<
الرّجاء ليس فقط رجاء بالله، بل بعمل الله في النّاس.(المطران جورج خضر).من كان مع المسيح كانت أموره، على هذا النّحو، بسيطة وسهلة وسلاميّة، ليس عنده يأس أو اكتئاب أو يعاني من مشاكل نفسيّة، أو تقلقه أفكار تافهة أو يتألّم بسبب الجراحات الّتي تراكمت عليه مع الأيّام.(القدّيس بورفيريوس الرّائي)ليست التّجارب أقوى من نعمة الله.(الشّيخ يوسف الهدوئي).طوبى للإنسان الّذي تيقّن أنّه رأى وجه المسيح بين كلّ الوجوه.(المطران جورج خضر).كلمة تواضع بأصلها اللاّتيني تعني الأرض الخصبة.التّواضع هو حال تراب الأرض. يبقى التّراب في مكانه صامتًا، راضيًا بكلّ شيء، محوّلاً هذه النّفايات المنحلّة إلى ثروة جديدة، وعلى نحوٍ عجائبيّ. (المطران أنطوني بلوم)
عسل المسامحة.

   كان الأب سابا، أحد رهبان الجبل المقدّس، يتميّز بمحبّته الكبيرة للآخرين. في أحد الأيّام زاره تاجرا عسل بهدفِ الاحتيال عليه. قال التّاجران بتقوى مصطنعة وهما ينحنيان ليقبّلا يده:

- "صباح الخير أيّها الأب، أعطنا بركتك".

   - "ليحفظكما الله يا ولديَّ".

   - "لقد أحضرنا إلى الشّاطئ عسلاً صافيًا، ذا نوعيّةٍ ممتازة، تفضّلْ، تذوّق بعضًا منه".

   تذوّق الأب سابا بعض العسل من إناءٍ صغير قدّماه له، وفعلاً كان العسل ممتازًا، وبما أنّ العسل والخبز اليابس هما من الأطعمة المعتادة في الجبل المقدّس، فقد قرّر الأب سابا شراء القليل منه. هكذا، نزل الأب إيلاريون، تلميذُ الأب سابا، إلى الشّاطئ مع التّاجرين، ثم عاد حاملاً معه إناءً من العسل. ولكن ما إن فتحاه حتّى أدركا أنّهما خُدعا، فقد كان الإناءُ مملوءًا بنوعٍ من الماءِ المحلّى لا طعم له، فيما ابتعد التّاجران عن القلايّة، سعيدَين لتمكّنهما من خداع الرّهبان.

   - "هذان السّاذجان!، كيف جرى لهما هذا؟".

   وصلا إلى الشّاطئ حيث المركب مسرعَين الخطى وقال الواحد للآخر:

   - "هيا لنغادر بسرعة قبل أن يدركا ما حصل ويلحقا بنا".

   في الأعلى، داخل القلاّية، لم يُبدِ الأب سابا أيّ انزعاجٍ من احتيال التّاجرَين عليه. محبّةُ الآخرين والسّلامُ الدّاخليّ ملكا قلبه، وكانت السّكينة تملأ كيانه وتظهر على وجهه.

   قال للأب إيلاريون: "هيا يا بنيّ إلى الكنيسة!، علينا أن نصلّي من أجل هاتَين النّفسَين. علينا أن نطلب من الله أن يرحمهما ليبتعدا عن هذه الخطيئة!، دعنا نُصلّي ثلاث مسابح لأجلهما".

   -  "مباركٌ يا أبي".

   في الحال دخلا الكنيسة الصّغيرة وركعا أمام أيقونة السّيّد وبدأا الصّلاة بالمسبحة: "أيّها الرّبُّ يسوع المسيح، يا ابن الله الوحيد، ارحم عبدَيك وأرشدهما إلى طريقك". سُمعت الصّلاة من شفاه الرّاهبَين، بينما كانت المسبحة تنساب بين أصابعهما.

   لم يتأخّر التّاجران عن الوصول إلى الشّاطئ، راكضَين خوفًا من أن يُكشف أمرهما. لكنّهما لم يحسبا حسابًا لقوّة الصّلاة!.

   بدأ الصّغير بينهما بسحب الحبل الّذي كان يربط المركب والبضاعة، ولكنّ الحبل انقطع فجأةً، فصرخ الإثنان وتساءلا فيما بينهما:

   - "أيُعقل هذا؟. غريب!. كيف حدث هذا؟".

   وقبل أن يستعيدا رشدهما من المفاجأة الأولى، هبّت ريح قويّة ودفعت المركب نحو العمق.

   - "المركب يبتعد! بسرعة، لنقفز إلى الماء للّحاق به"، صرخا كلاهما بقلق وغطسا في الماء.

   سبحا بصعوبةٍ كبيرة حتّى وصلا إلى المركب. تعلّقا بجانبه محاولَين الصّعود إليه. لكن،  في تلك اللّحظة اختلّ توازن المركب، واندفعت موجةٌ قويّةٌ مفاجئةٌ من الجهة الأخرى، ارتطمت بالمركب وجعلته يوشك على الانقلاب. اهتزّت أواني العسل وسقطت في أرض المركب وبدأ ينسكب كلّ ما فيها.

   - "يا لهذه الخسارة الّتي أصابتنا!"، صرخا متضايقَين عندما صعدا ورأيا ما حصل.

   - "آه يا صديقي!، كيف سأخبرك بالأسوأ؟"، قال الّذي كان ممسكًا بالنّقود.

   - "ما الّذي حصل أيضًا؟"، سأله شريكه بقلق، محاولاً إعادة ترتيب الأوعية المتساقطة.

   - "عندما دفع لنا الأب سابا النّقود، لم أضعها في جيب بنطالي وإنّما في جيب القميص، وبينما كنت أحاول الصّعود إلى المركب سقطت النّقود في الماء".

   - "يا إلهي! الآن فقدنا النّقود والعسل!"، قال الآخر بانزعاج.

   بعد دقائق، كانت بانتظارهما مفاجأة أخرى، فبينما كانت المنطقة المحيطة بهما هادئة ساكنة، هبّت حول المركب ريحٌ قويّةٌ مفاجئة. كانت الأمواج تعلو باستمرار وتهزّ المركب. حاولا بصعوبةٍ كبيرة قيادته، لكنّ الرّيح استمرّت تعصف بقوّةٍ والمركب يترجّح هنا وهناك، متوجّهًا بهما نحو صخورٍ خطرة.

   - "انتبه الصّخور!"، صرخ بأعلى صوته الممسك بما تبقّى من الأوعية.

   - "لا أستطيع!. هذا مستحيل!"، صرخ الممسك بالمجاذيف.

   - "اسحب أحد المجاذيف وثبّته على الصّخور لنُبعد المركب عنها".

   وهكذا سند قدمه على الصّخور وسحب أحد المجاذيف دافعًا به الصّخور ليبعد المركب عنها، لكنّ المجذاف علق في إحدى الصّخور ولم يخرج رغم كلّ محاولاتهما.

   - "لم يعد هناك أمل!، سيتحطّم المركب على الصّخور حتمًا".

   سحبتِ الموجةُ التّاليةُ المركبَ بعيدًا، وأمّا المجذاف فكأنّما يدٌ ما سحبته فسقط في الماء وتقاذفته الأمواج.

   - "متى سينتهي كلّ هذا؟!".

   - "أيّتها العذراء أنقذينا!"، صرخ أحدهما في لحظة يأسه.

   - "الآن نصرخ للعذراء؟!"، قال الآخر. "قبل قليلٍ سرقنا الرّهبان وداخل بستانها والآن نطلب مساعدتها!".

   بقي المركب يترجّح يمنةً ويسرةً، تارةً باتّجاه الصّخور وتارةً أخرى يعود إلى الوراء.

   - "أتعلم يا صديقي ما الّذي لفت انتباهي؟"، قال ذاك الممسك بالمجذاف وهو يحاول التّحكّم بالمركب. "في كلِّ مرّةٍ كانت الأمواج تضرب المركب لتدفعه نحو الصّخور، كانت تأتي موجةٌ من الجهة الأخرى وتبعده عنها. شيء غريب يحصل هنا!. هذه الأمور غير ممكنةٍ لقد قضينا حياتنا كلّها في البحر، لكنّي لم أرَ قطُّ أمواجًا كهذه!".

   - "معك حقّ!. الآن بينما أنت تتحدّث كنت أفكّر أنّ كلّ هذه الأمور حدثت معنا لأنّنا أخطأنا!".

   - "آه! لو كان معنا المجذاف الآخر، لكنّا عدنا إلى الشّاطئ لطلب المغفرة من الرّهبان".

   - "ليتنا نستطيع!".

   في الأعلى داخل الكنيسة الصّغيرة، كان الرّاهبان قد أنهيا صلاتهما. لم تكن قد مرّت نصف ساعةٍ منذ ذلك الوقت. وإنّ صلواتهما الممتلئة محبّةً صعدت كالبخور الزّكيِّ نحو عرش الله.

   في الأسفل، توقّفتِ الرّياح فجأةً وسكنتِ الأمواج الهائجة وعاد المركب يستعيد توازنه شيئًا فشيئًا.

   فقال التّاجران بصوتٍ واحدٍ راسمَين إشارة الصّليب:

   - "نشكر الله"...

   - "انظر المجذاف الآخر!"، صرخ أحدهما بفرحٍ، سأقفز لإحضاره.

   - "لاحاجة لذلك"، أوقفه الآخر. "ألا ترى؟. إنّ تيّار الماء يحضره إلينا، انظر، لقد هدأتِ المياه".

   - "حقًا!. والقعر أيضًا يبدو واضحًا، سنجد بالتّأكيد النّقود أيضًا".

   بعد قليل، صعد التّاجران التّائبان إلى قلاّية الأب سابا مع وعاءٍ مملوءٍ من العسل الصّافي.

   - نريد أن نعترف يا أبانا. نريد إخبارك بكلّ الأحداث العجيبة الّتي حصلت معنا في الأسفل.

   وبرأسٍ مطأطئٍ خجلاً من خطيئتهما طلبا المغفرة. وهكذا بمحبّةِ الأب سابا وعجائبِ الله انفتحت أعين نفسيهما. ومنذ ذلك اليوم لم يسقط التّاجران في هذه الخطيئة ثانية.


المرجع:

   الرّب قريب – قصص رهبانيّة من الجبل المقدّس، ترجمة راهبات سيّدة البشارة – حلب (2009).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share