صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
الطّبيب "فلاديمير فيلاتوف".
العلّامة "فلاديمير فيلاتوف".

   الطّبيب "فلاديمير فيلاتوف" ، طبيب عيون أوكرانيّ عظيم، كان طبيب القدّيس "لوقا" أسقف "سيمفروبول".(1875-1965). أمّا سبب عظمته وشهرته، فتعبّر عنها هذه السّطور:

   تعرّف رئيس الأساقفة لوقا إلى الطّبيب والأستاذ والأكاديميّ "فيلاتوف"، وتواصل معه. كان باحثًا عظيمًا، استفاد منه الكثير من النّاس. وقد فتح الأستاذ دروبًا جديدة في علم الطّبّ.

    وكما كتب الأرشمندريت هـ . فاسيليبوس:

    امتلك الأكاديميّ "فيلاتوف" شيئًا آخر أيضًا، أحبّه النّاس من أجله، وهي الأخلاق الرّاقية. خلال حياته كلّها، كان مسيحيًّا أرثوذكسيًّا لا يعرف الخوف ولا يتزعزع. دعاه الكرملين، شخصيًّا، لإجراء عمليّة جراحيّة. بالإضافة إلى أدواته الشّخصيّة، حمل حقيبة كبيرة. لم يشكّل ما في داخلها سرًّا خافيًا على أحد. ففيها أيقونة بيزنطيّة قديمة ثلاثيّة الأجزاء. كان الحزب الشّيوعيّ بحاجة لعبقريّته النّادرة، فتغاضى عن "هذا الضّعف الرّيفيّ السّاذج".

    قبل إجراء أيّ عمليّة، كان "الرّجل العجوز" يحبس  نفْسه في غرفة ويصلّي جاثيًا على ركبتيه لمدّة ساعة تقريبًا. بعدئذ يخرج ويقول بهدوء: "أعطوني قميصي الأبيض".

    قيل إنّه لم يمت أحد من مرضاه في أثناء أيّ عمليّة أجراها، وهو إنجاز لم يتوصّل إليه أيّ جرّاح آخر.

عملة أوكرانيّة تحمل رسم الطّبيب "فيلاتوف".

    قال العديد من زملائه: "لا يؤمن الأكاديميّ "فيلاتوف" إلاّ بذاته"!. بيد أنّه حين كان يُسأل عن صحّة ذلك، يجيب: "كلاّ، إنّما لديّ إيمان لانهائيّ بالله"!.

    استبعد الحزب الشّيوعيّ من عضويّته كلّ شخص، في حال بدا أنّه مؤمن، لكنّ الحزبيّين تظاهروا بعدم ملاحظة ذلك في حالة "فيلاتوف". فجادوا عليه بهويّة الحزب، و"ببطاقته" الشّهيرة، وبسلّة كاملة من الامتيازات والألقاب والميداليّات.

قبر الطّبيب "فيلاتوف" في "أوديسّا"، "أوكرانيا".

    حين عُرف بوفاة "فيلاتوف"، فاضت المشاعر بشكل غير مسبوق. فوجب إجراء جنازته في أوديسا(حيث كان يعيش). وصلت مجموعة كبيرة من ممثّلي الكرملين الرّسميّين. تقرّر إجراء جنازة مهيبة له، وفي ختامها يُحرَق النّعش. غير أنّ أرملته أعطتهم وصيّته وطلبت أن تُقرأ أمام الجميع. صُعِق رسميّو الدّولة الحاضرون وكذلك محامي المقاطعة، الذي قرأها بصوت عالٍ:

    "باسم الآب والابن والرّوح القدس... أريد أن أُدفَن مسيحيًّا أرثوذكسيًّا حقيقيًّا. يجب أن يقوم بخدمة الجنّاز مطران من الكنيسة الأرثوذكسيّة وأن يرافق نعشي إلى مثواه الأخير...يجب أن توضَع بلاطة وصليب من الرّخام على القبر وينقَش عليها: "هنا يرقد خادم الله..." وينقش على البلاطة: "أترجّى قيامة الموتى..." أرجو إقامة قدّاس تذكاريّ على قبري كلّ عام...

    حين انتهت القراءة ، أعرب المسؤولون الحاضرون( الملحدون المعلَنون) عن استيائهم. اتّصلوا بالكرملين، فأُعطِيَت لهم التّعليمات التّالية: "يجب تنفيذ رغبة الرّاقد".

    بينما كان يتمّ نقل الرّاقد من المنزل إلى الكنيسة، تدفّق آلاف الأشخاص إلى الطّرقات صارخين: "حتّى وأنت ميت، فقد ربحت، أيّها الأب..." وانهمرت الدّموع من عيون الجميع.

معهد الطّبيب "فيلاتوف" .



المرجع:

"الطّبيب الجرّاح المبارك". ترجمة د.ريم منصور الأطرش.

من منشورات مطرانيّة بصرى حوران وجبل العرب للرّوم الأرثوذكس (2017)

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share