<
فقط في الكنيسة بإمكاننا أن نرتشف الماء الزلال الذي يجري من الجنب المطعون للمسيح ليعطي حياة أبدية. كل التعاليم الأخرى إن هي سوى آبار مشقّقة لا تضبط ماء.(القدّيس إيريناوس أسقف ليون).لا تحاربنا الشّياطين، إلاّ عندما نتمّم ميولنا الرّديئة، الّتي هي بالحقيقة شياطيننا الّتي تحاربنا فنهزم أمامها برضانا.(القدّيس بيمن).نعمة التّوبة الفاعلة في المجاهدين هي صفقة إلهيّة وتبادل؛ نعطي فيه ترابًا ونأخذ سماءً.(الشّيخ يوسف الهدوئي).إنّ الاتّحاد الدّائم بالهّ مصدرِ الحبّ لا يمكن أن يبقى غير ملحوظ. لأنّه عندما يخترق الحبُّ الإلهيُّ القلبَ يوقظ فيه قوّة لم تسمع بها أذن من قبل، وإنّما تحسّ بها، فقط، قلوب محبّي الله .(الأم كاترين أفيموفسكي).إن أردتَ الخير لولدك، أقول لك ماذا تفعل: "إصنع لولدكَ لباسًا، واصنع لباسًا آخر لولد فقير. فلأجل ذاك الولد الفقير يُفَرِّحُ الله حياة ولدك". (القدّيس قوزما الإيتولي).
الوديعة الأثمن

   قضى "الياس"، ابن قرية "مشتى الحلو"، مراهقته في مدينة حمص، في سبعينيات القرن الماضي، حيث تعرّف إلى إحدى الفرق التبشيرية، وتأثّر بها، ووصل به المطاف إلى أن يصبحَ طالبًا للاهوت في إحدى كلّيات تلك الجماعة التّبشيريّة، في أميركا. هناك تعرَّف إلى طالبة تدعى "جنّاتا"، أحبّها وبادلته الحبّ، فتزوّجا بعد حصولهما على شهادة اللّاهوت. وصار الياس، في ما بعد، قسًّا في إحدى كنائس هذه الفرقة. بعد سنوات من خدمة رعيّته، وبالتّحديد في العام ١٩٩٥، التحق بكليّة لاهوتيّة عليا، بغية الاستزادة من العلوم اللّاهوتيّة. لاحظ البروفسور المشرف على أطروحته نَفَسًا أرثوذكسيًّا في الأبحاث التي قدّمها، فاستفسر منه عن مصدر هذه "الرّوحانيّة الشّرقيّة"، بحسب تعبيره. وعندما علم بأنّه وُلد ابنًا لعائلة أرثوذكسيّة، سأله القسُّ مستغربًا: "كيف تهجر كنيستك وأنت وُلدت فيها، والمؤمنون ههنا يكتشفون أصالتها، ويعودون إليها بفرح من وجد "الجوهرة العظيمة الثمن؟"... لم يكن الياس يعلم شيئًا عن المجموعة الكبيرة التي اقتبلت سرّ الميرون في الأبرشيّة الأنطاكيّة في العام ١٩٨٦، وبدأت تصدر مجلة باسم "again" بغية تعريف المجتمع الأميركيّ بجذور الكنيسة، الّتي حملت التّراث الإنجيليّ بأمانة، وحفظته حيًّا فيها، وما تزال. دُهش الياس لهذا الخبر، فطلب من أستاذه الحصول على هذه المجلّة، وكانت بداية مرحلة جديدة في حياته الرّوحيّة. تابع بحثه عن الأصل الّذي أضاعه، على ضوء خبراته الماضية، وعاد، مع زوجته وولديه ووالديه وإخوته وعائلاتهم، وبعضٍ من أبناء رعيّته السابقة، في العام ١٩٩٨، إلى كنيسته الأمّ. وهو حاليًّا كاهن رعية القدّيس باسيليوس في مدينة "كنساس سيتي". الياس ليس الوحيد الّذي قاده الرّوح في هذه الطريق.

   كثيرون هم الّذين يكتشفون اليوم، بطرق مختلفة، ملء الحياة، في هذه الكنيسة، الّتي يدعوها الأب الفرنسيّ "ليف جيله"، وهو مهتدٍ من بدايات القرن العشرين، بالكنيسة "المعتّرة" لكنّها وحدها الّتي تعرف كيف تنشد "المسيح قام"، بتميّزٍ لا يُضاهى.

   تاريخيًّا، قامت حركة الإصلاح في أوروبا، في القرن الخامس عشر، ردّةَ فعلٍ على ما اعتبرته انحرافًا أبعد الكنيسة الكاثوليكيّة، آنذاك، عن أصالة الإنجيل وبساطته. وككلّ ردّة فعل، رمى الإصلاحيّون بكثير من الأمور الأصيلة مع الدّخيلة. فاكتفوا بالكتاب المقدّس. وصار شعار الإصلاحيّين أو المحتجّين (وهذا معنى كلمة بروتستانت) "الكتاب المقدّس وحده - Sola scriptura" لكن، سرعان ما بدأت الخلافات الدّاخليّة، انطلاقًا من هذا المبدأ تظهر بوضوح... اختلفوا على تفسير الكتاب المقدّس. ولأنّهم قطعوا أنفسهم عن تراث عمره خمسة عشر قرنًا من عمر الكنيسة آنذاك، اعتبروا أنّ الرّوح القدس يلهم كلّ مؤمن بالتّفسير الصّحيح، وأنّه ما من مرجعيّة لديهم إذن، ما من مصدر يعودون إليه، ما من كلمة فصل تؤتمن عليها جهة ما، سوى فعل وكلمة الرّوح القدس الفاعل في كلّ مؤمن. وسرعان ما ظهرت جماعات حملت اسم قائدها مضافًا إلى كلمة الكنيسة، كاللوثريّة والكالفينيّة وما إليْهما، بسبب الانقطاع عن الأصول والاكتفاء بالكتاب المقدّس وحده.

   اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسمائة سنة على الحركة الإصلاحيّة، ثمّة ملاحظتان أساسيّتان: الأولى وجود أكثر من ثلاثين ألف جماعة ضمن المذهب الإصلاحيّ، كلٌّ منها تعتبر ذاتها كنيسة يسوع المسيح. وهناك خلافات بين بعضها، تصل إلى حدّ إعادة معموديّة من ينتقل من واحدة منها إلى الأخرى. والثانية، هي في بدء طرح أسئلة قاعدية عند بعض أعضائها، مثل: أيُّها، هي الكنيسة الّتي أسّسها الرّبّ يسوع المسيح؟. ولماذا نرفض تراث القرون الخمسة عشر الأولى، فيما نقبل تراث القرون الخمسة الأخيرة المختصّة بنا؟. ولماذا نعتبر لوثر وكالفن وباركلي والكثير من المعلّمين "الإنجيليّين" الآخرين، شخصيّات مرجعيّة، في السّيرة والتّعليم والتّفسير، وأنّهم بمثابة آباء، ونهمل آباء الكنيسة السّابقين، كالذّهبيّ الفّمّ ويوحنّا الدّمشقيّ وبالاماس وسلوان الآثوسيّ؟. هذه الأسئلة، وأمثالها، قادت، وتقود، كثيرين إلى البحث والتّنقيب والدّرس في تاريخ الكنيسة وعقيدتها وطقوسها وآبائها، للوصول إلى أنّ التّراث الحيّ الأمين بقي محفوظًا في الكنيسة الأرثوذكسيّة، ليعودوا، ويعودون، إليْها. ولأنّه، ما من كنيسةٍ أرثوذكسيّةٍ تاريخيّة تأسّست بعد في العالم الجديد، فإنّ كلّ مجموعة أرثوذكسيّة ما تزال مرتبطة بكنيستها التّاريخيّة الأمّ.

   لذلك يجد المهتدون في الكنيسة الأنطاكية "الّتي دُعي التّلاميذ فيها أوّلًا بالمسيحيّين"، ولأسباب عدّة، مكانهم الطّبيعي. هذا ما يفسّر بلوغ نسبة المهتدين فيها إلى الخمسين بالمئة. هذا في أميركا، فماذا عن بلادنا؟!...

   في الوقت الّذي يهجر فيه بعض الأرثوذكس، كنيستهم الأم، لأسباب عديدة، لا يتّسع هذا المقال لاستعراضها ومناقشتها، يجدر بهم أن يتأمّلوا مليًّا، ويفكروا طويلًا، قبل أن يخسروا الكنز الثّمين، ويبيعوا، بثلاثين من الفضة، الأمانة الّتي استلموها. الإيمان لا يباع بتأشيرة خروج إلى بلد آخر، ولا بحفنة من النّقود، ولا بمساعدة مهما كانت ملحّة. كنّا نرجو من التّبشيريّين الجدد الاقتناع بأنّ زمن شراء النّفوس، باستغلال حاجات المنكوبين، وتشجيع الطمّاعين، قد ولّى. نتمنّى، إن كانوا يبتغون خدمة المسيح واتّباعه حقًّا، أن يقدّموا المساعدة بحسب إنجيله القائل "مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا". أمّا الباقون على الأمانة: "للإيمان المسلَّم دفعةً واحدة للقدّيسين" فنذكّرهم بقول المسيح للعبد الأمين، في مَثَل الوزنات: "طوباك أيّها العبد الأمين، لأنّك كنت أمينًا على القليل، أقيمك اليوم على الكثير. ادخل إلى فرح ربّك".

بقلم المطران سابا اسبر
١١ آب ٢٠١٥


المرجع:

https://www.facebook.com/BishopSabaEsber/posts/880920708667903:0

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share