<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
إيليا دانيلوفيتش الممسوس بالسّحر الشيطاني!

إيليا دانيلوفيتش ناحية لوزيتسي حيث كان يعيش مع الرّاهب الكاهن جبرائيل حاملاً كتاب المزامير

       جاء ”إيليا دانيلوفيتش“ إلى الإيمان بطريقةٍ غريبة: بالمسّ الشيطانيّ!

       كان إيليا رجلاً وسيم الطلعة، فارسًا شجاعًا لا يخشى شيئًا في العالم، يعيش تحت سلطة جسده، وقد عرف الله وآمن به على أثر مسٍّ شيطانيّ.

       يروي ”إيليا“ عن توثّبات جسده أنّها كانت قوية وقوية جدًا. فمثلاً عام 1941، إبّان الحرب العالمية الثّانية، كان جنديًا على الجبهة ولكنّه جاع لدرجة أنّه كالسّكران قام وسار باتجاه معسكر الأعداء، تجتذبه رائحة اللحم المشوي. في البدء، تنبّه الجيش الألمانيّ لهذا العدو، لكنّهم لم يُطلقوا النّار. قرّروا الانتظار ريثما يقبضوا عليه في خندقهم. لكن عندما أدركوا دافعه الحقيقي، أعطوه بعض الطعام المطبوخ مع لحمٍ. أكل إيليا حتّى شبع وملأ خوذته وجيبه ليطعم زملاءه الجائعين.

       عندما عاد هذا الجندي الشجاع من الحرب، اختار، ومن دون تأخير، أجمل فتاة ليتزوّجها. ولكن سرعان ما تبيّن له أنّ مزاج الشابة وأمّها سيئان للغاية. اكتأب إيليا، إلا أنّ الطلاق في تلك النّاحية من العالم، في ذلك الزمان، كان غير واردٍ بالكليّة. عمل إيليا سائقًا بالأجرة لمسافات طويلة، وبذا وجد تعزية لنفسه، فقد كانت له، في كلّ مدينة يعبرها، صديقة وحتّى في منطقته، هذا ما أقرّ به تائبًا فيما بعد. ولم يطل الأمر حتّى عرفت زوجته بخيانته.

       لم تُجدِ نفعًا معه لا المشاجرات المنزلية ولا النّصح الأخويّ ولا تدخل المسؤولين في نقابة العمّال ولا محاججة رفاقه له. عندها اتخذت زوجته المُهانة قرارًا جذريًا.

       ذات يومٍ عاد إيليا إلى المنزل في وقتٍ متأخّرٍ بعد رحلاته الاعتيادية، فرأى، حين فتح باب الحديقة الصّغير، امرأة غريبة. والأغرب، أنّ طولها كان ما يقارب الخمسة أمتار ورأسها يطال السّقف! كانت المرأة متقدمة في السّن، من دون غطاء على رأسها، شعرها متدلٍ بضفيرة طويلة، ترتدي لباسًا قرويًا قديمًا. ومن دون أن تعيره أيّة انتباه، قامت العملاقة في دورة حول المنزل وهي تتمتم شيئًا ثم اجتازت من دون أيّة صعوبة سياج المنزل واختفت في الظلمة.

       كان إيليا سوفييتيًّا أصيلاً، لا يعتقد بالأمور الغامضة الباطنية. إلا أنّه في تلك الليلة لم يكن قد شرب أي مسكرٍ، لذا ما إن تجاوز خوفه الأوّل، ظنّ أنّ في الأمر هلوسات بسبب تعبه من السّفر.

       عندما دخل إلى المنزل، رأى زوجته وحماته تجهزّان له مائدة غنية. بان الأمر غريبًا، لأنّه لم يحظَ بهذه العناية منذ زمن من قبل هاتين المرأتين المشاكستين. أجلستاه بمحبّة، وسكبت له حماته الـ"فودكا" وابتدأت الوليمة الملكيّة. وإذ تذكّر الرّؤية الغريبة الّتي عاينها في الباحة، سأل ما إذا كان شيئُ غريبٌ قد حصل قبل وصوله بقليل. رفعت المرأتان أيديهما نافيتَين أي حدث غريب. وتدفّقت الـ"فودكا" وما لبث إيليا أن فقد الوعي تمامًا.

       في اليوم التالي استفاق إيليا في سرير زوجته. لم تكن هذه الأخيرة هناك. وإذ أراد أن ينهض، لاحظ بذهولٍ كبير أنّه غير قادرٍ أن يحرّك أي عضو من أعضائه البتّة: لا ذراعاه ولا قدماه كانت تطيعه. ومن ذعره حاول أن يصرخ لكنّه لم يستطيع سوى أن يصدر أنينًا خافتًا. وبعد ساعة (مرّت كأنّها الأبديّة) قدِمَت زوجته وحماته وامرأة أخرى. كانت تلك الأخيرة تشبه بشكلٍ لافت العملاقة الّتي رآها لدى دخوله إلى الباحة في اللّيلة السّابقة ولكنّها اتخذت الآن طولاً اعتياديًا. لم تُعِر النّساء أيّ اهتمام لأنين إيليا بل تفحّصْنَه من دون أي انزعاج، وتحاورن فيما بينهنّ بصوتٍ خافت، ثم غادرنه تاركينه وحيدًا.

       في المساء، عادت زوجته من جديد، مصطحبةً طبيب النّاحية. سمعها إيليا تخبره بدموعٍ سخيّة كيف أنّ زوجها عاد من عمله ثملاً للغاية، ونام، وفي الصّباح لم يعد باستطاعته الحراك. نُقل المريض، في اليوم التالي، إلى مستشفى المنطقة. بقي هناك شهرًا كاملاً. لم يستطع الأطباء معرفة سبب هذا المرض الغريب الّذي ألمّ، به وسمحوا له بالعودة إلى المنزل، وقد هَزُلَ جدًا، حتّى يُمضي بقيّة أيّامه هناك.

       في المنزل، كانت تنتظره الكوابيس: لم تُخْفِ لا الزوجة ولا الحماة فرحتهما بالنّصر وكانتا تترقبّان ساعة رقاد هذا الزوج الخائن والمُهين. وعندما ساءت حاله، أحضرت زوجته صانعًا للتوابيت وساعدته في أخذ القياس لزوجٍ مازال حيًا ولكن أخرس النّطق.

       رغم أنّه لم يفهم ما الّذي حصل له، قَبِل إيليا فكرة موته القريب وكان ينتظره من دون خوف.

الشيخ أثينوجينيس

       لكن ذات يومٍ، استغلّ أحد أصدقائه (كان رفيقه على الجبهة) غياب المرأتَين وجاء يزوره حيث كان ملقًى، أخرس في سريره. كان قد أحضر معه كاهنًا بثيابٍ مدنيّة. هذا اقترح على المحتضر أن يعتمد، على سرير مرقده، وأن يطلب معونة الله. لم يدرك المريض المعنى الحقيقي لِما كان يَعرضه الكاهن عليه ولكنّه بالحركة الوحيدة الّتي كان قادرًا أن يقوم بها أومأ برأسه موافقًا.

       لم تحصل أيّة معجزة بعد اعتماده، إلا أنّه لم يمت، ربما هذه كانت المعجزة بعينها. ثارت ثائرة زوجته وحماته بانتظار موته، حتّى فقدتا صوابهما. مضى شهر، استطاع بعده، إيليا، بكثير من الصّعوبة، أن ينهض من فراشه ويتكلّم بشكلٍ بالكاد مفهوم. بالإجمال كانت صحتّه ما زالت ضعيفة جدًا. وعاد رفيق الجبهة مجددًا لزيارته، بغياب الزوجة، وساعده على توضيب أغراضه، وأجلسه في قطار، وعبرا  سويّة  البلاد  إلى  أن  وصلا  إلى  دير  ”بسكوف-بتشيرسكي“،  حيث  التقيا بالشيخ أثينوجينيس *.

       وجد إيليا نفسه في عالم مجهولٍ وغريبٍ تمامًا عنه. ولكن بعد أن تحدّث مع الشيخ، وقام باعترافاته الأولى ومناولته، بدى وكأنّه قام حقًا من بين الأموات!! بعد أسبوع، كانت صحتّه قد تحسّنت بالكامل واستعاد معظم قواه. ارتاحت روح إيليا للشيخ كثيرًا، فكلاهما كان من أصل قروي بسيط. أعلمه الشيخ أنّ زوجته قد ألقت عليه لعنة شيطانية بسحرها كادت أن تودي بحياته، إذ إنّه لا يملك أيّة وقاية روحية. صدّق إيليا الشيخ واتبع تعليماته حتى شفي بالكامل.

الرّاهب الكاهن روفائيل

       لم يعد إيليا إلى بيته!! وصار سائحًا: تارة يعمل ويعيش في الدّير، وتارة أخرى يجول من كنيسة إلى كنيسة في كلّ الرّوسيا. لم يعد لديه بطاقة هوية. شاخ ولكنّه بقي قوي البنية. وإذ انتقل الرّاهب الكاهن ”روفائيل“ من دير بوسكوف إلى إحدى الرعايا ليخدمها، وذلك لأسباب سياسية، انتقل إيليا معه. سكن معه لفترة من الزمن، ثم إثر رقاد الرّاهب روفائيل، التحق إيليا بدير ”ستريتنسكي“، حيث لبس الثّوب الرّهباني باسم "إشعيا". هناك رقد بسلام في الرّب عام 2007.

 

 



       *  هو شيخ جليل من شيوخ دير بسكوف، متقدّمًا في السّن، عانى الاضطهادات والحرب والسّجن والمعتقلات مرارًا. أغدق الرّب الإله عليه بموهبة طرد الأرواح الشرّيرة، فكان يكفي أحيانًا أن يدخل المريض إلى قلايّة الشيخ، حتّى تبقى الشياطين في الخارج.


المرجع:

Archimandrite Tikhon (Chevkounov) (2013), Père Raphail et autres Saints de tous les jours, Editions des Syrtes (Suisse).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share