<
نحن مشدودون إلى الرّب، متعطّشون إلى أن نتّحد به أبديًّا. وهو بنفسه ينتظرنا بحبّ. إنّ العطش إلى الله يشبع كياننا الأرضيّ، فنصبو إلى أن نموت هكذا.(الأب صوفروني سخاروف). لا تقم بعملٍ بواسطة عقلك، بل بواسطة قلبك. ولا تقم بعمل دون أن تضع بتواضع ثقتك بالله.(القدّيس بايسيوس الآثوسي). إنّ لاهوت الإسم القدّوس ولاهوت الإيقونة لهما مسحة مشتركة. فتأمُّل إِيقونة المسيح يصلنا به بالرّوح.(الأب صوفروني سخاروف). إنّ المراكز والمسؤوليّات تشكّل عائقًا كبيرًا أمام مسيرة الإنسان المؤمن إلى الفردوس إن لم يكن حذرًا. (القدّيس بايسيوس الآثوسي).إنّ حاجتي إلى أن أُشفى بقوّة الرّوح القدس، مثل حاجة شابٍّ تائقٍ إلى الحياة، وواجد نفسه يتحطّم بمرض ما.(الأب صوفروني سخاروف).
أيقونة "كورسك" العجائبيّة.

   في القرن الثّالث عشر للميلاد، خلال فترة الغزو التّتريّ للرّوسيّا، اجتيحت منطقة "كورسك" فغادرها سكّانها وأصبحت مقفرة. وكان سكّان منطقة "ريلسك"، الّتي حُفظت من الغزاة، يذهبون إلى مدينة "كورسك" ليتصيّدوا الحيوانات البرّية. وفيما كان أحد الصّيّادين، ذات مرّةٍ، سائرًا عند ضفة نهر "سكال"، القريب من منطقة "كورسك" الخربة، رأى أيقونة مطروحةً، وجهُها إلى الأرض، قرب جذع شجرة. أخذ الصّياد الأيقونة بين يديه فتبيّن له أنّها أيقونة لوالدة الإله المُصليّة، تُظهر والدة الإله والطّفل يسوع في حشاها، على شبه أيقونة في "نفغورود" يحيطها النّاس بكثير من التّوقير. وقد جرت بالأيقونة العجيبة الأولى، إذ ما لبث الصّياد أن التقطها حتّى تدفّق من المكان، وبغزارة كبيرة، نبع ماء صافٍ. كان ذلك في ٨ ايلول ١٢٩٥.

   بنى الصّياد كنيسة صغيرة في المكان وضع فيها الأيقونة العجائبيّة، مذ ذاك. أخذ سكّان "ريلسك" يتدفّقون على الموضع لإكرام هذه الأيقونة الّتي جرت بها عجائب عدّة. وقد أمر أمير "ريلسك"، "فاسيلي شيمايكا"، أن يستقدموا الأيقونة إلى منطقته بموكبٍ مهيبٍ، وذهب السّكان للقائها. لكنّ الأمير رفض أن يشترك في الاحتفال فعوقِب بفقدِ البصر. غير أنّه عاد إلى نفسه وتاب فشُفي. وإذ تحرّك قلب الأمير لهذه المعجزة، بنى كنيسة كبيرة في مدينة "ريلسك" كُرِّست لميلاد والدة الإله وُضعت فيها الأيقونة. وكان يُقام الإحتفال لها كلّ سنة في ٨ أيلول.

   لكنّ الأيقونة ما لبثت أن اختفت وعادت إلى المكان الّذي ظهرت فيه أوّلاً. وكان سكّان "ريلسك" يعيدونها دائمًا إلى مدينتهم، لكنّها، في كلّ مرّة، كانت تعود إلى ضفاف نهر "سكال". أخيرًا أدرك السّكان أنّ والدة الإله تشاء أن تقيم في مكانها الأوّل فتركوها هناك. أخذ الحجّاج يتقاطرون إليها وكانت تُقام لها خدم "البراكليسي". وإنّ كاهنًا اسمه "بوغوليوب" بنى لنفسه كوخًا صغيرًا في الموضع وجاهد ناسكًا.

   في العام ١٣٨٣، تعرّضت منطقة "كورسك"، مجددًا، لغزو التّتار الّذين شاؤوا إحراق الكنيسة الصّغيرة، لكنّ النّيران لم تحرقها رغم أنّهم أغرقوها بالوقود، فاتّهم التّتار البرابرة الكاهن "بوغوليوب" بالشعوذة والسّحر. استهجن الكاهن التّقيّ غباءهم وأشار لهم  أنّ أيقونة والدة الإله العجائبيّة هي الّتي تحفظ المكان. فاستولى التّتار على الأيقونة وكسروها قسمَين، رموا بكلّ جزء في ناحية. إذ ذاك أخذت الكنيسة تحترق، أما الكاهن "بوغوليوب" فأُخذ أسيرًا.

الأيقونة العجائبيّة في موقعها في كاتدرائيّة كورسك قبل الثّورة الشّيوعيّة.
   حافظ الكاهن على إيمان غير متزعزع بالله رغم أسره، واضعًا رجاءه على والدة الإله الكليّة القداسة. وإنّ إيمانه لم يخزِه، لأنّه فيما كان ذات يومٍ يرعى قطيعًا، مرتّلاً المزامير والتّسابيح لوالدة الإله، مرّ، على مقربةٍ منه، مبعوثون إلى قيصر موسكو. هؤلاء سمعوا الكاهن يرتّل، فافتدوه. وعاد "بوغوليوب" إلى مكان الكنيسة المحترقة. هناك وجد أجزاء الأيقونة العجائبية الّتي رماها التّتار. التقطها وجمعها فالتحمت بشكلٍ عجائبيّ، غير أنّ مكان الشّرخ بقي واضحًا. وإذ علم سكّان مدينة "ريلسك" بالعجيبة مجّدوا الله ووالدته الكليّة القداسة، وحاولوا مجددًا إستقدام الأيقونة إلى مدينتهم غير أنّها عادت إلى موضعها الأوّل. وقد بُنيت لها كنيسة صغيرة جديدة في المكان وبقيت هناك حوالي ٢٠٠ عامٍ.

   انتعشت مدينة "كورسك" مجدّدًا عام ١٥٩٧ بهمّة "القيصر ثيودور إيفانوفيتش المسكوفيّ". سمع القيصر بعجائب هذه الأيقونة ورغب بالاحتفاظ بها في مدينة "موسكو". استقبلها النّاس هناك بكثير من البهجة والوقار. وإنّ زوجة القيصر "إيريني ثيودوروفنا"، زيّنت الأيقونة بغلافٍ ثمينٍ. ونزولاً  عند رغبة القيصر، وضعت الأيقونة ضمن إطارٍ فضي محفورٍ عليه الرّبّ يسوع المسيح القديم الأيّام تحيط به مجموعة من الأنبياء حاملين أدراجهم في أيديهم. بعد ذلك بفترة، أُعيدت الأيقونة إلى حيث وُجدت أوّلاً. هناك أمر القيصر ببناء ديرٍ لها عُرفَ بمنسك "جذع كورسك" (Kursk Root Hermitage) باعتبار أنّ الأيقونة ظهرت، بدءًا، عند جذع شجرةٍ. وفوق نبع الماء بُنيت كنيسة كُرّست لوالدة الإله الينبوع الحيّ.

الأيقونة العجائبيّة يحملها أحد شيوخ منسك كورسك إبّان الثّورة الشّيوعيّة.
   ثمّ، خلال غزو "تتار كريميا" للمنطقة نُقلت الأيقونة إلى كاتدرائية "كورسك" وأُبقيت نسخة منها، طبق الأصل في المنسك. وإنّ القياصرة الّذين تتالوا على الحكم كانوا يوقّرون الأيقونة توقيرًا كبيرًا، ووضعوها في القصر الملكي حيث بقيَت لغاية العام ١٦١٥م.

   ورغم غياب الأيقونة عن مدينة "كورسك"، لم تفارق معونة والدة الإله النّاحية حتّى إنّ السّكان، هناك، رأوا الأيقونة تشعّ في السّماء يحملها راهبان مضيئان وذلك أثناء غزو البولنديّين للمنطقة عام ١٦١٢. وإنّ البولنديّين الّذين أُسروا، شهدوا أنّهم رأوا سيّدة يحيط بها راهبان مشعّان فوق المدينة، وكانت هذه السّيّدة تتهدد من كانوا يطوّقون المدينة. على الأثر نذر السّكان أن يبنوا ديرًا إكرامًا لوالدة الإله ويضعوا أيقونتها العجائبيّة فيه. وما لبث أنّ غادر محاصرو المدينة، فباشر السّكان ببناء الدّير امتنانًا للكليّة القداسة والدة الإله.

   في العام ١٦٨٤ رُسمت أيقونة مطابقة لها وُضعت في دير الجذع من قبل الأميرَين العظيمَين "إيفان وبيتر أليكسيفيتش". وكان كلّ الجنود الذّاهبين إلى الحرب يتبرّكون منها.

   ثمّ في آذار، العام ١٨٩٨، شاء بعض الثّوّار زعزعة الإيمان الأرثوذكسي بالأيقونة العجائبية وقرّروا التّخلّص منها فوضعوا متفجّرة في كاتدرائيّة السّيّدة المصليّة. وعند السّاعة الثّانية صباحًا دوى انفجارٌ كبير في الكنيسة هزّ كلّ جدران الدّير، فهرع الرّهبان المذعورون إلى الكاتدرائية، فكان المنظر مروّعًا. كانت القبة المذّهبة فوق الأيقونة قد تحطّمت بالكليّة إلى القاعدة الرّخاميّة السّميكة الّتي تشقّقت في أماكن عديدة. وإنّ الشّمعدان المعدنيّ الضّخم الّذي كان يُضاء أمام الأيقونة كان مطروحًا في النّاحية المقابلة للكاتدرائيّة بعيدًا عن مكانه الأصليّ. كما كان الباب المعدنيّ المؤدّي إلى الأيقونة مخلوعًا من مفصّلاته ومرميًا خارجًا حيث ارتطم بحائطٍ وسبّب شقًّا كبيرًا فيه. كلّ النّوافذ في الكنيسة كانت قد تكسّرت. غير أنّه في وسط كلّ هذا الخراب بَقِيَت الأيقونة سالمة غير منثلمة حتّى لوح الزّجاج الّذي كان يغطّيها لم يُصَب بأذى. وبذلك باءت محاولات الثّوّار بالفشل إذ شدّدت هذه الحادثة إيمان المؤمنين بوالدة الإله وأيقونتها العجائبيّة.

   هذا وفي كلّ يوم جمعة من  الأسبوع التّاسع بعد الفصح، يُقام تطوافٌ بأيقونة "كورسك" من الكاتدرائية إلى مكان ظهورها الأوّل، عند منسك "كورسك"، حيث تبقى لغاية ١٢ أيلول. وفي ١٣ أيلول يعيدونها بموكبٍ مهيب إلى الكاتدرائية. تبنّى المؤمنون هذا التّطواف بدءًا من العام ١٦١٨، تذكارًا لنقلها لأوّل مرّة من "موسكو" إلى مدينة "كورسك" محتفلين أيضًا بظهورها لأوّل مرّة.


جانب من منسك كورسك أثناء التّطواف السّنويّ.

   وفي ١٢ نيسان ١٩١٨، إبّان الثّورة الشّيوعيّة، سُلِبَت الأيقونة من الكاتدرائيّة. بحث المؤمنون عنها ولكن من دون جدوى. غير أنّه تمّ اكتشافها في الظّروف التّالية: كانت تعيش غير بعيدٍ عن الدّير فتاة فقيرة مع أمّها لم تتناولا الطّعام ثلاثة أيّام. في تلك الفترة كانت "كورسك" تحت سيطرة الحكم الشّيوعيّ. في ٣ أيّار، ذهبت الفتاة الّتي كانت تعمل بالخياطة إلى السّوق بحثًا عن الخبز. في عودتها إلى المنزل، عند السّاعة الواحدة ظهرًا، مرّت بقرب بئرٍ، يُقال في التّراث أنّ القدّيس ثيودوروس الكهفيّ هو الّذي أنبعه. هناك رأت رزمةً في كيسٍ وعندما فتحتها وجدت الأيقونة العجائبيّة الّتي يبدو أنّ من سرقها تركها هناك.


التّطواف بدءًا من الكاتدرائيّة.

الصّورة الطّبق الأصل الموجودة في منسك جذع كورسك.
   وفي أواخر تشرين الأوّل من العام ١٩١٩ عندما دُحر الجيش الأبيض، أخذ إثنا عشر راهبًا من الدّير الأيقونة ونقلوها إلى مدينة "بيلغورود"، ومن هناك إلى "نوفوروسييسك". وعندما تمّ إخلاء المنطقة، وببركة المطران "أنطوني خرابوفيتسكي"، الّذي كان رئيسًا لإدارة التّعليم اللّاهوتيّ العالي في جنوب الرّوسيا، أُخِذت الأيقونة على متن باخرة القدّيس نيقولاوس بيد الأسقف "ثيوفان" الّذي من كورسك، في ١ آذار ١٩٢٠، ونُقلت إلى مدينة "تسالونيكي". ثمّ في ٣ نيسان، أخذها الأسقف "ثيوفان" إلى مدينة "بيك"، العاصمة التّاريخيّة لصربيا، حيث وُضعت في دير "يازاك". بقيت هناك أربعة أشهر. وفي أيلول، بناء لطلب "بارون ورانغل"، أُعيدت إلى "كريميا". ثمّ في أواخر العام ١٩٢٧، استقرّت الأيقونة في كنيسة الثّالوث القدّوس في مدينة "بلغراد". وخلال الحرب العالميّة الثّانيّة، انتقلت الأيقونة من "يوغسلافيا" إلى "فيينا" ومن هناك إلى مدينة "كارلسباد" حيث نُفي مجمع الأساقفة. في كلّ ذلك كانت الأيقونة تُشدّد المؤمنين وتعزّيهم. وقد جالت الأيقونة بين سويسرا وفرنسا وبلجيكا وإنكلترّا والنّمسا ومدن عديدة حيث كانت توجد مخيّمات للمؤمنين الأرثوذكس، حتّى في ألمانيا. وفي نهاية المطاف نُقلت الأيقونة إلى "نيويورك" حيث وُضعت في "منسك كورسك الجديد" ومن هناك وُضعت في الكاتدرائية التّابعة لمجمع الأساقفة الرّوس في المهجر، وهي مكرّسة لوالدة الإله المصليّة. ثمّ بقرارٍ من المجمع المقدّس للأساقفة الرّوس في المهجر صار يقام احتفال بالأيقونة في "منسك كورسك الجديد"، في الأحد الأقرب لميلاد والدة الإله، وفي كاتدرائيّة والدة الإله المصليّة في ٢٧ تشرين الثّاني/١٠ كانون الأوّل من كلّ سنة. وهي إلى الآن تُفيض الأشفية والعجائب بوفرة على من يستشفعون بها.


المرجع:

The Wonderworking Kursk Root Icon of Our Lady of the Sign:

http://www.kurskroot.com/kursk_root_icon_history.html

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share