<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
عمليّة نقل الكنائس في رومانيا.
"الآخذ الحكماء بمكرهم"(١كو ٣: ١٣).

    إنّه لمذهلٌ حقًّا أن تنظر من نافذتك، وترى كنيسةً يرقى تاريخُ بنائها إلى قرون خلت، تندفعُ سائرةً أمامك!. بالأولى  إن تمّ ذلك، في رومانيا الشّيوعيّة سنة ١٩٨٠، حيث كان الإعلام موجّهًا من قبل الدّولة، والإلحاد سيّدَ الموقف!. على الرّغم من ذلك، تمّ، بين العامين ١٩٨٢ و١٩٨٨، نقل عشرات الكنائس، والأبنية الأخرى، مئات الأمتار، في سبيل إنقاذها من الدّمار، لمّا قرّر الدّيكتاتور "تشاوشسكو"، رئيس الدّولة آنذاك، ، تغيير وجه قلب العاصمة الرّومانيّة "بوخارست" بصورة جذريّة.

    غريبٌ حقًّا أن تقوم حكومةٌ إشتراكيّة بعمل كهذا في سبيل إنقاذ الكنائس، لكنّ الأغرب منه، هو طريقة الحفاظ عليها. أيّ بلد آخر، كان ليلجأ إلى تفكيك الأبنية وإعادة جمعها في مكان آخر!.

    "لقد ذهلنا من تلك العمليّات، وقد كان  الوصول إلى القمر أدنى، في بلدٍ كرومانيا"، قال "فالنتين مانداش"، المهندس والمؤرّخ الذي شهد نقل العديد من الكنائس، عندما كان بعد طالبًا شابًّا.

  رائد   هذا العمل، كان المهندس المدنيّ  "افجيني يورداشسكو"، الذي اكتشف طريقة الحفاظ على الكنائس، من خلال وضعها  على سكك حديديّة، ونقلها إلى أمكنة آمنة.

    "كنت في المنطقة، حيث كانت كنيسة صغيرة جميلة برسم الهدم. تساءلتُ: كيف بإمكانهم تحطيم جوهرةٍ كهذه؟" قال المهندس النّشيط، ذو السبعة والثمانين ربيعًا، وهو جالس في غرفة الطعام، في "بوخارست"، في شقّته المميّزة، ، المحاذية للكنائس الّتي قام بتخليصها منذ ثلاثة عقود خلت."لقد فكّرتُ بنقلها".

    في ذلك الوقت، أُجبر ثلاثون ألفًا  من السكّان على إخلاء منازلهم، كما هُدمت ضاحية كاملة من "بوخارست"  التّاريخيّة، بالإضافة إلى تسعة آلاف بيت وكنيسة وقاعة وبناء آخر، لأجل الإفساح في المجال لتحقيق مشروع "تشاوشسكو" السّخيف المتعظّم، أي قصر الشّعب والمركز المدني في محيطه.

    إنّ مركز المدينة والقصر اللذين تمّ بناؤهما، وهما ما زالا يناطحان السّماء في المدينة، ويعتبران المركز الإداريّ الأكبر في العالم بعد "البنتاغون"، يرجّح أن تعود هندستهما إلى ما شاهده "شاوشسكو" في زيارته إلى "بايغوغان"، عاصمة "كوريا الشّماليّة".

    قَبِلَ "تشاوشسكو" وزوجته "إيلينا" الفكرة بعد لأي. وإذ استصوبا استخدامها كدعاية للدّولة الشّيوعيّة، تمّ غضّ النظر عن التّدمير الّذي حصل، وسُلّط الضوء فقط على التقنيّة الرّائعة في عمليّة نقل الأبنية إلى أمكنة "أفضل". وكان احتياج الطّبقة العاملة إلى أمكنة للسّكن، والدّمار النّاتج عن زلزال ١٩٧٧، والحاجة إلى بناء صرح مدنيّ أكبرجدير بالحكم الإشتراكي، الغطاء الّذي استخدم، من قبل الإعلام الإشتراكي، لتبرير البناء الكثيف وسط العاصمة "بوخارست"، وتفادي الإنتقادات الغربيّة.

    يقول "إيورداشيسكو"، الّذي كان يعمل في مركز هندسة اهتمّ بتصميم المشروع، أنّه لمّا اقترح فكرة  نقل الكنائس على زملائه، قالوا إنّ ذلك مستحيل، وإنّ المبنى سيقع لا محالة. البعض اعتبر أنّ مجرّد التّفكير بذلك، بحدّ ذاته، جنون، لكن بمرور الوقت أخذت الفكرة تخرج إلى النّور.   

    التمعت الفكرة في ذهن "يورداشسكو"، عندما رأى العامل في المقهى يمرّ بين جمع كبير من النّاس حاملاً بيده صينيّة عليها مجموعة من الأقداح. "رأيت أنّ سرّ هذه الأقداح الّتي لا تقع، هو الصّينيّة، هكذا بدأت أعمل على تطبيق ذلك على المباني".

    في النّهاية، اقتصرت الطّريقة على حفر الأرض من تحت الكنائس، وفصل الأساسات، مع تأمين دعامات من الباطون المسلّح لها.تمّ إنشاء سكك، ورافعات هيدروليكية، كما تم استخدام رافعات صناعيّة   لتحريك الأبنية ببطىء نحو موقعها الجديد، عدّة أمتار في السّاعة.

    كان نقل كنيسة واحدة يحتاج إلى حوالي خمسة مهندسين في مرحلة التّصميم، ثمّ إلى ٢٠ عاملاً وقت التّنفيذ. كانوا يعتمدون فقط على التقنيّات والمعدّات المحليّة، لأنّ رومانيا الشّيوعيّة كانت منقطعة عن العالم الخارجي. السّكك والمعدّات الأخرى كانت تنقل ليعاد استخدامها في مناطق أخرى للتوفير في المصاريف والأدوات. في تلك الأثناء، وجب إخلاء المساحة الفاصلة بين مكان البناء الأصلي والمنويّ النّقل إليه، وطبعًا تحضير الخطط والمعدّات، مع أخذ الإنحدار، وتغييراتّجاه البناء في الاعتبار.

    شكّ الكثيرون في إمكانيّة إتمام هذا العمل. فبالنسبة للكنيسة الأولى أعطوا فقط إذنًا شفهيًّا، ولم يرد أحد توقيع الإذن الرّسميّ.

    الكنيسة الأولى الّتي كانت برسم النّقل، كنيسة "شيتول ماسيلور"، من القرن الثّامن عشر، وزنها ٧٤٥ طن، كانت على بعد ٢٤٥ مترًا من مكانها الجديد، سنة ١٩٨٢. استغرق إعداد المشروع خمسة أشهر، فيما تمّ  نقل البناء في بضعة أيّام فقط.

    كان الكهنة، والموظّفون الرسميّون، وسكّان المحلّة يجتمعون ليشاهدوا الخطوة الأخيرة من النقل. في بعض الصّور يشاهَد "يورداشسكو" واقفًا قرب بطريرك رومانيا الأرثوذكسي.

    بمرور الوقت، ازداد فريق العمل حماسةً، فقاموا بنقل كنيسة "ميخا فودا" من القرن السّادس عشر، يرافقها برج الأجراس المحاذي لها. أمّا أكبر كنيسة تمّ نقلها، فكانت ديرًا،وكانت تزن ٩٠٠٠ طنّ. وقد تمّ نقلها أربعة وعشرين مترًا من موقعها الأصليّ.

    في "بوخارست" ومدن أخرى، نقل "يورداشسكو" وزملاؤه مستشفىً ومصرفًا، وبنايات بأكملها، مرفقة بإمدادات الغاز والمياه، والسكّان في داخلها!. في أحد المباني، إذ كان السكّان بعد في داخله، وظنّوا أنّ النقل سيتمّ السّاعة التّاسعة، حضّروا أمتعتهم، وأوراقهم، ومثمّناتهم، لكنّ عمليّة النّقل كانت قد ابتدأت السّاعة السّادسة. عندما أرادوا الخروج في التّاسعة، كان المبنى قد تحرّك بضعة أمتار، كما ذكر "يورداشسكو" الّذي أخذ لنفسه صورة ذاتيّة وهو واقف على شرفة أحد المباني المتحرّكة.

    رغم دقّة العمليّة، وصلت كلّ المباني المنقولة سالمة إلى مواقعها الجديدة. لكنّ النّجاح لم يكن تامًّا. كان لدى "يورداشسكو" لائحة بـاثنتين وعشرين كنيسة تمّ تدميرها في تلك الفترة، رغم  إعطاء الإذن بنقل بعضها، وذلك لأنّ "تشاوشسكو" كان متلهّفًا لتجديد العاصمة.

مشاهد مختلفة عن عمليّة النّقل وتقنيّتها.

    "أدريان يورداشسكو"، إبن "إفجاني يورداشسكو"، مهندس أيضًا، يشير إلى صورة لكنيسة، يوجد مكانها الآن ما يعرف بـ "بياتا أوريني"وهو حيّ متداعٍ، على منعطف يبعد بضعة مئات من الأمتار عن قصر الشّعب. يقول: "كانت مأساة!. مات الكاهن بجرحة قلبيّة، وحتّى العمّال لم يشاؤوا أن يدمّروها، فاستقدم "تشاوشاسكو" موقوفين من السّجون ليقوموا بذلك!."

    تابع "أدريان" (٤٥ سنة) نهج أبيه، مستخدمًا طريقة جديدة، لتحديث صرح "أركول دو تريونف" (قوس النّصر).

    العديد من الكنائس الّتي تمّ نقلها، انتهى بها المطاف لأن تستقرّ في ظلّ المباني المتراصّة ذات الطّابع السوفياتي، وغالبًا ما توجد "في ضغطة" كأنّها تجبر العابرين على أن يرمقوها بنظرة ثمّ ينسوها!.

   تعتبر المحافظة على هذه الكنائس المهمّة، وسط العاصمة، وعلى تاريخها المقدّر بمئات السّنوات، وداخلها المزيّن بالإيقونات والرّسومات البديعة، إرثًا حضاريًّا مرموقًا.

    "مذهل حقًّا ما استطعنا إنجازه" يقول "أدريان": "خلال النّقل، كان على أبي أن يمكث في المكان، لأنّه منذ البداية، كان يسمع من فريق العمل أنّ ثمّة من يرغب في إفشاله، فكان يبقى في الميدان مدّة أربع وعشرين ساعة متواصلة في اليوم".

    يذكر "مانداش"، دير "أنتيم"، أحد المباني، الّتي تمّ إنقاذها، مشيرًا إلى أهميّة إنقاذ تلك المباني، منذ ثلاثة عقود خلت. "أنتيم" جوهرة من طراز هندسة الـ"برانكوفان". "الهندسة هي العلامة المميّزة المنظورة الأهمّ بالنّسبة لشعب معيّن، وهذه الكنائس هي إحدى أهمّ هذه العلامات".

    انتهت عمليّة نقل المباني والكنائس في "رومانيا"، مع الثّورة الرّومانيّة سنة ١٩٨٩، ومذ ذاك استلم "يوردايشسكو" عددًا من شهادات التّقدير، وميداليّة من الكنيسة الأرثوذكسيّة الرّومانيّة.


    بمرور الزّمن، يدخل إنجاز "يورداشسكو" التّاريخ. "أنا في الرّابعة والخمسين. الجيل الأصغر من المهندسين لا يعرف الطّريقة"، يقول "أدريان يورداشسكو" :"إبني في ال٢٣، تلميذ في كلّية الهندسة. فقط منذ حوالي السّنة، ابتدأ فعليًّا يكتشف ما حقّقه جدّه".

    يفتخر "يوردانشكو" بما حقّقه وزملاؤه: " ما زلت لا أصدّق، عندما أرى تلك الكنائس اليوم".



المصدر:

https://www.theguardian.com/cities/2016/dec/14/bucharest-moved-churches-safety-communist-romania

Religion in Romania: How Churhes were saved from demolition by a brilliant engineer.https://tourofcommunism.com/

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share