<
الرّجاء ليس فقط رجاء بالله، بل بعمل الله في النّاس.(المطران جورج خضر).من كان مع المسيح كانت أموره، على هذا النّحو، بسيطة وسهلة وسلاميّة، ليس عنده يأس أو اكتئاب أو يعاني من مشاكل نفسيّة، أو تقلقه أفكار تافهة أو يتألّم بسبب الجراحات الّتي تراكمت عليه مع الأيّام.(القدّيس بورفيريوس الرّائي)ليست التّجارب أقوى من نعمة الله.(الشّيخ يوسف الهدوئي).طوبى للإنسان الّذي تيقّن أنّه رأى وجه المسيح بين كلّ الوجوه.(المطران جورج خضر).كلمة تواضع بأصلها اللاّتيني تعني الأرض الخصبة.التّواضع هو حال تراب الأرض. يبقى التّراب في مكانه صامتًا، راضيًا بكلّ شيء، محوّلاً هذه النّفايات المنحلّة إلى ثروة جديدة، وعلى نحوٍ عجائبيّ. (المطران أنطوني بلوم)
قدّاس في غرفة الإعدام!.

   قال الأخ أوربان (الرّاهب المسؤول عن الحديقة واستقبال الضّيوف) للأب المدبِّر لشؤون الدّير، وهو يجفّف يديه بمنشفته الزّرقاء، :

   - أرجوك، يا أبانا الموقّر، أن تحذر من هذا المتقدّم إلى الحياة الرّهبانيّة، لأنّ ملامحَهُ – كما يبدو لي – غريبة عن سمات مَن تعوّدنا رؤيتهم يطلبون الانخراط في هذا الطّريق.

   ولمّا تأخر الأب الرّوحيّ في الرّد أو التّعليق على كلامه، أضاف معتذرًا:

   - على أي حال، أنا ذاهبٌ لأقتلع الحشائش الضّارة من أحواض البندورة الّتي تطلُّ عليها نوافذ حجرة الاستقبال. وسألبّي أي نداء، إذا لزم الأمر!.

   أما الأب برونو فقد رفع نظره إلى المتكلّم من فوق نظارته، ثمّ أغلق الكتاب وابتسم لمحدّثه قائلاً: "يا أخ أوربان، هدّئ من روعِكَ!. فالمُقبلون على الحياة الرّهبانيّة ليسوا كلّهم دائمًا آتين من معيشة هانئة مغمورة بالرّاحة والاستقرار؛ هذا ما أراه، من خلال خبرتي الطّويلة معهم".

   فقال الأخ البستانيّ: "أغلب ظنّي، يا أبتِ، أنّني أستطيع أن أميِّز مثل هذه الوجوه ما وراءها!. فهذا الشّكل، إمّا أن يكون لملاكم خطير أو لإنسان عربيد، فهو ليس طبيعيًّا كما ولدته أمّه، بل صاغته المغامرات الّتي دخل فيها!. وبناء على ذلك...

   أوقف الأب برونو فورًا الأخ عن التّمادي في هذا الكلام وهذا الحكم السّطحيّ والسّريع على الأمر ومن دون تريّث، ثمّ قام متّجهًا نحو الباب وهو يقول: "استنتاجُك حَسَنٌ، أيّها الأخ العزيز، وسأفكّر فيه، ولكنّني أودّ أن تعرف، حقًا، أنّ الله لا يحكم علينا من مظهرنا الخارجيّ، وكنيسته دائمًا تُدْخِل الأخصّاء في عداد أبنائها، وكثير منهم مجهولون ولا يُعْتدُّ بهم!.

   قبل أن يدخل قاعة الاستقبال، توقّف الأب برونو برهةً أمام الباب الخارجيّ. يبدو أنّ الأخ أوربان كان مصيبًا في رأيه؛ فهذا الرّجل المتّكئ على الكرسيّ الكبير باسترخاءٍ كان يشبه في هيئته إلى حدّ كبير أحد رؤساء العصابات المسلّحين الخطرين. بمجرّد سماعه صوت فتح الباب، وثب قائمًا في لمح البصر، وبدأ يُسلِّم على الأب المضيف بجديّة صارمةٍ مُعرِّفًا إيّاه بنفسه: اسمي "بوغدان غريلا". صباح الخير.

   ردّ الأب على تحيّته مبتسمًا: "المجدُ لربِّنا يسوع المسيح". (وهذا هو ردّ التّحية عندما يُبادر الآخر بالسّلام بقوله: "مَجِّد الله").

   ثمّ قال له مداعبًا: "يبدو أنّك لم تتعوّد قط على تقديم التّحية، كمسيحيّ!. تفضّل استرِحْ، وقُلْ لي مَنْ عرَّفك بهذا المكان، وما هو مطلبك؟".

    - منذ زمنٍ طويل، أيّها الأب، وأنا لم أُحيّي أحدًا قط، كمسيحيّ، بالرّغم من أنّني لا أجهل التّحية التّقليديّة المعروفة (لدى المسيحيّين في الشّرق)!. فأنا لست معتوهًا كما يبدو من شكلي، لكنّ رفاق السّوء شوّهوا وجهي...

   توقّف فجأةً عن الكلام ثم بدأ يقول: "... طبعًا أنت تلاحظ أنفي (المجدوعة). هذه كانت ثمنًا لأمورٍ كثيرةٍ فعلتُها"...

   - لا أهميّة لذلك مطلقًا، قال الأب بكلِّ هدوءٍ ووداعة، فأنا لا أنظر إلى أنفك بل إلى نفسك. فقُلْ لي، أيّها الأخ العزيز، ما هي بُغْيَتُكَ؟.

   أما هذا الشّخص المجهول فسكت قليلاً... وأخيرًا قال: "ليس لي أيّ طلب آخر سوى الالتحاق بالدّير".

   كان يتكلّم بعصبيّة ملحوظة. فردَّ عليه الأب الوقور بكلِّ رقّة: "ماذا بك؟. اهدأ، وخُذْ راحتك في الكلام، فلدينا مُتَّسعْ من الوقت".

   قال له الضيف: "أتعرف الأب ميخائيل؟".

   - نعم أعرفه.

   - إنّي كنت حارس زنزانته الّتي بَقِيَ فيها ثلاثة أسابيع قبل تنفيذ الحكم فيه، فقد كانت كلّ الغرف الصّغيرة الانفراديّة، للمحكوم عليهم بالإعدام، تحت حراستي.

   اضطرب الأب برونو قليلاً، بَيْدَ أنّ قلبه كان مفعمًا بالشّكر لله، فها هو صديقه الحميم، الّذي كان يودّ سماع أيّ شيء عن أخباره، يلبّي له تمنيّاته وهو في قبره. وهذا الإنسان الغريب يحمل له وصيته الأخيرة!. لقد ضبط نفسه بضع لحظات، ثم سأل ضيفه بصوت متقطّع: "ألم يعطِكَ رسالةً لي؟".

   - نعم، ولا، ففي عشيّة الإعدام، لم يقل لي سوى أن آتي لمقابلتك وأحكي لك عن كلّ شيء، لذا جئتُ. ولكن قبل مجيئي انقطعْتُ عن العمل، وطلبتُ إعفائي من وظيفتي، كحارس في السّجون.

   أما الأب برونو، الّذي كان يتمالك زمام نفسه، فقد بدأ يفقد الثّقة في محدِّثه ويأخذ حذره منه. فهذا الإنسان الّذي كان يتكلّم معه ليس فقط غير معروف، بل حتّى لا يحمل توصية كتابيّة، يمكن أن يؤخذ بها... لذا سأله بشيءٍ من الجديّة والحزم:

   - وما أدراني، الآن، أنّك لا تنصب لي فخًّا؟.

   - هو نفسه الّذي يؤكّد لك ذلك، فقد قال لي عشية موته: "يا بوغدان، إذا لم يصدِّقك، ذكِّره بالحديث الّذي جرى بيننا عندما كنّا متسلّقَين معًا شجرة الخوخ العالية في الحادية عشرة من عمرنا، وعلى قمتها جرى حديثنا وتَعَهُّدنا الّذي اتفقنا عليه".

   ذُهلَ الأب برونو بشدّةٍ لهذه المفاجأة. فهذا ما كان قد قرّره كلاهما، يومًا ما: أن يُعِدّا نفسيهما ليكونا مبشّرَين بكلمة الله، وأن يموتا شهيدَين "ومن يُحْكَمُ عليه بالإعدام أوّلاً ينبغي له أن يُخطِرَ الآخر". هذا ما تعاهد عليه الإثنان في يفاعتهما، على أن يكون سرًّا بينهما، لا يتحدثان به لأحدٍ، أيًّا كان. حقيقةً، كانت شجرة الخوخ هي كلمة السّرّ بينهما...

   بعد صمته الحائر لبضع لحظات، قال الأب برونو لضيفه بصوتٍ منخفض:

   - واصل كلامك!.

   أما بوغدان غريلا، الّذي أعيته الحيلة، وبدا عليه القلق والحيرة بشكلٍ واضح، فقد قال لمضيفه:

   - إذن، لا تقاطعني من فضلك، وأعطني فرصةً لأستكمل كلامي مرّة واحدة، لأنّني لم أتعوّد مثل هذه الأحاديث، ولكي أحكيها بدقة، أحتاج إلى وقتٍ كافٍ. بدأتْ معرفتي به حينما اقتادوه إلى المعسكر الّذي كنت أعمل فيه. وكان قميص السّجن الّذي يلبسه ملتصقًا بجسمه وتغطّيه بقع الدّم بكثرة؛ ومع ذلك، لم تظهر على هيئته أيّة علامة للحُزن أو الاكتئاب!. بدا لي هذا أمرًا مستغربًا للغاية، لأنّ الّذين في مثل حاله كان يبدو عليهم اليأس والغمّ الشّديد.

   وحين كنت مسؤولاً عن الأعمال الشّاقة، تمكنت من رؤية ظهره وصدره، وكما قلت لك سابقًا، فالكدمات تغطّيها الجراح الغائرة. لم ينظر إلي كعدو أو كخصم، بل كان يبتسم لي دومًا!. وهذا ما كان يشغل بالي جدًا، فكنت أفكّر: ماذا به حتّى يبتسم لي هكذا؟. في مساء أحد الأيام، وبعد توزيع وجبة العشاء، دخلت زنزانته؛ ومن هنا بدأت قصتي معه والتّعرّف إلى حقيقة شخصيّته.

   طلبتُ منه بنوعٍ من التّهديد: "ما الّذي يحملُك على الابتسام لي كلّما رأيتني؟. مع أنّك ستُعدم شنقًا بعد عشرة ايّام!". عندئذٍ قال لي: "هذا بالتّأكيد ليس شؤمًا، لكنّ المصيبة الكبرى أن نخسر علاقتنا بالله". لم أحتمل هذا الكلام فقلتُ له: "وماذا يَهمُّ إلهك إن كنتَ تُعدَم أو لا تُعدم؟. ولمَ لا يتحرّك لإنقاذك ممّا أنت فيه؟". فأجابني: "ما يهمّه هو أن يخلّصنا، وهذا ما فعله هو نفسه على الصّليب إذ أُعدِمَ هو أيضًا من أجلنا"...

   بدا لي كلامه عن الخلاص، صعب الفهم والقبول، فقلتُ له: "هذا الموضوع يتناسب مع راهبات متعبدات في ديرهنّ، لا مع شخص مثلك ومثلي. وها أنت، مع أنّك كاهن ومهمتك أن تنادي بهذا الكلام، فقد سمح إلهك أن يقبضوا عليك؛ لماذا؟". ثمّ قلتُ له: "انظر هاتَين اليدَين، أتعرف كم من الدّماء التصقتْ بهما!. إذن، فصليبُك المقدّس، هذا، ليس من أجلي!".

   ردّ عليّ في الحال: "بل، يقينًا وحقًّا، إنّه من أجلك، أنت أيضًا، مات الإلهُ على الصّليب!".

   توقّف بوغدان غريلا بضع لحظات متأثّرًا بما كان يحكيه، هو نفسه، ثم أخذ يقول: "كنتُ أظنّه يهلوس كمعتوه؛ فكففتُ عن الاستماع إليه، وانصرفتُ. إلاّ أنّ كلامه صار يشغلُ بالي ويقلقني بشدّة. وفي اليوم التالي، مساء، قلتُ له: "أرى أنّك لم تكن جادًا في ما كنتَ ترويه لي من قصصٍ؟". أجابني: "أي قصص؟"، ثمّ ابتسمَ!. فضحكتُ أنا أيضًا بملءِ شدقَيَّ، وقلتُ له: "عن إلهك الطّيب وصليبك المقدّس!. هذا الكلام الّذي أسخر منه". أما هو فقال لي: "ولكنّ الله لا يسخر منك، بل إنّه يحبّك!".

   قرعتُ صدري بانفعال شديد وقلتُ: "وهل هذا كلام معقول؟. الله يحبُّني أنا؟. أنا، أنا؟!. ولكي أُثبتَ له أنّ هذا ليس صحيحًا، بدأتُ أحكي له عن حياتي البائسة، حياتي الشّقيّة، بكلّ تفاصيلها!.

   - حياتي مليئة بالمآسي!. لم تكن عائلتي من الطّبقة المحظوظة الميسورة الحال. كنّا أحد عشر فردًا في البيت. والدي يعمل في مهنة البناء. وفي أحد الأيّام أُصيبَ بهبوط في القلب، ووقع من على "السّقالة" ومات في الحال. أمّا أمّي فأخذت تعيلنا فاشتغلت "غسّالة". كان لي من العمر ست سنوات، وأتذكّر أنّني، في إحدى الأمسيات، رأيتُ يديها منتفختَين كالإسفنج!. كانت تعمل طول النّهار، فلم تجد الوقت الكافي لرعايتنا، ونحن بدرونا نقضي جُلَّ وقتنا في الشّارع أو بقرب جداول المياه... تَشردنا كلُّنا. أما أنا فتعلّمتُ الاحتيال والسّرقة.

   وحين بلغتُ السّادسة عشرة من عمري، أقعدها المرض، ولحسن الحظ، ماتت حين قُبضَ عليّ. مع الوقت أصبحتْ السّرقة عندي هواية، وكأنّها نوع من الرّياضة!. فكنتُ أسرقُ، لا لأنّي كنت جائعًا، بل لأنّي أصبحتُ غاويًا للسّرقة، ثمّ بعد ذلك كنتُ أقتل حبًّا في القتل. كان منظر الدّم يسبّب لي النّشوة، كالخمر!. كنت أتلذّذ بالدّم عندما أراه يسيل على يديَّ!. ولكي أجعل الأب ميخائيل يشمئزّ منّي، حدّثته بكلّ جرائمي... رحّبَ بي الأبطال الإشتراكيّون الرّوس المتطرّفون، وفتحوا لي الباب على مصراعَيه واستقبلوني كأحد رفاقهم. وللتوّ، اقترحوا عليّ عملاً، فقالوا لي: "كنتَ مراقَبًا، أما الآن، فستكون أنت رقيبًا عليهم!". وفي الحال ارتديتُ اللّباس الرّسميّ اللّائق بالوظيفة الجديدة...

   في السّجن، ثمّة حاجة إلى أمثالي. فدفعوا لي مكافأة خاصّة، زيادة على راتبي. وفي كلِّ مرّةٍ، حين يُقاد شخص محكومٌ عليه بالإعدام إلى الموت، كنت أقول لنفسي: "ها هم قد نقّصوا واحدًا". هذه هي حالي، إلى أن أتى اليوم الّذي التقيتُ بهذا الأب، الكاهن الطّيّب. أفرغتُ له كلَّ ما في جعبتي عن قصة حياتي، جُملةً وتفصيلاً، حتّى عن أخطر الأمور وأعسرها، وبدقّةٍ أكثر ممّا أحكي فيها لك الآن... استغرق هذا عدّة سهرات، كنّا نبدأ فيها الحديث معًا، بعد وجبة المساء مباشرةً. أما هو فكان يستمع إليّ صامتًا ولا يحرّك ساكنًا.

   وفي إحدى الأمسيات قال لي: "أهذا كلّ ما تريد أن تبوح به، يا ولدي؟". تأثّرتُ جدًا من قوله لي "يا ولدي"، ودُهشْتُ للغاية. أما هو، فكان ردّه عليّ، بعد كلّ ما سمعه منّي: "أهذا لا يكفيك يا ولدي؟. دم المسيح كفيل بأن يغسلك ويُطهِّرك من كلِّ هذا. أتريد أن أصلّي لك ليعطيك الرّبّ الحلَّ والغفران؟".

   بصراحةٍ، لم أكن أتوقّع منه هذا مطلقًا!. فسخرتُ منه، في بادئ الأمر، ولكن لم ألبث أن أخذتُ أبكي بمرارةٍ وأشهق بشدّةٍ، ولأوّل مرّة منذ سنين، أحسستُ بأنّ شيئًا في داخلي بدأ يتحرّك. كان شيئًا مائتًا... ثمّ بدأتْ تدبُّ فيه الحياة...

   منذ ذلك اليوم، تعوّدتُ أن أزورَهُ في زنزانته كلّ مساء، وأقضي معه وقتًا طويلاً. أما هو، فيكلّمَني، دومًا، عن الأمور الدّينيّة. كنت قد تعلّمتُ القليل من مبادئ الإيمان المسيحيّ في المدرسة، في أثناء طفولتي، ولكنّني نسيتُها منذ وقتٍ طويل. ما كان يقوله، بدا لي كلّه جديدًا. كنت أشعر أيضًا أنّ كلّ ما يكلّمني عنه، يعيشه بعمقٍ!. فكان يعطيني من منهل خبرات حياته الشّخصيّة!.

   عشيّةَ يومِ إعدامِه، دعاني قائلاً لي: "هل يمكنك يا بوغدان أن تأتيني بقليل من النّبيذ وبرغيف من الخبز؟. فبي شوق حارّ لإقامة قدّاسي الأخير". أحضرتُ له كلّ ما طلب... وقبل أن يبدأ القّدّاس، أعطاني "الحلّ والبركة"، ثم قبَّلني قبلة المحبّة الأبويّة العميقة؛ فقلتُ له: "كيف تقدر أن تُقبِّلني هكذا بهذا الحنان وأنت قد عرفت أنّي إنسانٌ دنيء ملوَّث بالجرائم الكثيرة والعيوب الفاضحة؟"، فأجابني قائلاً: "إن لم أكن شبيهًا بك تمامًا، فليس الفضل لي في ذلك، لكن، هي نعمة الله الّتي حفظتني حتّى الآن. وفي هذه، يتساوى كلانا، فأنت وأنا، إنّما نخلص برحمة الله الواسعة الّتي لا حدود له". هذا ما قاله لي حرفيًّا. ولن أنسى ما حييتُ تلك اللّيلة!... وفي نهاية القدّاس..."...

   هنا توقّف بوغدان عن الحديث، لأنّ عينَيه اغرورقتا بالدّموع، فغطّى وجهه متأثّرًا باستعادة الموقف من جديد، ثم تابع حديثه: "... ثم دعاني وأشركَني في القربان المقدّس، ناولني أنا!. تخيَّل!".

   اختنق بالبكاء، مرّة أخرى، وصمت، أما الأب برونو، فتسمَّر في مكانه بلا حراك، مُطرقًا رأسه، وقلبه يخفق بشدّة ويتمزّق من الأسى؛ لكنّه، عاد وشكر الله قائلاً: "الآن عرفتُ، يا رب، ما هو السّبب الّذي جعلك تحرمني منه!".

   أخذ بوغدان غريلا يستكمل قصّته مع الأب ميخائيل: "بعد ذلك أعطاني عنوانك، وقال لي أن أحكي لك عن كلّ شيء وأن أعمل بما ستقوله لي. إلاّ أنّني كنت خجلاً من المجيء، حاملاً لك هذا الخبر المؤسف. بعد موته مباشرةً، طلبتُ إعفائي من وظيفتي. غير أنّهم لم يشاؤوا، في بادئ الأمر، التّخلّي عنّي بسبب خبرتي الطّويلة؛ لكنّ الطّبيب قال إنّ أعصابي قد أُتلفَتْ، ولم أعد قادرًا على تحمّل العمل. فوافقوا، أخيرًا، على ذلك، لا سيما حين رأوا أنّني أصبحتُ شخصًا آخر، غير ذاك الّذي عرفوه من قبل!. والآن قُلْ لي، يا أبتِ، ماذا عليَّ أن أفعل؟. مع العلم أنّني قويّ البأس ولا أخشى من القيام بأيّ عملٍ يُطلبُ مني!".

   أما الأب برونو، فأغمض عينَيه وسكت برهةً، ثم قال بكلِّ لطفٍ ودِعة: "يا ابني، إنّي أقْبَلُكَ هِبَةً ثمينةً مُرسَلةً لي من الأب ميخائيل. ولكنْ، أحبّ أن تضع في بالك دائمًا أنّ حياتك البائسة الماضيّة قد غُمِرَتْ بدم المسيح، فغُسِلَتْ وتنَقَّتْ تمامًا. من الآن فصاعدًا، يا ابني، احترس من أن تتكلّم عنها لأحد إلاّ في اعترافِكَ المصحوب بالشّكر أمام المسيح المصلوب، بل، حتّى إنّي أحذِّرُكَ من مجرّد التّفكير فيها، إلاّ لتقديم الحمد والتّسبيح لله من أجل رأفته الجزيلة الّتي غمرك بها، بسخاء كبير"...

   قال هذا، ثم اقترب من النّافذة المطلّة على الحديقة ونادى: "يا أخ أوربان، يا أخ أوربان!".

   جاء الأخ، واقتحم غرفة الاستقبال، دون قرع الباب، وبيده مِعْوَلٌ الحَفْرِ الصّغير؛ فابتسم الأب الرّوحيّ في وجهه الجادّ الّذي بدا عليه الذّهول الشّديد، لأنّه أحسَّ بخيبة في حكمه المتسرّع على الضّيف، الّذي كان يتوقّع التّخلُّص منه بسرعة، وإذا به، بدلاً عن هذا، يتوكّل بعملٍ دقيق وهام، من أجله!.

   قال الأخ الكبير: "يا أخ أوربان، هاك الأخ بوغدان طالب الرّهبانيّة الجديد. علِّمه قانون الصّلاة، وأفهمه واجبات العمل ونظام الصّمت...

   ثم أحاط بذراعه كتف "بوغدان غريلا" وقال: "أستودِعُكَ إيّاه، كما استُودِعْتُهُ أنا".


قصة حقيقيّة من أخبار الحقبة
الشّيوعيّة في روسيا.


المرجع:
لصوص الهة، حقّا قام، شهادات وقصص حيّة (1)، مطرانيّة بصرى وحوران وجبل العرب للرّوم الأرثوذكس (٢٠١٥).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share