! قوّة الحياة الإلهية، في وجدان أكثر الرّسّامين، تَهِنُ! تنتابه مشاعر أن في طغيان الطابع الفنّي والدراسة شيئًا مريبًا! أخلاقية رسم الإيقونة، لا بل روحيتها، ضائعة في متّاهات الإنجازية! كأنما الإيقونة، بالأكثر، باقية في الممارسة شكل إيقونة، من الموهبة الطبيعية المصقولة، لا قبسٌ من نور يستقر في نفس تتنقّى، وينقدح لهبَ لواعج قلب ٱنلمس من فوق فتمثَّل فمثَّل!

السّيّد الرّب يسوع المسيح رسم القدّيس أندره روبليوف كما يُظن

     وعُدنا إلى المنزل ولمّا نكن على رضى. الطقس كان في حرارة العشرينات، مائلاً إلى الرّطوبة. أضعنا طريق العودة. مُرافقتُنا لم تكن على ألفة كافية بالباصات والطرقات. أجنبية تقيم هنا منذ بعض الوقت. كان قد قيل لنا أن نحذر النشّالين. لا أظنّ أن ما هو هنا غير ما هو في أكثر المدن الكبرى. مررنا بواحد نائم على مقعد في قارعة الطريق، من الّذين لا مأوى لهم. يبدو كأنّه سكّير. يغطّ في نوم عميق. الشمس اللادعة على وجهه، وتحت رأسه خبز في كيس من النايلون! النّاس، لا سيما في المدن، يعبرون بالنّاس، وقلما يكترثون! كلٌّ لحاله! أنت، في المدن الكبرى، لا تخشى النّاس وحسب، بل تخشى القانون إذا ما طلبت أن تكون إلى النّاس معينًا! يشتكون عليك معكِّرًا على الآخرين صفو سلامهم. وإذا ٱمتددت صوب أحد  مشلوحًا في الطريق فقد تتعرّض لمساءلة الشرطة!




  المحطّة الثانية

دير الثالوث القدّوس

     المحطّة الثانية كانت أبهج، تلامس عمق القلب. ٱحتشدت فيها بركات جمّة! دير اللافرا الكبير، دير الثالوث القدّوس، دير القدّيس سرجيوس رادونيج.

     ثمانون كيلومترًا إلى هناك. بدأنا بسير شبه خانق، ثم ٱنفرجنا. غابات الأشجار الباسقة تكاد لا تكون لها نهاية. سيّارات بكثرة. جلّها يابانيّ وكوري وأوروبي وقليلٌ أميركي! كأن لا صناعة سيّارات في روسيا موضع ثقة. موسكو، المدينة، ثلاثة عشر مليونًا، أو أكثر، سكانًا. شوارع عريضة، في إسفلتها، هنا وثمة، هنّات. أبنية، على ضخامة هائلة، تطالعك بهندسات تتراوح بين العريق من القرون الغابرة وأبنية الباطون المستطيلة، في العرض أحيانًا، وفي الارتفاع أخرى، كمن تحكي أو تحاكي سجونًا، لا وجه لها ولا خصوصية. كأن بانيها أراد من في داخلها قطعان غنم! ثم هناك أبنية ذات حركات هندسية بارعة، فيها الفن وفيها الذوق وفيها الخروج من سجن العمارة الممسوحة الّتي لا شكل لها ولا لون. المدينة، إثر تدحرج الثورة البولشفية وٱنهيارها، في الثمانينات من القرن العشرين، بدت كأنّها حضارة ورق ملوّن ٱسمرَّ وتفسّخ وٱنفرج عن فراغ كبير. الكثير من حضارة الاستهلاك الغربية سدّ فراغًا هنا. لذا تَلقى، في العاصمة الرّوسية، المستورَد متداخلاً والمحلّي الباهت. الكثير غير موفور. تتلمّس المدينةُ هُوِّيتَها بين مخلّفات الماضي وحضارة الاستهلاك الزاهية، ولكن الفارغة، مضمونًا... كأنّما معالم الحاضر الملفّق لمّا تَطَل شعب هذه البلاد، إلا هامشيًا، سوى القلة. كأنّ البلد في صدد البحث عن بطاقة هويّة جديدة!




  في اللافرا

إيقونة القدّيس سرجيوس رادونيج مع قطعة من رفاته

     كان لنا، في اللافرا، من أعاننا بلطف كبير. صبيّة، رسّامة، مرمِّمة إيقونات، ناتاشا. مسؤولة عن فتيات، أربعين، في قسم رسم الإيقونات. في الدير قسمان: واحد رهباني رجلي، والآخر دراسي مختلط. في الدير خمسائة راهب وعدد مماثل في الاسقيطات والمناسك والأديرة الأصغر التابعة. وفي الدّير أيضًا ثلاثة آلاف طالب لاهوت. بين هؤلاء تسعون في قسم الإيقونات. خمسون من الشبّان. وثمة أخصّائيون يعملون في قسم الترميم، بقابليات فائقة. أرونا مشاغل الإيقونات. فتيات وراهبات. تقنيّات فذّة. في مقسم الترميم أطلعونا على إيقونة لوالدة الإله، من الرّابع عشر، يُظنّ أنّها لأحد تلامذة روبليوف. مترًا وستين سنتمترًا بمتر وعشرين سنتمترًا تقريبًا. خارقة الجمال. كانت مغطّاة بطبقة غامقة. ٱستغرق العمل لترميمها سنتين. الآن باتت حاضرة لإعادتها إلى مكانها.

كنيسة الثالوث القدّوس حيث توجد رفات القدّيس سرجيوس رادونيج

     في اللافرا أنت في عقر دار الأرثوذكسية الرّوسيّة. مدينة كنسيّة صغيرة بكلّ معنى الكلمة. تحتاج إلى بضعة أيام لتستطلع المكان على سجيّتك. الكنائس، لا سيما كنيسة الثالوث، فيها من الجمالات الإلهية، ما يفوق التصوّر. الرّسوم الحائطية، الإيقونات، رفات القدّيسين، وفي مقدِّمتهم رفات القدّيس سرجيوس رادونيج، صاحب المقام. الجمالات هنا لا تتجلّى في الكنسيّات التراثية الّتي تطالعك حيثما ٱرتحل ناظراك، إلا متداخلةً وتقوى خلاّبةٍ تهزّك من الأعماق. ليس هنا سوّاح دهريّون. هنا حجّاج يأتون من كلّ مكان في سيل لا يتوقّف، وقلوبٍ طافرة بالوداد الإلهي، على أجلّ ما يكون الوداد. يحرِّكون فيك الوجع الداخلي، والخارجي أيضًا، مقرونًا بفرح لا يوصف. النّاس هنا يحكونك لهفهم إلى فوق بالوجه، بالعينين، بالكلمات الحلال، بذكر الاسم الحسن، برسم إشارة الصّليب على الرّوسيّة ليغطي كلّ الصّدر، من أقصى الكتف إلى أقصى الكتف الآخر مع أنحناءة أو ركعة أو سجدة، في أرتال تقف، ثم تتقدّم، ببطء، لتلثم، بخفر وحنان وٱمّحاء، إيقونة هنا، أو رفات قدّيس هناك. يحتشدون في كنيسة الثالوث كأنّه يوم الحشر، أطفالاً وشبّانًا وشابات ورجالاً ونساء ومسنّين ومخلّعين، والله أدرى بذوي الأمراض والعاهات وكلّ علة بينهم.

لا تلقى صبيّةً واحدة ولا ٱمرأة واحدة، داخل حرم الدير، إلا والمنديل يغطّي رأسها. طبعًا لهم أساليبهم في تغطية الرّأس؛ لكنّهنّ، في أكثرهنّ، لا يتركن إلا مقدّمة شعر الرّأس مكشوفة، إلى الوجه، وينزل المنديل إلى ما تحت الشعر، من الخلف، لينعقد بعد أن يكون قد غطّى كلّ الشعر. هذا تلاحظه عند الكثيرات، حتّى في بعض الشوارع، فتقدّر أنّهنّ مؤمنات. وتلك الفتيات الصّغيرات، بدءًا من سن الثانية، يحرصن، هن وأمّهاتهن، على الاقتداء بالكبيرات، في تغطية الرّأس. ثمة بديهيات سلوكية تلحظها لا حاجة لأحد أن يقول، بشأنها، لأحد شيئًا. قد يلفتك أنّ اللباس كلّه محتشم داخل الكنيسة، هنا أو هناك. وإذا ما كانت كتفا فتاة صغيرة مكشوفتين فقد تغطّيها لها أمّها. في كلّ حال، ولو لاحظ المرء أنّ الرّوسيات، بعامة، حُرّات في اللباس فلا غواية لديهن تلفتك، فثمة تخطّ واضح للجسديّات لدى أكثرهن.

إيقونة جامعة للقدّيس سرجيوس مع والديه القدّيسين كيرللس وماريا ضريح القدّيس سرجيوس رادونيج

     في الطريق إلى دير الثالوث مررنا بكنيسة أُقيمت في الموضع الّذي نشأ فيه القدّيس سرجيوس طفلاً. كذلك عبرنا بدير للرّاهبات فيه رفات والدي القدّيس سرجيوس، كيرللس وماريا، وقد تقدّسا!



  المزيد عن اللافرا

     حيثما حللت تلقى التقى مرتبطة لا بالمكان بالضرورة بل بما ٱستقرّ في وجدان الشعب الرّوسي. هذا شعب عابد بٱمتياز! قوة الرّوح الّذي ٱنبثّ في كيان الشعب الرّوسي، جيلاً بعد جيل، لا سيما بتأثير القدّيسين الكبار، كِبْرَ البلاد الرّوسية، أقول قوة الرّوح هذا أقوى قوةً من كلّ الزوابع الّتي هبّت، بما فيها الزمن البولشفي. فكان أن تكسّرت الزوابع وما تكسّرت سفينة الكنيسة هناك! يا رب، بارك!

دير الثالوث القدّوس لافرا القدّيس سرجيوس رادونيج

     في كلّ مكان، لا سيما في دير اللافرا، لاحظنا يُسْرَ ٱقتحام النّاس للكاهن سؤلاً للبركة. يطالعونك بوجوه مشرقة، والكفّ اليمين فوق اليسار. بارك! بٱسم الرّب بارك! والأطفال يتراكضون بدورهم للتبرّك وكأنّ البركة في التنشئة التماسُ المنى! إن أنسى لا أنسى طفلاً، ربما في الرّابعة، ركض باتجاهي وجعل يديه كما علّمته أمُّه الوقفة من بعيد. بارك! ورأسه تحت يدي. وقال، بالرّوسية، ما لم أفهمه كلمات، بل حركةُ التماسٍ للبركة. ثم ٱنصرف بسرعة جذلاً، وأثنت عليه أمّه. كان يركض ويلعب البركات. يشرب من ماء البركة، في ساحة المكان، كما الكثيرون كانوا يفعلون، ثم يركض في هذا الاتجاه وذاك، كمن يبحث عن بركات أخرى. ثم عاد إليّ وقد حمّلته أمّه ورقة عليها أسماء سأل أن تُذكَر، أحياء وأمواتًا. ثم ٱنصرف من جديد إلى أمّه في غمرة الفرح والغبطة، وما كفَّ عن النّطّ واللعب والرّكض جيئة وذهابًا، حتى توارى عن النّظر أو توارينا...

صورة من عيد القيامة المجيدة في دير اللافرا

     في أكثر من موضع أُدخلنا إليه للسّجود والتبرّك لاحظ بعضنا رائحة الطيب تفوح من رفات بعض القدّيسين. أخصّ بالذكر هنا القدّيسين سرجيوس نفسه وتلميذه نيقون.

     أُخذنا، فيما أخذنا إليه، إلى ما يشبه متحف مدرسة اللاهوت. هناك جُمعت إيقونات هائلة في قيمتها الكنسيّة وعددها. بحر من الإيقونات! وهناك أيضًا كلّ أنواع الكنسيّات من أوان كنسيّة وحفريات خشبية وملابس أسقفية وما إلى ذلك.

المائدة مع كنيسة القدّيس سرجيوس رادونيج

     أطعمونا طعام الجسد بضيافة أخّاذة، بعدما أتخمونا بركات من روحية المكان وهدايا. أخرجونا، عمليًا، من الزمان والمكان الأفقيّين وأدخلونا البعد العمودي لحضرة الله. لا شك، كما قال ترتوليانوس المعلّم، إنّ دماء الشهداء بذار الكنيسة. هذه كنيسة حيّةٌ كانت، أبدًا، حيّةً، ولكن خَفَتَ فيها نبضُ الحياة في أوقات، فشاء الرّب الإله، بشهادة الآباء الرّوسيّين، من منتصف التاسع العشر إلى أوائل العشرينات، أن يجعل نار روح الرّب فيها تَتّقد، فقيّدها بقيود مصر وبابل، وألقاها في العبودية لِعَين روح الغريب، الفاعل، مناهِضًا لروح الرّب، منذ القديم. ملأ مخازنَها قداسة وقدّيسين. ولما حان زمان ٱفتقادها أطاح العليّ قيود المستعبِد، وأطلق روسيا في سماوات حريّة الرّوح، فصار الشعب إلى العبادة والتقى أكثر مما كان، لتكون روسيا موطنًا جميلاً لروح الرّب في قلوب النّاس فيها، ولتكون لغير أمكنة الأرثوذكسية مثالاً يُحتذى، ولسائر العالم شهادةً. ولكي يحفظ الرّب الإله في هذا الشعب عطاياه منحه سياج الفقر حافظًا من نواهش الدّهريّة المعاصرة. هذا شعب أكثرُه فقير، فيما يبدو، فيما لهذا الدهر، ولكنّه على غنى في الرّوح عظيم! هذه حكمة الله. تمجّد ٱسمه!




  المحطة الثالثة

مدخل دير ديفييفو

     المحطة الثالثة كانت ديفييفو حيث عبقُ القدّيس سيرافيم ساروفسكي فوّاحٌ في كلّ مكان. القدّيس سيرافيم، رفاتٍ، نقله الشيوعيون من هنا في العشرينات، من القرن العشرين وخُرِّب المكان برّمته، بعدما شُرِّدت الرّاهبات حتّى لا تبقى لهن قائمة. الرّفات نُقلت من مكان إلى آخر، عبورًا بموسكو فإلى ليننغراد (بطرسبرج). كانت، بدءًا، في متحفٍ للملحدين، ما لبث أن أُغلق، وضاع، عمليًا، مكان وجود الرّفات. في حوالي العام 1990، بالصّدفة، أو الأصحّ بنعمة الله، فُتِحَ كيسٌ كانت محفوظةً فيه عظامُ القدّيس سيرافيم. وكانت الشيوعية قد ٱنهارت – فإذا بمن فتح الكيس يكتشف أنّها رفات القدّيس سيرافيم ! كيف تمّ التعرّف إليه؟ حول عظم رسغه كانت كتابة: يا قدّيس الله سيرافيم تشفّع فينا! نُقلت الرّفات بعربة إلى ديفييفو. وكانت العربة تتوقف في العديد من المدن والبلدات والقرى، في الطريق، لتُنقل، على الأكف والأكتاف، إلى الكنيسة المحليّة، ويقام القدّاس الإلهي، وهي في الوسط. الجسد منحلٌ لكنّ العظام باقية!

     وأُعيد بناء الدّير وترميم ما تخرّب منه! حاليًا كلّه جمال، وسط حدائق زهرية وأشجار مثمرة غنّاء. منذ عشرين سنة عادت الرّهبنة النّسائية لتتكوّن. كنّ عشرة، في العدد، واليوم بلغن الخمسمائة، نصفهن في الدّير، ونصفهن في الإسقيطات التابعة للدير.

دير ديفييفو

     كما في مقام القدّيس سيرجيوس، النّاس يتقاطرون على المكان من كلّ حدب وصوب. في القدّاس الإلهي، الّذي حضرنا، في كنيسة التجلّي، ساهمنا القدسات، وبقي ثلاثة كهنة يخدمون الكأس أكثر من ساعة. المتناولون تخطّوا الألف. القدّاس الإلهي كان في حدود السّابعة والنّصف صباحًا. الخدمة كانت قد بدأت في الخامسة والنّصف في كنيسة الثالوث القدّوس، حيث رفات القدّيس سيرافيم، بالمولييبان الجنائزية والمديح للقدّيس. عشر كهنة خدموا إضافة إلى الموكَل بالخدمة.

إيقونة القدّيس سيرافيم مع قطعة من رفاته

ثم فُتح صندوق الرّفات وأخذ النّاس يتقاطرون في أرتال للسّجود والتقبيل والتبرّك. بعضٌ من جمجمته كان مكشوفًا والباقي مغطّى. إلى هنا، أيضًا، يؤتى بالمرضى والمعاقين. ولدان لفتاني، بخاصة، طفلة مشلولة في الثالثة شدّتها أمّها إلى صدرها وأدنتها من الرّفات، وآخر، صبي، ربما، في الثانية عشرة، حالته تخلُّف، أو ربما بعض مسٍّ شيطاني. يأتون بأدوائهم كما إلى مشفى. إلى من يذهب المسكين والفقير، اللهمّ، إلا إليك؟! أكثر من مشهد مؤثّر والنّاس في تقى وٱنكسار كبيرين!

     في الدّير عادةٌ تُتَعاطى منذ أيام القدّيس سيرافيم. يخرجون كلّ مساء في مسير، ثلاثة أرباع الكيلومتر؛ الرّاهبات والشعب المؤمن، حول الدّير، وهم يصلّون:  ٱفرحي يا والدة الإله العذراء، مريم، يا ممتلئة نعمة، الرّب معك، مباركة أنت في النّساء ومبارك ثمر بطنك، لأنّك ولدت مخلِّص نفوسنا. يرتلّونها بلا توقف حتّى يبلغوا نهاية الزيّاح!




  المزيد عن ديفييفو

     جماعات الحجّاج يتدفّقون وكهنتهم معهم، وهم، بالأكثر، ينزلون في مضافات الدير. العاملات أكثرهن متطوّعات. وبعضهنّ يتهيأن للإنضمام إلى الرّهبنة القائمة.

كنيسة الثالوث القدّوس حيث توجد رفات القدّيس سيرافيم ساروفسكي ضريح القدّيس سيرافيم ساروفسكي

     بعد الظهر، مررنا بمبنى كنيسة من طابقين فيه رفات قدّيسات متبالهات. حنة ومطرونة (14 آذار) وأفروسيني (5 تشرين الثاني).  وفيه أيضًا رفات القدّيسة هيلانة منتوروف الّتي ماتت عن أخيها بناءً لطلب القدّيس سيرافيم، كما ورد في سيرته. وعلى سيرة المتبالهات، تمرّ بقوم تَلقى فيهم المستغربَ، ولا تدري ما هم عليه في حقيقة أمرهم. سيِّدة فقيرة المظهر، حليقة الرّأس، دنت من أحدنا، كما لو كانت خارج عقلها، وأعطته قربانةَ بروسفورا، وقالت له، كما في سرّها: أنا مثل كسينيا بطرسبرج! ثم ٱنصرفت وهي تُحدث أصواتًا غير عادية، وبدت كأنّها ترقص! وآخر بلباس راهب أو كاهن ملتحٍ، كان يعرج، متّكئًا تحت إبطه الأيسر على عكّاز، ويمسك بيمينه عكازًا لمّاعًا لأسقف(!) لم أعلم ماذا قال. لكنّه بدا كأنّه يستعطي. التباله عند الرّوس شاع. لِم؟ لست أدري! لكنّه جذّاب بصورة لافتة، في كلّ حال، بينهم!

الكنيسة حيث وضعت رفات القدّيسات المتبالهات

     وزرنا، فيما زرنا، المغطس، أو نبعة القدّيس سيرافيم، على بعد ربع ساعة بالسّيارة من الدّير. كتلة مائية، كأنّها مسبح كبير. يأتونها ليغطسوا فيها، هم وأولادهم. الشبّان والشابات، الصّغار والمسنّون. هناك بعض أكواخ يدخلونها ليغيِّروا ملابسهم بأثواب بيضاء، والبعض ينزل في الماء كما في المسابح. للماء في وجدان النّاس، في هذا الموضع، قوة تنقية داخلية وشفاء بِبَركة القدّيس سيرافيم. يقفون في الماء ويرسمون على أنفسهم إشارة الصّليب ثلاثًا، على الرّوسية طبعًا؛ يغطسون ثلاثًا، كما على ٱسم الآب والابن والرّوح القدس. البعض يسبحون قليلاً بعدما يصلّبون. والأطفال يُنْزلونهم بالكامل أو يغسلون رؤوسهم. والمسنّون أيضًا ينزلون. المشهد ٱمتداد صلاة. تقليد قديم. في الزمن الشيوعي كان محظَّرًا الاقتراب من المكان. رغم ذلك، كان النّاس يذهبون بٱدّعاء السّياحة، أو كانوا يختبئون عن عيون عمّال الدولة. فمتى رحلوا، كان النّاس يدنون من المياه حاملين الشموع المضاءة  ليغتسلوا ويسألوا البركة والشفاء!

نبعة القدّيس سيرافيم ساروفسكي

     كذلك عرّجنا على بيت أبٍ روحي يعيش قريبًا من الدير، فقيرًا، يهتمّ ببعض راهبات في بيت مجاور، ٱسمه جورج. العديدون يأتون إليه ويتقبّل ٱعترافاتهم. دارسٌ يغوص في ٱستطلاع أرشيف القدّيس سيرافيم. أصدر أقلّه كتابين. يدقق في النّصوص. يقول إنّ ثمة تحويرًا، هنا وثمة، في ما كُتب ويُكتب عن القدّيس سيرافيم. آخر منشوراته كتاب عنه صدر خلال العام 2011. هذا قدّم لنا نسخة منه. وكذلك نسخة من كتاب آخر يتضمن رسائل نيقولا موتوفيلوف. سألتْ إحداهن: كيف نتأكّد أنّ خبرة موتوفيلوف صحيحة؟ هو تكلّم عليها بنفسه! ما الدليل؟ رسائله! لدينا رسائله بخط يده! وأرانا الأب جورج نسخة من صفحة خطّها موتوفيلوف بيده!




  العودة إلى موسكو

     بقينا في ديفييفو يومين، ثم عدنا.  

     الطريق البريّة إلى موسكو ٱستغرقت ساعات. عرّجنا على مدينة ٱسمها موروم، بعض آثارها وقدّيسيها من القرن التاسع والعاشر الميلاديين. توقفنا عند ديرين متجاورين، أحدهما للرجال، بٱسم البشارة؛ والآخر للنساء، بٱسم الثالوث القدّوس. تبرّكنا من رفات ثلاثة قدّيسين عملوا على هداية شعب موروم، أمير ٱسمه قسطنطين وولداه. في كنيسة دير الرّجال إيقونة عجائبية جميلة جدًا لوالدة الإله. دير الرّهبان أعرق ولكن دير الرّاهبات أكثر ترتيبًا. بعض الحجاج يتوقفّون هناك، ولكن بأعداد متواضعة قياسًا بدير ديفييفو.

     أدركنا، فيما بعد، أنّ السّفر بالبر ليس أفضل خيار. الوقت الّذي يستغرقه أطول. الطرقات غير معبّدة جيِّدًا في قسم لا بأس به منها. ثمة خطر في السّفر برًّا لأنّك تسير طويلاً على درب لا فاصل فيها بين خطّي السّير في الاتّجاهين. ثم لا تسهيلات كافية على طول الطريق، والمسافة خمسمائة كيلومتر. الخيار الّذي كان يمكن أن يكون الأفضل هو السّفر بالقطار الإكسبرس، درجة أولى. يستغرق وقتًا أقصر. مريح. لا خطر فيه. بإمكان المرء أن ينام في المقصورة على سرير. والكلفة أقلّ!




  في اليوم التالي

     في اليوم التالي، السّبت 2 تموز، أردنا أن نذهب بالميترو لزيارة بعض المواقع الهامة في موسكو. لاحظنا، في المحطة، بقرب المكان الّذي تُشْرى منه البطاقات، في كيوسك عادي، أنّ ثمة كتبًا كنسيّة تُباع. وٱنتبهت، فجأة، أنّه كان، في واجهة المحلّ، كتابان عن القدّيس شربل اللبناني بالرّوسية. عرفتهما من صورة الغلاف. شيء جميل، أولاً، أن تطالعك كتب كنسيّة، في المحال العادية، في وسط المدينة، وثانيًا أن تكون سيرة القدّيس شربل العطرة قد نُقلت إلى الرّوسية وباتت في متناول العامة، في مدينة موسكو.

كنيسة دير القدّيستين مرتا ومريم تمثال القدّيسة إليزابيت
القدّيسة الدوقة إليزابيت (5 تموز)

     زرنا، اليوم، دير القدّيستين مريم ومرتا الّذي سبق أن ٱشترته القدّيسة الدوقة إليزابيت بعد مقتل زوجها سيرج، حاكم موسكو، غِيلة، عام 1905. فيه ترهّبت القدّيسة وأنشأت أخويّة لخدمة المرضى والجنود الجرحى، إلى أن جرت تصفيتها بيد البولشفيّين. في المكان، الرهبنة المرتكزة على خدمة الحاجات الإنسانية لا زالت قائمة. أرونا المبنى الّذي يستقبل الأطفال المعاقين، ويُهتم بأمرهم بالمجّان. كما أرونا الموضع الّذي كان يجري فيه دفن الجنود الجرحى الّذين يموتون. الموضع كلّه تعرّض للتخريب بيد الشيوعيّين وأُعيد إصلاحه، بدءًا من أواخر الثمانينات من القرن العشرين. كنيسة جميلة. أبنية مرتّبة. حدائق غنّاءة. تمثال للقدّيسة إليزابيت، في الخارج، في الحديقة، مرمري، أبيض. على الجدران، جدران الكنيسة، من الخارج، منحوتات حجرية للمصلوب أو لوالدة الإله، أو مزخرف، على نمط بعض الكنائس، في البلاد السّورية، زمن القرنين الخامس السّادس. رفات القدّيسة إليزابيت ليست هنا. هي في دير روسي في فلسطين. المكان يتردّد عليه العديدون، لا سيما الفتيات والمصلّون والمتبرّكون.

متحف شتاترياكوف

     وزرنا، اليوم، أيضًا، متحف شتاترياكوف، قسم الإيقونات القدّيمة. كلّ الموجود قطع أصيلة. الرّوس يأتون بصغارهم أيضًا لزيارة المكان. زوّار عديدون من بلدان مختلفة. إيقونات خلاّبة لا يسعك إلا أن ترسم إشارة الصّليب على نفسك بإزائها ولا من يعترضك. إيقونات من الحادي عشر حتّى التاسع عشر، من كلّ المدارس والأنحاء الرّوسية. أعظمهن وآلفهنّ إليك إيقونة ثالوث روبليوف ووجه السّيّد لأحد تلاميذه. إيقونة سيدة فلاديمير جُعلت في كنيسة تابعة للمتحف، بمحازاته. يسجد النّاس أمامها ويتبرّكون. كلّ روسيا، تاريخ الإيقونة، جُمعت في هذا الموضع. جمالات سمائية خلاّبة في نفوس ناهدة إلى ربّها ٱنسكبت في خطوط وألوان تحكي هواجس القدّاسة في قلوب ٱنلمست بالألطاف والمودّات الإلهية. ولو أَسموا القسم الّذي جعولها فيه، في المتحف، جناح الفن الكنسي الرّوسي القديم، فثمة من يعلمون ما لا يعلمه سواهم أنّ هذه زاويةُ الحيّ إلى الأبد، الّذي سرّ أن يقيم في النّاس وسُرَّ النّاس أن ينطقوا حضوره رسمًا!

     بعد متحف شتاترياكوف، توجّهنا إلى مدرسة اللاهوت، في إطار الجامعة المسمّاة بٱسم القدّيس تيخون. تناولنا هناك طعام الغداء، في قاعة عُلِّقت فيها صور من خدموا المكان وبعضهم ٱستُشهد وتقدّس. لا تفتح فاك، في روسيا، سائلاً إلا يطالعك الكلام على الشهداء والمعترفين الجدد. يبدو أنّك قلما تجد، في هذه الديار، من ليس له في سلالته، صعودًا، معترفًا أو شاهدًا، أو معترفين وشهداء. في غرفة الطعام التقينا الأب أوليغ، دارس النّصوص القديمة وناقلها من العربيّة والإثيوبية. يعرف أقله سبع لغات. حييّ، متواضع. سألناه في إمكان عمل مشترك وإيانا لِنَقْل ونشر بعض النّصوص الرّوسية إلى العربية وبالعكس. ليس هذا مجال اهتمامه وتدريسه. دلّنا ووعدنا بسؤال شخص يعرفه ٱسمه جبر أبو جبر، من أبناء الكنيسة، يتعاطى الترجمة.

     عرّجنا، في المكان، على بيت المعمودية للكبار. مظهره من الخارج كمظهر أحد البيوت، تمويهًا، في الزمن الشيوعي. الموضع كنيسة، وحفرة المعمودية مصلّبة يُنزَل إلى أرضيتها بدرج، في وسط الكنيسة. وأمامها إيقونسطاس بديع. بعدما أخذت الشيوعية تنحلّ، أَخذ ما لا يقل عن مئة راشد يأتون، يوميًا، إلى المكان، ليعتمدوا.

بيت المعمودية للكبار من الدّاخل

     ثم، إذ كان سبت، والخدمة للأحد، كما عند الرّوس، الغربنية، أو السّهرانة Vigil، أي جمع الغروب إلى السّحر، دخلنا كنيسة التجلّي. حسبت أن لا قوم حاضرين، فإذا بي أكتشف المكان مزدحمًا، والموضع فسيح. من أين قدموا؟ يأتون بخفر ويقف كلٌّ حيثما تيسّر. لا صوت، لا حركة. الانتباه إلى الخدمة والقلوب إلى فوق. آداب المسلك العبادي مؤشّر حضرة إلهيّة أنت إليها بحرص ووقار، صغارًا، كبارًا، رجالاً، نساء. وقفتني في المقدّمة إذ دخلتُ من الباب الجانبي، فجاءني كاهن ورع وأدخلني، بإشارة، إلى الهيكل، حيث ينبغي، أصولاً، أن يكون الكهنة. لاحظت، بعدما وجدتني أكثر من مرة في الهيكل، أثناء خدمة السّهرانة، أنّ العادة هي أن تُعَدَّ الذكرانة، من قِبَل من حضر من الكهنة، للقدّاس الإلهي، مساءً.

القرابين (البروسفورا) الرّوسية

البروسفورا، أي القرابين الرّوسية، لذكر المؤمنين والمؤمنات، صغيرة نسبيًا، ملء ثلاث أصابع، بعجينتين، الواحدة أصغر من الأخرى، ملتصقتين، وعلى العليا منها إشارة صليب. أما الذكر فلا يكون حكَّا بل نقرٌ، نقرةً لكلّ ٱسم، حيًّا أو راقدًا؛ والأجزاء تؤخذ من الجانب الدائري، في نقرات صغيرة. يأتون بالبروسفورا بالمئات في أكياس كأكياس الجنفيص. يستعملون الحربة القصيرة اليد، ذات النّصل الحاد والرّأس الخرّاق القصير المدى. وما دام الكلام على بعض ما يجري في الهيكل فحريّ الذكر أنّ الرّوس يستعملون إلى الحربة القصيرة حربةً أخرى كبيرة لقطع الحمل من بروسفورا كبيرة خاصة. ثلاثة أحجام بروسفورا يستعملون: الصّغير لذكر الأحياء والأموات، والوسط لذكر الطغمات التسع، والكبير لاستخراج الحمل. إلى ذلك، عندما تحين لحظة مساهمة الكهنة القدسات يُقطَع الجزء الخاص بهم في طارة خشبية منحنية الجانب إلا فتحة لتُخرَج منها الأجزاء، متى قطِّعت، لمساهمة المؤمنين. ومتى نُظِّفت الطارة في دقة متناهية، غطّوها بغطاء خشبي خاص، وأُدخلت الحربة الكبيرة في الفتحة، ووُضع الكلّ جانبًا. إلى ذلك، يجعل الرّوس إلى يمين المائدة، عليها، وإلى يسارها، صليبين معدنيّين، أو واحدًا معدنيًا والآخر خشبيًا محفورًا، كلاً على القماشة الحمراء المسمّاة بـ"الكلمة".




  الأحد الثالث من تموز

صورة عن كنيسة التجلي من القرن 19

     الأحد، الثالث من تموز الجاري، توجّهنا إلى كنيسة أخرى بٱسم التجلّي للاشتراك في القدّاس الإلهي. يبدأون بالسّاعات. في هذه الأثناء، من رغب من الكهنة، المشتركين بالخدمة أو الحاضرين، في ذكر المزيد من الأحياء والرّاقدين تسنّى له ذلك. الكاهن ٱسمه نيقولاوس، في السّبعينات. ٱبن له، سيرافيم، كاهن، وٱبنة له رسّامة إيقونات ومرمِّمة وقائدة الجوقة. عائلة ممتازة. الأب نيقولاوس أبوي، لطيف، ناضج، مصلّ، متواضع القلب، هادئ، فَرِح، منتبه للجميع، خفر. كاهن منذ العام 1990. آخر كاهن قبله رقد سنة 1937، بالرّب. ٱسمه فلاديمير. معترف، كان يقيم الخدمة الإلهية. جاء الشيوعيون لضرب الكنيسة. وقف، في الباب الملوكي، ورفع ذراعيه وصلّى لوالدة الإله كَمَنْ يُسلم الأمانة. لم يُطِق ٱحتمالاً. خار قلبه. وقع صريعًا عند الباب الملوكي. أفسد البولشفيون الكنيسة. أزالوا قبّتها. جعلوها لاستعمال العامة. حوّلوا الهيكل المقدّس إلى مرحاض، بابه الباب الملوكي! الأب نيقولاوس وولداه اشتغلوا في إصلاح الكنيسة وترميمها، وٱبنته رسمت العديد من الإيقونات. أُعيد تكريسها. غيمة سوداء جثمت طويلاً ثم ٱرتحلت، غيمة صيف، كأنّها لم تكن. "رأيت الشرير معتزًّا متشامخًا مثل أرز لبنان. ثم ٱجتزت فلم يكن ولم يوجد له مكان"!

الأب المعترف فلاديمير

     قوم الرّعية بديعون. الموضع بما فيه ومن فيه ملؤه إرث قداسة راسخ. آلام أرضية ورجاءات سمائية. عيون مجروحة وأفئدة تفيض بِشْرًا في وجوه بَهجة، وأيدٍ ممتدّة في خدمة ألطاف. يتحرّكون بخفّة وصحو وفاعلية. يُقبلون ويُدبرون كمن لا ثقْلَ نوعيًا لهم. لا يستبينون ولا يطلبون أن يستبينوا!

     في الخدمة الإلهية، كانوا يقفون برسوخ، وعيونهم مشدودة إلى الآتي في جيئات من الهيكل ومذاهب، في قوله (قول الآتي) وفي صمته. هؤلاء قوم لا يسعك بإزائهم إلا أن تعاين، في الليتورجيا الّتي يعشقون، حياة إلهية ومصدر حياة. الكلّ إلى الليتورجيا، والكلّ فيها، ومنها. عابدًا الإنسان كائن. هذا طالما سمعتَه. هنا، وفي أمثال ما هنا، تلقاه حيًّا وجسدًا.

     وقفتُ في الهيكل حيث يليق. رغب إليّ الأب نيقولاوس شريكًا في الخدمة، وأعدّ تاجًا بلا صليب. هكذا من يكون متقدِّمًا في الخدمة عندهم. ٱعتذرتُ وشكرت. الهيكل في الكنيسة، هذه الّتي كنا فيها، ربما بعض الأمور في غير موضعها، لكن الكلّ في سير الخدمة حيث ينبغي، بدقة وسلاسة أخّاذتين. الحرص في التيبيكون يقترن لا بشكلية خارجية، بل بإداء لا هنّة فيه يَجعل ما يُتَّبع مركبةً، كمركبة إيليا النّارية، إلى فوق. يؤخذون ويُتّخذون. الفقراء إلى ربّهم، المُمّحون، يعطونك أن تسافر في عيونهم ووجوههم وحركاتهم وٱنخطافهم إلى المراقي العلوية. يؤهّلونك لأن ترى فيهم، ومن خلالهم، ما لا يُرى. لا تبقى، إذ ذاك، في مستوى المنظورات، بل تطير إلى حيث يشتهي الملائكة أن يكونوا!

     مساهمة القدسات، في الهيكل، تكون، لمن ليس مشتركًا في الخدمة، من الكهنة، بلبس البطرشيل والأكمام والأفلونية. وإذ يدنو الكهنة من الصّينية المقدّسة، يجعلون في أكفّهم، قطعة من الحمل، ثم يدنون من الكاهن المناوب ويتبادلون وإيّاه قبلة المحبة. ثم يذهب كلّ إلى موضعه عن يمين المائدة المقدسة، أو يسارها، وفق تقدّمه. وإذ يستمسح كلٌّ الجميع يساهم الجسد. ثم بعد ذلك تكون مساهمة الكأس المقدّسة.

الأب تيخون

     بعد القدّاس الإلهيّ التقينا في قاعة مستحدثة تحت الأرض، تناولنا فيها طعام الغداء وتبادلنا الكلمات والهدايا. سألْنا عن خورية الأب نيقولاوس. رقدت، في التاسعة والسّبعين، منذ سنوات قليلة. والدها، تيخون، كان أبًا روحيُا في دير القدّيس سرجيوس. أصرّ على لبس الغمباز. هذا تَشدَّد الشيوعيّون في منعه. لمّا يبالِ. ضربوه من الخلف على رقبته بآلة حادة، لكنّه لم يمت. جعلوه، من حيث لا يدرون، معترفًا. كانت فيه جرأة الكبار في الرّوح. وشُهد له أنّ الملائكة كانت تشترك في خدمة القدّاس الإلهي معه!

     وكما أوردنا سابقًا، لا تسأل أحدًا إلا تكتشف أنّه من سلالة شاهد أو معترف. أفجيني، سائق السّيارة، مرافقنا، أخبرنا أنّ أب جدّه كان شهيدًا. قُتل في زمن ستالين. وفيما كان، مرة، يسوق بنا، عبرنا بكنيسة المخلّص. هذه زرناها. لكنّه قال لنا عنها إنّ الشيوعيّين هدموها وحوّلوا أرضيتها إلى مسبح عام. قال الكهنة للمؤمنين: إيّاكم أن تسبحوا في المكان! من استخفّوا بالنّصيحة وخالفوا رقد بعضهم!

     بعد كنيسة الأب نيقولاوس، اتّجهنا إلى كنيسة القدّيس ألكسيوس، رجل الله، حيث مسجًّى جسد القدّيس ألكسي ميشيف، الرّاعي الأمين، الّذي قضى وٱبنه سيرج شهيدين بيد الشيوعيّين. كانوا يرومون الفتك بالكنيسة فزادوها، من حيث لا يدرون، ٱنتعاشًا في الرّوح. هذا ما حفظ روسيا الكنيسة وجعلها، اليوم، المخزن الأكبر للتقى وعجائب حضرة الله بين بني البشر!

     لا يحسبنّ أحد أن وجه الكنيسة هو الطاغي في روسيا. كلا، ثمة هامشيّون ولا مبالون ومعادون كثر. عملُ بشارة كبير ينتظر هناك. فقط القول إنّ المؤمنين على عمق وغيرة وشفافية وصدق كبير. حيث الدهرية ميسَّرة ومشجّع عليها، لا يسع الإيمان في الأكباد إلا أن يكون أصيلاً وشفّافًا!




  الإثنين، 4 تموز

دير أوبتينا بوستين

     ثم كان يوم الإثنينن الرّابع من تموز. ارتحلنا إلى أوبتينا بوستين. المسافة مئتان وخمسون كيلومترًا. الاتجاه الجنوب الغرب، فيما كان الاتجاه إلى ديفييفو شرقًا. الرّحلة مريحة قياسًا بسابقتها. القرى على مظهر أقل فقرًا من تلك. بعض المطر على حرارة دافئة. تسهيلات الطريق أكثر توفّرًا.

الطفل فلاديمير

     توقّفنا في كالوغا، على ستين كيلومترًا من الدير. وُجهتنا كاهن ساهم في ترتيب رحلتنا إلى هناك. ٱسمه سيرج. أحد كهنة كالوغا الستة العشر. يقيم خارج المدينة. متزوِّج وله خمسة أولاد. في الأربعينات. طيِّب جدًا. أحواله المعيشية صعبة. الطريق إلى داره مبحصة. لا يعبّدون، هنا، الطرق الداخلية في الضواحي والقرى. يزرعون ويأكلون. ما يحصِّلونه لا يبدو أنّه يكفيهم. مرتل جيِّد وقائد جوقة. أولاد فرحون. تربيتهم هادئة. يحبّون الحركة واللعب. الأب ممتلئ تعبًا، والأم حاضنة، دجاجة، على جرح في العين، ضيقًا. قيل لنا: الأمّهات لطيفات، رفيقات بأولادهن، حنونات بالفطرة! قطعوا من زادهم ليطعمونا من طعامهم غداء طيِّبًا. على طول الرحلة، منذ أن بدأنا، لم يسعنا إلا أن نهتم، بالأكثر، بمن التقيناهم على عوز، وهم كثر. أكلنا في الحديقة إلى مقاعد وطاولة من صنع الأب، فيما الأخضر يملأ العين في المدى؛ والأولاد، بقاماتهم الرّقيقة السّاعقة، يساعدون أو يركضون أو يلعبون. فلاديمير، الحادية عشرة، يُلقي بنفسه على الأرض، وبحذائه يمينًا ويسارًا، ويُطلق العنان لرجليه تناطحان الهواء، وهو ينظر إلينا، كما ليلفتنا، وكلّه دفق طاقة. يأخذ الكاميرا ليختلس الصّور، منبطحًا، أو متمثِّلاً وضعياتٍ غريبة كأنّما شاء محاكاة ما ربما شاهده على الشاشة الصّغيرة. التلفزيون والصّحن الهوائي والحاسوب كأنّها أوّلية في بيت متواضع الأثاث! قرابة السّاعة والنّصف قضيناها في بهجة وغصّة! وتابعنا طريقنا بمعية الأب سيرج دليلاً!




  دير أوبتينا

دير أوبتينا

     بلغنا دير أوبتينا، دير الأربعة العشر أبًا ممن ثبّتوا الإيمان الأرثوذكسي في روسيا، لا سيما في التاسع عشر ومطلع العشرين. حاليًا، دير للرّهبان. عددهم مائة وأربعون. وفيه إسقيطان ومناسك. الحرارة هنا تصل إلى الثلاثين تحت الصّفر شتاء. رهبان صِلاب على رقة! الأب الشمّاس سمعان تولاّنا بلطف. ورشة العمل جارية على قدم وساق. بالمقارنة مع ديري القدّيس سرجيوس وديفييفو، الدّير، هنا، أبسط، على عمق في السّيرة ورقّة في التعامل.

     اشتركنا في القدّاس الإلهي. قوم دافئون. يستمددون من الليتورجيا قصة حياتهم الأسرارية. الزمن عندهم صوم الرّسل. يمتدّون، بعدنا، ثلاثة عشر يومًا. لذا طعامهم بسيط. رائحة السّمك، على أنواعه، وطعم السّمك في كلّ وجبة. أكثر ما تحسّ به عند الرّهبان هاجس تعميق الحياة الرّوحية. التراث الحي، متى ٱنوجد، يشيع مناخًا إلهيًا يبعث على الغوص في الأعماق. في الأديرة الأخرى، هجمة النّاس طاغية. هنا النّاس أقلّ، ونفحة الرّوح أقوى!

الأربعة العشر أبًا الّذين ثبّتوا الإيمان الأرثوذكسي في روسيا مع قطعٍ من رفاتهم

     زرنا إسقيط القدّيس يوحنّا المعمدان. خمسة عشر راهبًا. الأب تيخون، الرّئيس، على هاجس روحي فذّ. وقفنا أمام جناح يجري ترميمه. ما هذا؟ هنا نَسَك القدّيس أمبروسيوس وسواه. إلى هنا كان يأتي دوستويفسكي وغوغول وطولستوي وسواهم مسترشدين معترفين. المكان صلاة. الكنائس توحي. فيها حياة وتوق إلى فوق. أسئلة طرحوها. يريدون أن يتعلّموا رغم كونهم أصلح على التعليم. تواضع ولطف ورقة. أكثر من ساعة امضيناها ونحن نمشي بتؤدة، ندخل الكنائس ونخرج منها. بنّاؤون، مرمّمون رسّامو إيقونات يعملون. السّماء تندى. السّيّد هاجس الهواجس هنا. الأرثوذكسية الحيّة تطالعك، في الموضع، حيّة. نضج في الحياة الداخلية. لا خوف عليها! الأرثوذكسية ضد العالم وتقوى عليه لأنّ الله معنا! ليس معنا إلا لأنّنا إليه. هذا شعب لم تُثنه صروف الدهر عن إيمانه. الرّوحُ، في صروف الدّهر، زاده (هذا الشعب) إيمانًا ويقينًا وثباتًا! كانت هذه الرحلة، إلى أوبتينا، أوج الرّحلة لدينا!

الشهداء الثلاثة: الراهب تروفيم والراهب الكاهن فاسيلي والراهب فيرابونت أضرحة الشهداء الثلاثة

     تبرّكنا أيضًا من الرّهبان الثلاثة الّذين قضوا لرّبهم ليلة الفصح العام 1999، حين فتك بهم مهووس، على مذهب الشيطانية، بطعنات حادة. جُعلت لهم شبهُ كنيسة، وأُودعوا مقابر عالية عن الأرض ووراءها صلبان، أُلصقت بالحائط. ودسّ المؤمنون بين الصلبان والحائط أوراقًا بأسماء الأحبّة، أحياء وأموتاً. أذكر يا رب عبيدك!




  بعد أوبتينا

كنيسة القدّيس باسيليوس في الكرملين

     وعدنا إلى موسكو بنكهة طيِّبة في الرّوح. رحلة العودة كانت أقل تعبًا. ماشا كانت في ٱنتظارنا. هذا عمود، صورة عن الرّب الإله، لمن احتاج، كيوحنّا الّذي كان يسوع يحبّه، لأن يتّكئ، في تعبه، على صدره. ماشا صورة للوجود المتواري، وصورة الخفي المعتلَن!

 

 

كنيسة الرّقاد كنيسة الرّقاد من الدّاخل

     بلغنا الأربعاء، 6 تموز. زرنا بعض كنائس الكريملين، في هجمة من السّياح الدفقى كالسّيول. ترى وتقدِّر التاريخ! هنا يختلط الأصيل، في الإيقونة، والملفّق. تأثير التنوير الغربي جليّ في بعض المواضع. ولكن لا روح أو يكاد، ولا عبادة. المكان مُدَهرَن، إلى حد بعيد. غير أنّك لا تجدُك محرومًا من بعض اللآلئ تطالعك في وجوه، هنا وثمة، وفي إيقونات جزيلة القيمة. كثيرون من القادمين  إلى هذا المكان يبقون في حدود العمارة والقبب المذهبّة، ولهم أجكامهم الخارجية. كيف ينفذون إلى داخل الحقّ وهم مُلقَون ويُلقون أنفسهم خارجًا؟! شعرنا وكأنّنا خرجنا من رحلتنا إلى السّماء لنعود فنطأ أرض الدهرية الخاوية! الرّحلة، إلينا، ٱنتهت في أوبتينا. الباقي كان ٱنتظارًا للمغادرة، على بعض التعزية هنا وثمة. كنا نلوك ما ملأ أفواهنا أُكُلاً طيبًا من المائدة السّماويّة الممدودة في وجوه، وأمكنةٍ وتراثٍ روحي وليتورجي حي ينبض بنبض الحياة الإلهية في أفئدة العديدين ممن مَتّعنا الرّب الإله بلقياهم!

     يوم الخميس مرّ كأنّه لم يكن إلا مطالعة لبعض مما ٱستبان حاضرًا بقوّة في نسيج الشعب الرّوسي ومعالم حضارة تلك البلاد الّتي يكاد لا يكون لها حدٌّ!

     يوم الجمعة انشغلنا بإعداد حقائبنا. رحلة العودة كانت متعِبة في طقسٍ مُشتٍ قاس وسير خانق وتأخير تلو تأخير في المطار، لمّا يخلُ من وجوه تطالعك أرثوذكسيتُها بلا خوف وبفخر كبير!

     وٱنطلقت الطائرة وعلَت لتحملنا إلى أرض الوطن لا كما ذهبنا بل بزاد مشبِع مُعَزٍّ قَوّى فينا اليقين أنّ روح الرّب يعمل بقوة في عالم شرود! سماء روسيا الّتي اخترقناها في من التقيناه وما دخلنا في تماس معه، جعلتنا نختبر تلك البلاد على رحابة في الرّوح خلاّبة تستدعي من يشتاقون إلى معاينة وجه الله في وجوه العباد. "حي هو الله الّذي أنا واقف أمامه"! فشكرًا لله على ما منّ به علينا وأعادنا ممتلئين!


الأرشمندريت توما بيطار

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share