فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
أعجوبة والدة الإله الكليّة القداسة في كاسيوبي

   في الثّامن من أيار نُقيم تذكار الأعجوبة المذهلة الّتي أجرتها والدة الإله الكليّة القداسة والدّائمة البتوليّة مريم بأيقونتها في "كاسيوبي"* مع "استيفانوس" الّذي قُلعت عيناه ظلمًا ثمّ استعاد بصره بطريقة عجائبيّة**.

   حصلت هذه الأعجوبة عندما كان "سايمونوس ليوس بيلوس" حاكمًا لجزيرة كيركيرة (كورفو) اليونانيّة عام ١٥٣٠ للميلاد. في ذلك الوقت كان شاب باسم استفانوس عائدًا من  العاصمة إلى قريته بعد أن أنهى أعماله هناك، فالتقى في الطّريق بمسافرين آخرين وأكمل السّير برفقتهم. وقبل أن يصلوا إلى البلدة، عبروا ببعض الشّبّان العائدين من المطحنة حاملين أكياس الطّحين. وإنّ الشّبّان الّذين كان استفانوس معهم، إذ كانوا أشرارًا وميّالين إلى فعل الإثم، قالوا بعضهم للبعض الآخر: "ما الّذي يمنعنا من أخذ الطّحين منهم واقتسامه فيما بيننا؟... لا يستطيع أحد رؤيتنا".

   غير أنّ استفانونس، إذ كان رجلاً صالحًا، لدى سماعه هذا، حاول بطرق عديدة أن يمنعهم من تنفيذ مأربهم، قائلاً لهم أنّ مخططهم مخطط شرّير، ولن يفلتوا من العقاب كسرّاق وعاملي إثم إن أتمّوا فعلتهم. غير أنّهم، كالحيّة، أصمّوا آذانهم، ولم يكترثوا لنصائحه، بل حاولوا أن يحثّوا استفانوس على التّعاون معهم في السّرقة. لكنّه لم ينجرَّ لهم ولا بأيّة وسيلة. أمّا هم، فضربوا الشّبان، وأخذوا الطّحين منهم وهرعوا إلى بيوتهم حاملين الأكياس، فرحين.

   عندما عاد الشّبّان الّذين سُرقوا إلى بيوتهم فارغي الأيدي، باكين، سردوا لأقربائهم ما حصل لهم. فشرع هؤلاء الأقرباء بالبحث بجدٍّ عن السّراق حتّى استعلموا عن أسمائهم، ثمّ بلّغوا الحاكم بالحادثة وتفاصيلها.

   اتُّهم استفانوس بالاشتراك في العمل الشّائن للسّراق، لأنّ الشّبّان الّذين أُخذ منهم الطّحين رأوه سائرًا معهم، ولم يعرفوا أنّه حاول منعهم ورفض أن يساعدهم. أمّا المذنبون الحقيقيّون فقد اختبأوا إذ عرفوا ذنبهم، كي لا يتمّ توقيفهم ويعاقبوا من القانون. أمّا استفانوس،  فإذ كان يعرف نفسه أنّه بريئٌ، فإنّه كان يذهب إلى العاصمة في ضوء النّهار دون أن يشعر بالخوف من أحد. ولمّا قرُب من المدينة ذات مرّة، أوقفه جنود الحاكم وألقَوه في السّجن، إلى أن أوثق وأُوقف أمام الحاكم للاستجواب. سُئل عمّا جرى، فأخبر أنّه كان مترافقًا مع اللّصوص، لكنّه لم يشترك معهم في السّرقة وإنّه متهم ظلمًا. لكن عبثًا حاول، لأنّ أقوال استفانوس البارّ، بانت للحاكم كأنّها أكاذيب، واعتبره سارقًا مثل الآخرين.

   دين استفانوس ظلمًا بأنّه سارقٌ وطلب منه الحاكم أن يختار العقاب الّذي يفضّل، فإمّا تُقلع عينَاه أو تُبتر يداه. فاختار استفانوس أن تُقلع عينَاه إذ استبان له العقاب أخفّ من بتر اليدين. ساقه الجند وهو يبكي ويندب إلى مكان تنفيذ الحكم، حيث قلعوا عينَيه  أمام حشد من النّاس. إثر ذلك، أخذته أمّه وهي تولول إلى كنيسة القدّيس لعازر التماسًا للحسنة وطلبًا لالتفاتة محبّة من الإخوة المسحيّين.

   في كنيسة القدّيس لعازر، أخذ النّاس يسخرون منه ويعيّرونه معتبرين أنّه استحقّ جزاء فعلته كسارق. قلّة من النّاس أظهرت رأفتها به، لذلك، وبتدبير إلهيّ، فكّر أن يذهب مع والدته إلى كنيسة والدة الإله في "كاسيوبي"، وهي قرية لها مرفأ وتبعد ثمانية عشرة ميلاً عن مدينة "كيركيرا"***. توجد في هذه الكنيسة أيقونة عجائبيّة لوالدة الإله الكليّة القداسة. كان المرفأ هناك ملائمًا لاستقبال السّفن، فكانت ترسي فيه توقيرًا لوالدة الإله. وإذ كان استفانوس يفكّر بالذّهاب للبقاء هناك والاستعطاء من الحجّاج الآتين إلى الكنيسة لتكريم أيقونة العذراء، وافقته أمّه على الأمر.


داخل كنيسة السّيّدة في كاسيوبي

   وصلا إلى كنيسة والدة الإله وبعد تكريم الأيقونة هناك، كما هي العادة، سردا على الرّاهب المقيم في المكان، بزفرات ونحيب، النّائبة الّتي حلّت بهما. ثمّ طلبا منه قلايّة صغيرة يمكنهما المكوث فيها، فقال لهما إنّه إلى أن يأتي الأخ الّذي يحمل مفتاح القلايّة، باستطاعتهما البقاء في الكنيسة. وإذ كانت أمّ استفانوس مرهقة من السّفر نامت للتوّ.

   أمّا استفانوس فلم يستطع النّوم من الألم، فقط غفا قليلاً. وخلال اللّيل، ويا للعجب، أتته والدة الإله الملكة الكليّة القداسة! أحسّ استفانوس بيدين تلمسانه وتتحسّسان عينيه، فاستفاق صارخًا ومتسائلاً من كان يلمسه بهذه القوّة. فرأى سيّدة، شديدة البهاء يشعّ منها نور، ما لبثت أن اختفت. ظنّ أنّه يحلم وليس ما حصل له حقيقة. وإذ استدار رأى قنديلاً من الزّيت مضاءًا، وإذ كان ما يزال متعجّبًا متفكّرًا بالأمر، أيقظ والدته وسألها: "من الّذي أضاء قنديل الزّيت؟" وإذ ظنّت أنّ ابنها يهذي، أخذت تنتحب قائلةً له أن يصمت ويخلد إلى النّوم.

   إلاّ أن استفانوس استمرّ مصرًّا أنّ باستطاعته أن يرى قنديل الزّيت بالفعل وحتّى أيقونة  والدة الإله، وأنّه ليس موهومًا. ثم أخبرها بما حصل له، وأنّه ناداها، غير أنّها لم تسمعه لأنّها كانت نائمة. إذ ذاك أيقنت أمّه أنّ في ذلك تدخلاً  إلهيًّا، فقامت على الفور ونظرت بفضول إلى وجه استفانوس، فرأت أنّه صار له بالفعل عينان زرقاوان في حين أنّ عينَيه الأصليَّتَين كانتا جوزيّتَي اللّون. وفي غمرة الفرح والخوف أخذت تصرخ بصوت عالٍ وتبكي، وتمجّد الله وتدعو باسم والدة الإله مريم، كذلك فعل ابنها. ثمّ أخذا يصفّقان بالأيدي معظّمين الكليّة القداسة!.

   سمع الرّاهب خادم الكنيسة صراخهما، وإذ كان ذلك في وقت غير مناسب، غضب وأخذ ينتهرهما بأنّهما شرّيران وأنّهما نالا جزاءهما.  أما استفانوس وأمّه فكانا يخبران بعظائم الله. فيما بقي الرّاهب متعجّبًا غير مصدّق لهذه الأعجوبة المخيفة، دخل الكنيسة فانذهل لمشاهدته الرّجل الّذي كان أعمى، وقد صارت له عينان تبصران. وإذ امتلأ الرّاهب غيرة إلهيّة ذهب لتوّه إلى العاصمة كيركيرا حيث دخل على الحاكم في المحكمة، وأخذ يصرخ في وجهه وينتهره لأنّه لم يكن منصفًا في حكمه على استفانوس. أمّا الحاضرون فكانوا يحاولون إخراج الرّاهب من القاعة وهم يقولون له: "كيف تتجاسر أن توجّه كلامًا من هذا النّوع بحضرة الحاكم وتتصرّف بمثل هذه الغطرسة لديه؟!"  غير أنّ الرّاهب استمرّ يهتف بصوت عالٍ: "لو كان العقاب الّذي أنزلته باستفانوس حقّانيًّا، لما كان الله أعطاه عينَين جديدتَين بشفاعة والدة الإله". على الأثر، انتصب الحاكم مندهشًا لا يدري ماذا يقول، ثمّ أوفد بعضًا من رجاله المختارين للتحقّق من الأمر. فذهبوا. ولدى عودتهم أكّدوا أنّ ما قاله الرّاهب كان صحيحًا. أُعدّت السّفينة للحاكم، فاستقلّها مع بعض المتقدّمين من رجالات كيركيرا، وإذ وصلوا إلى الكنيسة رأوا بأمّ العين العجيبة الكبيرة فانذهلوا ومجّدوا الله...

   رغم ذلك بقي الحاكم بيلوس مرتابًا، ظانًا أنّ هذا الشّاب ليس استفانوس أو أنّه لم يتمّ قلع عينيه، تمامًا كما شكّك اليهود قديمًا بشهادة الأعمى الّذي منحه الرّبّ يسوع المسيح عينَين جديدتَين. غرابة العجيبة حدت بالحاكم والّذين معه بالشّك في الأمر. فلمّا عاد الحاكم إلى العاصمة، سأل الجلاّد: "هل قلعت عينَي استفانوس بحسب القرار الّذي  صدر بالفعل؟" فأجاب بالإيجاب وأكّد أنّ العينَين المقلوعتَين ما زالتا في حوضٍ. ثم ذهب الجلاّد  وأحضر العينَين وأراهما للحاكم، ساعتذاك تيقّن الحاكم أنّ ما حدث هو بالفعل عجيبة، خاصة عندما رأى أنّ لون العينَين يختلف عن لون العينبن اللّتَين أعطتهما إيّاه والدة الإله، وأنّ علامة المخرز كانت ما زالت واضحة على جفنَي الشّاب.


دير السّيّدة في كاسيوبي حيث توجد الكنيسة الّتي صلّى فيها الشّاب استفانوس

    أبقى الله على هذه العلامة حتّى تكون العجيبة المعلنة غير قابلة للتشكيك، بالإضافة إلى التّغيّر في لون العينَين. لأنّه لو بقي اللّون على حاله لكان النّاس قالوا إنّهما لم تُقلعا أصلاً. وهكذا استُعلنت العجيبة في كلّ جزيرة كيركيرة وصدّقها كلّ القاطنين فيها. ثم استدعى بيلوس الحاكم استفانوس الشّاب وطلب منه المسامحة على الظّلم الّذي ألحقه به عن جهل. ثمّ أعطاه عطايًا جزيلة. وبعد أن أحسن إليه كثيرًا أعاده إلى بيته. كما شرع بإصلاح وتجميل ساحة كنيسة والدة الإله بعناية كبيرة.

   الكثيرون من ضعفاء الإيمان بالرّب يسوع المسيح تشدّدوا بهذه الأعجوبة وآمنوا بكلّ المعجزات الّتي وردت في الكتاب المقدّس. 

   فلنهرع كلّنا ونلتجئ بإيمان وتُقى إلى العذراء مريم والدة الإله الواهبة النّور، طالبين منها أن تنير أعين قلوبنا، كي لا نسير في ظلمة الخطيئة. وبما أنّ لها الدّالة فلنسألها أن تتشفّع من أجلنا إلى الإله الّذي وُلد منها، كي يحررنا من كلّ تجارب الشّرير ويجعلنا مستحقّين الملكوت السّماويّ الّذي لربّنا يسوع المسيح، الّذي به يليق المجد والشّكر والإكرام والجلال مع أبيه الّذي لا بدء له وروحه الكليّ قدسه والواهب الحياة، الآن وإلى دهر الدّاهرين آمين.


المرجع:

   الأسقف متّياس لاغيس (١٩٩٤)، السّنكسار اليونانيّ في الكنيسة الأرثوذكسيّة، الطّبعة الخامسة، آثينا، اليونان.


 

تطواف بالأيقونة في أنحاء الجزيرة

طروباريّة باللّحن الأوّل

   هلمّ بنا نكرّم إيقونة والدة الاله في دير كاسيوبي في كيركيرا اليونانيّة، لأنّها منحت عينَين جديدتَين لاستفانوس المسافر الّذي أُعْمِيَ ظُلْمًا، والآن هي تُنير القلوب مضيئةً المسبّحين إيّاها بالتّرانيم. إفرحي يا باب النور الالهي، إفرحي يا مائدةً حاملةً الحياة، إفرحي يا بلاط الحاكم العادل وميناء السّلام.

القنداق باللّحن الثّاني

   إفتحي لنا باب التحنّن، يا إكليل حنان الأمّهات، وبحر البَرَكَة والصلاح، وفيضَ الرحمة التي لا توصف، يا سيّدة كاسيوبي، وكنز كيركيرا، يا بلاط الكلمة وحرز سلامنا الوثيق.


* كاسيوبي تقع في شمالي-شرقي ساحل جزيرة كيركيرة، في اليونان.

** مأخوذ من المعزّي الّذي نُشر في البندقية عام ١٧٢٧.

*** إنّ عاصمة جزيرة كيركيرة/كورفو اسمها أيضًا كيركيرا/كورفو.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share