عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
الطّريقان.

   هذه الرّواية قصّتها عذراء مكرّسة لله على أبيها الرّوحيّ، الّذي سجّلها بدورِه، تمامًا كما سمعها من فمها، لكي يسمعها الآخرون، ويستفيدوا منها روحيًّا:

   كان والداي، اللّذان جاءا بي إلى هذا العالم، على طرفَيّ نقيضٍ في صفاتهما، ومتعارضَين في اتّجاهاتهما في الحياة.

   كان والدي رجلاً صالحًا جدًا وديعًا  ومتواضعَا وطَيِّب المعشر ورحيمًا إلى أبعدِ الحدود وحكيمًا ورزينًا، لكنّه كان ضعيف البنية، لا أذكره سوى طريح الفراش في أغلب الأحيان، وشاحب وضعيف، إلاّ أنّه كان يحتمل ذلك بصبرٍ عجيب. لم يسمعه أحد يشتكي من دائه الوبيل المؤلم.

   في الفترات القليلة الّتي كان يخفّ عنه المرض، كان يباشر ممتلكاته، ويوزّع القسم الأكبر من الأرباح على الفقراء، وبالباقي كان يُعيل عائلته الصّغيرة المؤلّفة منه ومن والدتي ومنّي. إضافةً إلى فضائله الأخرى اقتنى والدي الصّمت، ونادرًا ما كان يتكلّم – فحَسِبُه الكثيرون أبكم – وهذا لأنّه كان يصلّي بعقله وبقلبه إلى الله، بلا انقطاع.

   وأما والدتي فكانت، على العكس، نموذجًا للمرأة الدّنيويّة. تحبّ بشغف تمضية الأوقات المسليّة واللّهو والثّياب والحليّ. كانت تعيش حياة بذخٍ وترفٍ، مما سبّب لنا ضيقاتٍ ماديّة كثيرة. كانت غاضبةً على الدّوام، تتشاجر مع الجميع داخل البيت وخارجه. كانت المسكينة غريبة الأطوار وكثيرة الكلام إلى حدّ أنّها كانت تعرف، ليس أخبار مدينتنا الصّغيرة فحسب، وإنّما ما كان يجري خارجها أيضًا. ولكونها أنانيّة، كانت تهتمّ بنفسها أوّلاً ومن ثمّ بعائلتها. ما كانت تُظهر أيّ اهتمام بزوجها، بل تزيد آلامه بكراهيتها الواضحة له. كانت على الرّغم من أخطائها وحياتها المتطرّفة، صحيحة الجسم، ولا أذكر أبدًا أنّها مرضت.

   توفي والدي وانا ما زلتُ طفلةً صغيرة. ورافق وفاته حدثٌ ترك في نفسي انطباعًا مخيفًا، فقد هبّت عاصفةٌ فريدة في قسوتها، ريح ومطر ورعود، حالت دون خروجنا لدفنه. وهكذا بقي جثمانه ثلاثة أيّام في البيت بلا دفن. أخيرًا، اضطّر رجلان من أقربائنا إلى نقله، بصعوبةٍ بالغةٍ، إلى المقبرةِ ودفنه على عجل، لأنّنا لم نعد نحتمل رؤية الميت في البيت.

   كان الأب الصّالح مرذولاً حتّى في موته، فلم تُجرَ له جنازة، الأمر الّذي دفع ببعض الجيران السّيّئين إلى تناوله بالسّوء وهم يرون شدائده وبؤسه فكانوا يقولون:

   - من يعلم ما هي الخطايا الّتي اقترفها، والّتي جعلتْ الله لا يسمح حتّى بدفنه.

   بعد وفاة والدي، سلكتْ والدتي منحدَرَ الحياةِ الأخلاقيّة من دون عائق، حوّلتْ بيتنا إلى وكرٍ للفساد، ولكنّها لم تعش طويلاً. توفيتْ فجأة بعد أن كانت قد بدّدت كلّ ما بقي من ثروة والدي. ولكنّ أصدقاءها أقاموا لها جنازةً فخمة، وكان الطّقس رائعًا، الأمر الّذي استرعى انتباهي بشكلٍ خاصّ.

   في تلك المرحلة، كنتُ قد تعدّيتُ سن الطّفولة، وأخذتْ اضطراباتُ الشّباب تُسيطرُ عليّ. أصبحتُ وحيدةً في العالم، لا حول لي، ولا أعرفُ أي طريقٍ سأسلكُ. وكانت الأفكار تعذّبُني وتقضّ مضجعي.

   كنتُ أقولُ لنفسي:

   - عليّ، قبل أيّ شيء، أن أُسيِّر حياتي بنفسي. ولكن، أيّ طريق سأسلكُ؟.  أمامي مثالان مختلفان: والدتي ووالدي. ذاك كان خيّرًا، ولكنّه بائس ومضطهد في حياته وفي مماته، لا يفارق مخيّلتي جسده غير المدفون. إن كان مرضيًّا لله، لماذا عذّبه إلى ذلك الحدّ؟. والدتي لم تعش حياةً فاضلةً – هذا خبِرتُه جيّدًا – ولكنّها كانت تملك كلّ ما يتمنّاه المرء من خيرات: الصّحة والمتعة والكثير من المعارف، ورحلتْ من العالم، وهي إلى حدّ ما يمكن القول إنّها كانت سعيدة.

   كلّما فكّرتُ في الأمر، وقارنتُ بعقلي الصّغير بين حالَيّ والدي ووالدتي، كنت أميل بالأكثر إلى اتّباع حياة والدتي. ولكنّ الإلهَ المحبَّ البشر تحنّن عليّ وقادني إلى الطّريق المستقيم، بطريقةٍ عجيبة.

   في إحدى اللّيالي، أويتُ إلى فراشي لأنام، وفي رأسي تجولُ الأفكارُ نفسها، رأيتُ في منامي حلمًا كشف لي الحقيقة. فجأة، شعرتُ وكأنّ باب غرفتي ينفتح ويدخل منه شابٌ ذو وجهٍ منير وجلالٍ كبير!. اقترب منّى وألقى عليّ نظرةً سريعةً، وكأنّه يريد أن يسبر أغوارَ قلبي.

   سألني بصوتٍ حازمٍ ولكنّه لطيف:

   - بماذا تفكّرين؟.

   تفاجأتُ وخفتُ وفقدتُ صوتي. ولكنّه أصرّ قائلاً: "اكشفي أفكارَك بسرعة".

   بقدر ما كان السّائل المجهول يزداد تشدّدًا، كنت أنا أذوب خوفًا. وعندما لم يأخذ جوابًا، أظهر بنفسه أفكاري الّتي كانت تعذّبني . قال لي بدقّة متناهية كلَّ ما مرّ بذهني، والّذي لم يكن يعرفه أحد سواي، الأمر الّذي لم أقوَ على إنكاره، ولم أستطع أن أبرِّر نفسي. هنا، سقطتُ عند قدميه كمذنبة، وتوسّلت إليه منتحبة لكي يسامحني، فبدا عليه أنّه اشفق عليّ، لأنّه غيّر أسلوبه فورًا، وأمرني: "اتبعيني".

   أخذني من يدي كالبرق، وجاء بي إلى سهلٍ فسيحٍ جدًا مملوءٍ نورًا وجمالاً، لن أحاول أن أصفه لأنّه لا يمكن وصف الأمور غير القابلة للوصف. كانت ثمّة كائنات مغبوطة تستمتع بسلام بتلك الجمالات الّتي تفوق هذا العالم، تعرّفت من بينها إلى والدي. ورآني هو أيضًا، فدنا مني وأخذني بين ذراعيه. يا للأمان والسّعادة اللّذين أحسست بهما هناك!. لم أشأ أن أنفصل عنه أبدًا، فتمسّكت به ورجوته ألا يدعني أذهب: "أبقِني إلى جانبكَ، دائمًا، يا والدي الصّالح".

   أجابني: " إنّ ما تطلبينه لا يمكن أن يحدث الآن. لكنّك إن سرتِ على خطاي، ستقيمين أنتِ أيضًا هنا، هذا يتوقّف على إرادتك".

   نظر إلي بحنان وقبّلني في عيني ليمسح دموعي.

   أومأ إليّ مرافقي لكي أتبعه ثانية. ولكن لم تكن لدي رغبة في مغادرة حضن أبي. عندئذٍ جاء ذاك وسحبني من يدي، قائلاً: "عليكِ رؤية والدتك أيضًا".

   تبعته حزينة لأنّه فصلني عن سعادتي. أخذنا ننزل وننزل أكثر إلى الأعماق، إلى مكان قذرٍ ومظلمٍ، تعمّه الفوضى. انقطعتْ أنفاسي من القذارة والخوف. هيئات مسوخ كانت تتنقّلُ في كلِّ مكان، نفوس بائسة تتعذّب بلا شفقة بلهيب لا ينطفئ. رأيت والدتي بينهم غارقةً حتّى عنقها في ما بدا لي حمأة قذرة، وكان صراخها يمزّق الأحشاء، وتنهداتها لا تنقطع، وصرير الأسنان المخيف فتّت قلبي. ويبدو أنّها عرفتني لأنّها انفجرت بنحيبٍ لا ينقطع: "ويحي أنا الشّقيّة، هذا ما جنيته بسبب لذّة عابرة، يأسًا وعذابًا لا نهاية لهما".

   كلمات يائسة كادت تُميتني حزنًا. استدارت والدتي البائسة ورأتني، فأخذت تصرخ يائسة: "أشفقي على مَن ولدتْكِ وربّتكِ، يا ابنتي، مدّي يدك وأخرجيني من هذا العذاب".

   ماذا كان بيدي أن أفعل؟. كانت نفسي تتفتّت حزنًا، مددتُ يدي معتقدةً أنّه يمكنني مساعدة تلك الّتي أتت بي إلى هذا العالم. لكنّني شعرتُ بألمٍ كبير وأنا أقتربُ من النّار فأطلقتُ صراخًا قويًّا.

   اضطرب الحيُّ من صراخي، وامتلأ بيتي بالنّاس الّذين وجدوني بحالةٍ يرثى لها. وظنّ الكثيرون بأنني فقدتُ عقلي، إذ استحال عليّ تفسير ما كان يجري معي. كنت أدلّ على الجرح البليغ الّذي خلّفَتْهُ تلك النّار في يدي لكي يعرفوا سبب الألم الّذي أصرخ منه.

   رقدتُ في الفراش مريضةً جدًا، مدّةً طويلة. وعندما أبليتُ من مرضي، سلكتُ طريق والدي من دون تردّد. وأنا أضع رجائي على إلهي ليخلّصني، ويؤهّلني للاشتراكِ بفرحه.


المرجع:
الخورية سميرة (عطية) (2009)، لبنان، مواهب وموهوبون – الجزء الثاني.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share