<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
محبّة الله وعنايته.
للقدّيس بورفيريوس الرّائيّ.

   كانت السّنوات ما بعد الحرب صعبة للغاية، والنّاس يجاهدون من أجل تأمين المعيشة. أمّا أنا، فكما قلتُ لكم، كنتُ وقتئذٍ في المستشفى وأتذكّر الكثير من الحوادث الّتي جرت هناك. إسمعوا إحداها:

   كانت "إيفي" في السّابعة عشرة من عمرها، تُقيم في الصّيف مع أهلها وإخوتها في "بوياتي". لديهم هناك بستان حمضيّات يبيعون ثماره. في مساء أحد الأيّام، أرسلتها أمّها إلى مخزن قريب لشراء الغاز من اجل المصباح، لأنّ الكهرباء لم تكن قد وجدت في ذلك الوقت. وأثناء عودتها إلى البيت صادفت "إيفي" في الطّريق شابًا، هو أحد زملائها في الصّف، أخذا يتكلّمان عن الدّروس، لكنّ المكان الّذي وقفا فيه كان خلف سيارة شاحنة. مرّ أخوها في تلك اللّحظة من هناك، ورآهما يتحدّثان. أساء الظّن، واعتقد أنّهما يختبئان، فقال لوالدته: "إيفي تُلحقُ الخجل بنا، إنّها تتحادث في الطّريق مع شاب".

   عندما وصلتْ "إيفي" إلى البيت، وبّختْها والدتُها بشدّة وضربَتْها. كانت المبادئ الأخلاقيّة قاسيّة وقتئذٍ. فتمرمرَتْ "إيفي" جدًا، واحتجّتْ لظلم أخيها وسوء ظنّه.

   في اليوم التّالي، عاد الأب إلى البيت بعد غياب، وكان تصرّفه مختلفًا، أي كان متفهّمًا وعاملَها بأسلوبٍ جيّد وقال لها: "أنا لا أُصدّق هذا الكلام، هيا معي لنسقي البستان. أنت ستجلسين، وحيثما ترين أنّ المجرى قد امتلأ تنادينني كي أحوِّل الماء إلى مجرى آخر".

   وهكذا تمّ. إلاّ أن "إيفي" لم تنم تلك اللّيلة على الإطلاق، اشتدّ عليها الضّيق والشّعور بالظّلم. يئست، وصمّمت على أن تضع حدًا لحياتها. وعندما انطلقت، في الغداة، مع أبيها إلى البستان رسمت خطة.: سوف تأخذ معها دواءً زراعيًّا سامًا، وفي المساء بعد الانتهاء من الرّي، ستشربه في الخفية وتموت. وفكّرت هكذا: "سوف أرى، هل يحبّونني؟". وهكذا إذًا، أخذت معها الدّواء ووضعته في جيبها، وانتظرت حلول المساء لكي تتناوله، ولم يتأخّر مجيء السّاعة الحاسمة. قال لها أبوها بعفويّة: "اذهبي إلى طرف البستان، وأغلقي حنفيّة الماء".

   ذهبت بسرعة، دون أن يراها أحد. وكان والدها بعيد عنها عدة أمتار. وضعت يدها في جيبها وهي ترتجف، فسمعت في تلك اللّحظة حركة، أحد ما يمشي. لم تكد تتحرّك حتّى ظهر أمامها كاهن مجهول، سلّم عليها وقال لها: "با ابنتي إيفي، أتعلمين كم هو جميل الفردوس!. إنّه نور وفرح وابتهاج. المسيح كلّه نور، ويشعُّ على الجميع بالفرح والسّرور. إنّه ينتظرنا في الحياة الثّانية، لكي يمنحنا الفردوس. ولكن يوجد الجحيم أيضًا، وكلّه ظلام وحزن ومضايقة وقلق وكآبة. إذا تناولت ما تحملينه في جيبك سوف تذهبين إلى الجحيم. إرميه فورًا، كي لا نخسر جمال الفردوس".

   فوجئت "إيفي" في البداية، ولكنّها بعد قليل قالت للكاهن، بعد أن رمت الدّواء دون أن تشعر: "انتظر لكي أنادي أبي فيراك".

   ركضت إلى داخل البستان، واختفت بين نصوب الذّرة الطّويلة، وهي تبحث عن والدها. وإذ وجدته، قالت له: "تعال، يا أبي، بسرعة لكي ترى كاهنًا، جاء من طرف البستان". ولكن عندما وصلا إلى المكان، الّذي ينبغي أن يتواجد فيه الكاهن، لم يجدا أحدًا هناك.

   بقيت "إيفي" وقتًا طويلاً، لا تستطيع أن تنسى كلّ ما حدث لها في ذلك المساء، ولم تستطع أن تفسّر اختفاء الكاهن، وقد تمنّت أن ترى من جديد ذاك الّذي أنقذ حياتها.

   كانت العائلة تعود في الشّتاء إلى "أثينا"، وكثيرًا ما تزور "إيفي" عرّابتها، الّتي اعتادت أن تستقبل في بيتها لاهوتيّين وتستضيف كهنة ورهبانًا. ففي إحدى المرّات، ذهبت "إيفي" لزيارة عرّابتها، وكان يوجد زائرٌ في غرفة الاستقبال، لم تعرف "إيفي" من هو. جاءت العرابة إلى المطبخ وقالت لإيفي: "حضّري يا إيفي القهوة والحلوى، وأحضريها إلى غرفة الاستقبال من أجل الزّائر".

   حضّرت "إيفي" الصّينية ولكنّها تأخّرت. وفيما هي ذاهبة لتقديمها لاقتها العرّابة وقالت لها: "لا هذه الصّينية، بل الصّينية الفضيّة، لأنّ الزّائر ذو شأنٍ". عادت "إيفي" إلى المطبخ وغيّرت الصّينية، وحملتها إلى غرفة الاستقبال، ولكن ماذا رأت؟!... كادت الصّينية تسقط من يديها. لقد رأت أمامها الكاهن الّذي ظهر لها في البستان، في ذلك  المساء العصيب.... فقال لها مبتسمًا: "أنا الأب بورفيريوس!".

   هكذا تعارف الأب بورفيريوس و"إيفي". ومنذ ذلك الحين تربطهم صداقة حميمة. أصبح لإيفي عائلةٌ وأولاد... لقد باركها الله. أرأيتم الأساليب الّتي يُمكن أن يستخدمها الله، عندما يريد أن يُخلِّص إنسانًا؟.


المرجع:

دير راهبات السّيّدة بلمّانا (٢٠٠٥)، الشّيخ بورفيريوس الرّائيّ (سيرة وأقوال)، منشورات راهبات دير السّيّدة بلمّانا، مؤسسة دكّاش للطّباعة، البوار، لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share