<
نحن مشدودون إلى الرّب، متعطّشون إلى أن نتّحد به أبديًّا. وهو بنفسه ينتظرنا بحبّ. إنّ العطش إلى الله يشبع كياننا الأرضيّ، فنصبو إلى أن نموت هكذا.(الأب صوفروني سخاروف). لا تقم بعملٍ بواسطة عقلك، بل بواسطة قلبك. ولا تقم بعمل دون أن تضع بتواضع ثقتك بالله.(القدّيس بايسيوس الآثوسي). إنّ لاهوت الإسم القدّوس ولاهوت الإيقونة لهما مسحة مشتركة. فتأمُّل إِيقونة المسيح يصلنا به بالرّوح.(الأب صوفروني سخاروف). إنّ المراكز والمسؤوليّات تشكّل عائقًا كبيرًا أمام مسيرة الإنسان المؤمن إلى الفردوس إن لم يكن حذرًا. (القدّيس بايسيوس الآثوسي).إنّ حاجتي إلى أن أُشفى بقوّة الرّوح القدس، مثل حاجة شابٍّ تائقٍ إلى الحياة، وواجد نفسه يتحطّم بمرض ما.(الأب صوفروني سخاروف).
سيدة مخيرِيُوتِسا

سيدة مخيرِيُوتِسا (Machairiotissa) 
ماخيرا العجائبية


كيف وصلت هذه الإيقونة إلى قبرص؟

إيقونة والدة الإلة ماخيراس العجائبية

       عام 754 م عُقد مجمع مقدس في زمن الأمبراطور قسطنطين الخامس المعروف بـ"كورونيموس" أُُقرّ فيه أنّ من يكرِّم الإيقونات سيوضع خارج الكنيسة. هذا المجمع عُرف بالمجمع المضطهد للإيقونات.

       وهنا تبدأ قصة هذه الإيقونة المقدّسة وديرها.

       إثر قرارات هذا المجمع حاول راهب لا نعرف اسمه حماية هذه الإيقونة المقدّسة. دخل كنيسة في دير بلاشيرن من ضواحي القسطنطينية بكل حذر ووقار، ثم بكثير من الحب أخذ الإيقونة التي لا تثمّن لحمايتها من غضب المضطهدين.

الرسول لوقا يرسم إيقونة ماخيراس

       كانت هذه الإيقونة موضوعة كغطاء  لصندوق مقدّس يحوي زنّار والدة الإله  وثياباً  مقدّسة  أخرى  لها.  لهذا  السبب  كانت  تدعى أييوسوريتيسا  (Ayiosoritissa) أي الصندوق المقدّس وهو اسمها الأساسي. أما اليد المقدّسة التي رسمت والدة الإله في وضع الشفاعة لابنها في هذه الإيقونة فهي للإنجيلي الذي كتب تفاصيل فريدة من حياة الكلية القدّاسة في الكتاب المقدّس أي القدّيس البشير لوقا. هو الذي رسم هذه الإيقونة المصنوعة من الشمع المحروق والمجبول بالألوان. هذه طريقة نادرة وقديمة في الرسم. وهي الطريقة عينها التي استعملت لرسم السيد الضابط الكل في دير القدّيسة كاترينا في سيناء. وإذا كان الرسول لوقا قد رسمها فهي تعود إلى القرن الأول. وهي إحدى الإيقونات السبعين التي رسمها.

       لهذا السبب كان لائقاً أن تغطي الصندوق الذي يحوى ثياب والدة الإلة الكلية القدّاسة في كنيسة بلاشيرن.

إيقونة والدة الإلة ماخيراس العجائبية مع غطائها الذهبي

       لم يشأ التدبير الإلهي لوالدة الإله أن تتلف إيقونتها في حملة مضطهدي الإيقونات لذلك حثّت (في التقليد) هذا الراهب المجهول أن يساعدها على الهرب. هذا الراهب، ربما مع آخرين، واجه غضب مضطهدي الإيقونات والله يعلم كم من مرّة اضطر للمسير مساء لنقل الإيقونة خلال الليل إلى أن وصل إلى شاطئ آسيا الصغرى. وهناك على ضفاف مرفأ صغير أخذوا قارباً صغيراً أوصلهم إلى مكان آمنٍ هادئ لم يصل بعد إليه مضطهدو الإيقونات. القسطنطينية بالأخص نالت النصيب الأكبر من إضطهاد الإيقونات، خاصة الأديار، حيث أُخذ عدد من الرهبان أسرى وآخرون فرّوا.

       تاريخ الرهبنة في قبرص يذكر ستة حوادث على الأقل حاول خلالها الرهبان إحضار إيقونات من القسطنطينية إلى قبرص. وكانت السبب في بناء أديرة تابعة للأديرة التي كانت في بلاشيرن. وهذه هي حال سيدّة ماخيرا.

الإيقونة في قبرص

إيقونة ماخيراس كما يحتفظ بها الرهبان اليوم في الدير

       هذا الراهب المجهول أخذ إيقونة والدة الإله، وكان ذلك حوالي منتصف القرن الثامن، ووَجد بتدخل من والدة الإله الجبال، المعروفة اليوم بـ"ماخيرا"، ملجأً له. هناك، بحسب إرشاد والدة الإله وجد كهفاً نسك فيه وكانت تعزيته الوحيدة إيقونة والدة الإله وحضورها الشخصي معه. عاش في الصلاة والتخشّع المستمر. هذا الكهف الصغير كان قرب جدول ماء. حَوَّل هذا الراهب الكهف إلى كنيسة لتكون لوالدة الإله. لم يكن بإمكانه أن يبقى متخفّياً طويلاً، فما لبث الناس أن استدلوا عليه وبدأوا يقصدونه للتبرّك ولتكريم إيقونة والدة الإله وليسمعوا منه كلمة منفعة. إلا أنّه، في القرن التاسع، ونظراً لهجمات العرب المسلمين، شهدت هذه الناحية الكثير من الإضطراب فدّمرت الأديار والكنائس دون تمييز وأُخذ الكثير أسرى.

       بسبب هذه التقلبات طمر النسيان قصة هذه الإيقونة وهذا الناسك دون نهاية واضحة. أغلب الظن أنه عند رقاد هذا الراهب بقيت الإيقونة في الكهف الصغير تتلقى من وقت إلى آخر زيارة أناس أتقياء لم يسمح لهم إيمانهم بنقل هذه الإيقونة من الكهف (وهذا مكتوب في التبيكون التاريخي للقدّيس نيللس أحد مؤسسي دير ماخيرا). في نهاية المطاف، سقطت هذه الإيقونة في النسيان.

       وبحسب التدبير الإلهي بقيت الإيقونة محميّة من الطبيعة المحيطة بها التي غطّت مدخل الكهف.

القدّيسان نيوفيتوس وأغناطيوس يجدان الإيقونة داخل المغارة

       وكان في ذلك الزمان ناسك شيخ حامل الإله اسمه نيوفيتوس يعيش في صحراء قرب بحر الأردن في النواحي الأكثر قسوة من فلسطين. هذا شاءه الله أن يترك الناحية التي كان ينسك فيها مع تلميذه أغناطيوس بسبب هجوم المسلمين، وبإشارة من الله ذهب معه إلى الناحية الشمالية لقبرص. هناك وصلا إلى دير القدّيس يوحنا الذهبي الفم. لا يوجد تاريخ محدد كم من الوقت مكثا هناك  ومتى غادرا إلا أن التقليد يشير إلى أنّ هذين الناسكين عندما كانا يصليّان في الليل مرة رأيا نوراً مقابل الدير في الجبال البعيدة ومتجهاً إليهما. استمرت هذه الظاهرة عدداً من الليالي وكانت تملأهما فرحاً إلهياً. فهما أنّ في هذا إشارة إلهية من فوق. لذلك تركا الدير وسارا إلى مصدر النور فوصلا إلى الكهف وكان المكان صعب الوصول إليه في الجبل. فمقابلهم الأشجار والعلّيق يعيق التقدّم. وبينما كانا يفكران كيف عساهما أن يتابعا المسير، أتاهما وحي من فوق أن يستعملا سكيناً وجداه مقابلهما بين الأعشاب.

       شقّ الراهبان طريقهما إلى أن وصلا إلى المغارة المقدّسة، فامتلأا عجباً ودموعاً مقدّسة. سجدا أمام الإيقونة ورغم كل الوقت الذي مضى على الإيقونة في الكهف دون أي عناية لم يظهر عليها أي علامة إهمال لأنها كانت في كل هذا الوقت تحت رعاية السيدة الكلية القدّاسة.

القدّيسون نيوفيتوس وأغناطيوس وبروكوبيوس ونللس، مؤسسو دير ماخيراس

       عرف الراهبان بالروح أنها المشيئة الإلهية أن يعيشا في هذا المكان القاسي الخالي من أي تعزية والصعب الوصول إليه بعيداً عن الناس، في جبل مناسب للجهاد النسكي والهدوئية كما كتب القدّيس نيللس في تبيكونه.

       إذاً أصبح هذان الراهبان الناسكان الراعيَين لهذه الإيقونة المعروفة آنذاك بـ"أييروسوريتيسا"، أما الآن وبعد الظهور العجائبي للسكين فباتت تعرف باسم "ماخيريوتيسا" (Machairiotissa).

       بعد رقاد الناسك نيوفيتوس انضم إلى أغناطيوس راهب شيخ باسم بروكوبيوس. قرر الإثنان بناء دير قرب الكهف وهو الدير الذي يعرف اليوم بماخيرا على اسم الإيقونة المقدّسة. أما القدّيس نيللس فهو أحد الرهبان الذين انضموا إلى الناسك أغناطيوس واستلم رئاسة الدير بعد رقاد القدّيس بروكوبيوس بفترة قليلة. وقد دوّن القدّيس نيللس بكل حرص تاريخ الدير وإيقونته المقدّسة.

       الدير مكرّس لوالدة الإلة ويُقيم إحتفاله السنوي في 21 من تشرين الثاني، عيد دخول السيّدة إلى الهيكل.

دير ماخيراس في قبرص

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share