صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
رسالة إلى ابن روحيّ

          الابن الحبيب في الربّ،

       سلام عليك وبرَكَة السيّد تشملك ونعمته تؤازرك، وبعد، رأيتُ، اليوم، رسالتك على مكتبي. فرحت. وفرحت أكثر لمّا قرأتها لأنّ سؤالك وشرحك للحالة التي تعاني يشيران إلى ألم في النفس لا إلى رغبة في المعرفة النظريّة.

       تقول إنّك تودّ أن تعرف كيف بإمكانك أن تصبح إنساناً ينسى إساءات الآخرين له. ثمّ في آخر الرسالة تقول إنّ لديك أسباباً عديدة لتكون مرّاً من نحو الآخرين وإنّك واجد الأمر سهلاً أن تبرّر قراراتك. لكنّك تستدرك وتقول: "لكنّي لا أرغب في أن أحيا وأموت على هذا النحو. أود أن أكون حرّاً لأذكر الله".

       إذا كانت الإرادة حاضرة عندك فلا بأس عليك. ستصل، حتماً، إلى نتيجة وستتحرّر. دونك ما لديّ:

       الإنسان لا ينسى، لا سيما ما يجرحه. لكنّه قابل، بنعمة الله، لأن يتناسى، لأن يتخطّى. مشكلة الإنسان الحقيقيّة، يا حبيبي، هي أناه، هي كبرياؤه. هذا يجعل عينه دائماً على خطايا الآخرين ويميل إلى تبرير نفسه. لكي يتغيّر واقعه الداخلي عليه أن يجعل عينه على خطاياه هو في كل حين. إذا كانت خطيئة سواك، ربما، أنّهم يمرمرونك أحياناً فخطيئتك أنت أنّك تعاملهم أو تقف منهم موقفاً كأنّهم أشرار وفاسدون. كلا، ليس أحد فاسداً بالكليّة. الناس مرضى والطريقة التي يتصرّفون بها هي القيح النفسي لمرضهم. هم كذلك، وأنا وأنت أيضاً. هم يقابلونك بقيح المرارة وأنت، من حيث لا تدري ولا تعي، تقابلهم بقيح الإدانة وعدم المحبّة. كلّنا عُمْلة واحدة. لذا كان علينا أن ندرك أنّ الآخرين مرآة لنا. ردّ فعلنا على ما يأتونه هو صورتنا في مرآة تصرّفاتهم حيالنا. لسنا أنصع منهم ولا أفضل. المهم لمَن ينظر في المرآة أن يصلح حاله هو متى استبان له أنّه بحاجة إلى إصلاح. بَرِّرهم ولُمْ نفسك. قل ما قاله السيّد عن اليهود: "اغفر لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون"، لا بروح التعالي بل بروح التواضع والمحبّة. لا تتكلّم عليهم ولا حتى تسمح لفكرك أن يلومهم. كلّما أتاك فكر دعاك إلى لومهم قل له: ولكنّي أنا لست بخير منهم. إذ ذاك التفتْ إلى فوق. وجّه ذهنك، في حركة قلب، إلى الربّ يسوع وقل له: أنتَ ترى يا ربّ كم نيّتي بحاجة إلى تنقية. نقّني من زلاّتي الخفيّة. علّمني أن أعمل رضاك. ساعدني على أن أعرف نفسي أكثر وعلى أن أُحبّ. أعطني بعضاً من محبّتك. لوحدي أنا عاجز لأنّي أغرق دائماً في ذاتي وفي أفكاري. ساعدني عليها. أُحبّ أن أتغيَّر. لا تصرف وجهك عنّي. أعنّي!

       بعد ذلك صلِّ صلاة يسوع: ربّي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ. وكلّما قلت: "ارحمني" عدْ في الذهن إلى الحالة التي تعاني. كرّر هذا التمرين مرّات كل يوم وكلّما لزم الأمر. اضبطْ نفسك وعُدْ إلى نفسك وصلِّ إلى أبيك، وأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية.

       على هذا النحو، بإذن الله، ستتغيَّر. موقفك سيتغيّر ولكن لا بقوّة قناعتك بل بنعمة ربّك التي ستمسّك وتبثّ فيك نوراً. ثابر ولا تتوقّف. أذكر قول الرسول المصطفى بولس: "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقوّيني".

       هذا ما سيجعلك قادراً على أن تتناسى، على أن تتخطّى، على أن تتغيّر، على أن تتعلّم، بنعمة الله، كيف تسع الناس، كيف تحبّهم، كيف تفرح بهم رغم كلّ شيء!


الداعي لكَ في المسيح                  

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share