كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
أسماك الأحد

   صباح يوم أحد باكرًا، قطع صوتُ القبطان ميخائيل الهدوءَ المعهودَ في جبلِ آثوس، والمترافق مع هديرِ أمواج البحر. كان صاعدًا باتجاه قلالي إسقيط القدّيسة حنّة، حاملاً معه أسماكًا طازجةً ليبيعَها للرّهبان. وبينما كان يقترب من قلايّة الأب مينا، نادى بأعلى صوته:

   - أيّها الأب مينا، أيّها الأب مينا، أأنتَ هنا؟.

   لم يكن قد مرّ وقتٌ طويلٌ على انتهاء قدّاس الأحد في الإسقيط. فوجد القبطان الأب مينا جالسًا بهيئته السّلاميّة يستريح على أحد جذوع الأشجار. كان هذا الأب معروفًا بنسكه القاسي وأصوامه، ومتميّزًا بتواضعٍ وتقوى كبيرَين، لذا أضحى مسكنًا لنعمة الله، الّتي لا تسكن إلاّ في النّفوس المتواضعة. رحّب الأب مينا بالقبطان بلطافته المعهودة قائلاً:

   - تعالَ يا مبارك،  صباح الخير!. اجلس لتستريح قليلاً.

   كان القبطانُ ميخائيل يتصبّب عرقًا من شدّة الحرّ والتّعب، وقد أُنهكت قواه بسبب صعوبة الطّريق. فصعود المرتَفع المؤدّي إلى إسقيط القدّيسة حنّة مع سلّةٍ مليئةٍ بالأسماكِ ليس بالأمرِ السّهل أبدًا.

   - أرأيْتَ يا أبي أنّني لم أنسَكَ؟. كنتُ قد أعطيتُكَ وعدًا بإحضار الأسماك قبل عيد قلاّيتك. فسيأتيكَ بالطّبع زوّارٌ عديدون وسيكون جميلاً أن تقدِّم لهم سمكًا طازجًا وجيّدًا!.

   - أشكرك يا أخي على تذكّرك إيّاي، هيا لنرى الأسماك الّتي أحضرتها!.

   قال ذلك الأب مينا وتوجّه نحو السّلّة بابتسامةٍ تعلو وجهه. لكنّ فرحه فَتَرَ حالما نظر الأسماك تتلوّى داخل السّلّة. فسأله ليتأكّد:

   - متى اصصدتها يا قبطان؟.

   - اليوم صباحًا، إنّها أسماك يوم الأحد، اصطدتها قبل بزوغ الشّمس طازجةً... طازجةً!. هل ظنَنْتَ أنّني سأحضر لك أسماكًا غير طازجة؟.

   - للأسف يا بنيّ إنّى لا أستطيع شراءها!. فعملٌ يتمُّ يوم الأحد هو عملٌ غير مبارك من الله، وإنّي لا أقبل في قلايتي شيئًا غير مباركٍ.

   هذا ما قاله الأب مينا وتهيّأ للمغادرة. لكنّ القبطان استوقفه متعجّبًا، مبرّرًا نفسه وقائلاً:

   - آه! ما الّذي تقوله يا أبي؟ ما المشكلة إنْ اصطدتُها يوم الأحد؟. أوَليست كلّ الأيّام لله؟.

   - نعم يا بنيّ، كلّ الأيام لله، وهو أعطانا إيّاها لنستغلّها ونستثمرها، لكنّه خصّص يوم الأحد له وباركه وقدّسه، لذلك فالعمل فيه هو خطيئة!. ألا تكفينا الأيّام السّتة الأخرى؟. في يوم الأحد علينا الذّهاب إلى الكنيسة والقيام بأعمال المحبّة.

   لم يستطع القبطان ميخائيل فَهم هذا الكلام وأصرّ على رأيه. حينئذٍ صلّى الأب مينا وطلب من الله أن يتدخّل ليساعد هذا الإنسان على إدراك خطئه، ونظر مباشرةً إليه وقال:

   - أحتّى الآن لم تصدِّق أنّ هذه الأسماك غير مباركة؟.

   - بالطّبع لا أصدّق!. انظر إليها كم هي جيدة!.

   عندها نادى الأب مينا قططه الثّلاثة، وقال للقبطان:

   - انظر إلى قططي!. أنت تعلم شغفها بالسّمك!. لكنّي أريدك أن تعطيها الآن سمكةً من أسماكك، وسترى أنّها لن تأكلها، مع أنّها من دون طعامٍ من مساء البارحة.

   - آه!. ما الّذي تقوله؟. حتّى قبل أن أُلقي السّمكة أرضًا ستلتقطها القطط من الهواء. انظر كيف ترنو إليّ!.

   اقترب القطّ الأوّل من السّلّة ونظر إلى عيون الأسماك وحالما أمسك القبطان إحداها ورماها له تحرّك بسرعةٍ نحوها وانحنى ليلتقطها بفمه، لكنّه توقّف فجأةً وكأنّه اشتمّ رائحةً كريهة!. ثم استدار وعاد إلى مكانه. وهكذا تمامًا فعل القطّان الآخران، حالما اقتربا من الأسماك واشتمّا رائحتها تركاها وعادا إلى مكانهما. فقال له الأب مينا:

   - أرأيْتَ يا بنيّ كيف أنّها لم تأكلها!.

   أُصيب  القبطان بدهشة، فاستدار نحو الأب مينا وقال له:

   - يا إلهي!. طيلة هذه السّنوات كانت هذه القطط تأكل كلّ ما أقدّمه لها من الأسماك، حتّى يوم الأحد!.

   - نعم، أنت على حقّ، لكنّك لم تقدِّم لها يومًا أسماكًا اصطدتها يوم الأحد إنّما يوم السّبت. ألا تذكر ذلك يا بنيّ؟. أنت لم تُحضر لي أبدًا أسماكًا اصطدتها يوم الأحد، يوم الرّبّ.

   فغادر القبطان ونزل المنحدر عائدًا إلى قاربه وسلّته مليئة بالأسماك،  مفتكرًا في نفسه وقائلاً:

   - إنّ الأب مينا على حقّ!. العمل يوم الأحد غير مبارك من الله... لكن لماذا أنا منزعج؟... لأنّي لم أُصغِ إلى كلام هذا الرّاهب القدّيس وسمح الله أن تعلّمني ثلاث قطط جائعة!.

   ومن ذلك اليوم، احترم القبطان ميخائيل أيّام الآحاد والأعياد، ولم يعمل فيها إطلاقًا، إنّما كان يذهب إلى الكنيسة من دون أن يختلق لنفسه الأعذار، واستمرّ يروي للنّاس هذا الحادث العجيب الّذي حصل معه.

   المرجع:

   الرّب قريب – قصص رهبانيّة من الجبل المقدّس، ترجمة راهبات سيّدة البشارة – حلب (2009).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share