بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تشوما المجرم الخطير.
جمعة الآلام وعيد الفصح في أحد معتقلات سيبيريا.

   كان "تشوما" فتى في السّادسة عشرة من عمره، من قطّاع الطّرق الخطرين، وكان يقضي عقوبات جرائمه الكثيرة في معسكر "أوستفيميوك" في "سيبيريا"، وكان فخورًا بسجلّه القضائي الّذي يفصّل أفعاله الشّائنة. وقد دُوّن في السّجلات الرّسميّة إلى جانب اسمه الحقيقيّ "نيقولاس نأوموف" لقب خاص يحمله منذ وقت طويل هو "تشوما المجرم الخطير" – هذا كان مدعاةً للمفخرة لديه في المعسكر. كان تشوما شابًا نشيطًا، كثير الحركة، يغلب عليه الدّهاء والمكر ولا تعوزه الحيلة في ما يصمّم عليه. كان يجرّد رفقاءه في السّجن من أيّ شيء بسيط يملكونه و بلمح البصر. كان مثاله الأخلاقيّ الّذي يسلك بمقتضاه ولا ينحرف عنه هو مبدأ زعماء العصابات: "ما هو لي هو لي، وما هو لك هو أيضًا لي!".

   كان الكلّ يخشاه، وهو بدوره لم يكن مستعدًّا لأن يُعرِّض نفسه لخطر الموت جوعًا مهما كان الثّمن. منذ ثماني سنوات خلت كان قد اعتاد التّجوّل في الطّرقات العامة ليسلب العابرين. وعندما استُجوب أمام محكمة الأحداث: "أين والداك؟". أجابَ بلهجة مثيرة للشّفقة: "ليس لي والدان!". فتساءل القاضي منذهلاً: "وكيف يكون هذا؟". أجابه: "هذا صحيح، ليس لي لا أبٌ ولا أمّ، فحينما كنتُ طفلاً جاءوا إلى البيت ليقتلوا أبي، أما أنا فأخذوني إلى أحد بيوت تربية الأطفال (على الإلحاد بحسب النّظام الشّيوعيّ). فليس لي إذن: لا أبٌ ولا أمّ!".

   وكان يوجد في المعسكر شيخٌ لطيف، يبدو على سيمائه الهدوء والوداعة، لحيته بيضاء ويضع على عينَيه نظّارة طبيّة عاديّة لا تُغري أحدًا. من أوّل يومٍ رآه "تشوما" وضعه في الحسبان ليكون أحد ضحاياه. ففي إحدى المرّات أثناء التّزاحم على باب "الكافيتيريا" الخاصّ بالسّجن، رأى هذا الإنسان الطّيّب وكأنّ نظّارته طارت في الهواء، بطريقة سحريّة عجيبة، ونزلت في جيب "تشوما". أمّا الشّيخ المسكين فلم يقدر أن يرى شيئًا بوضوح وكان يتعثّر في كلّ خطوةٍ يخطوها حتّى إنّ جبهته العريضة امتلأت بالأورام. اقترب منه "تشوما" وهمس في أذنه: "أعطِني حصّتك من السّكر فأردَّ لك نظّارتك". كان الرّدّ التّلقائيّ إبتسامة رقيقة وشكرًا حارًّا. تكرّرت الحادثة إلى أن جاء يوم قال له الشّيخ فيه بعد أن استردّ منه نظّارته: "اسمع يا تشوما، ما المنفعة من تعقيد الأمور؟. الأفضل أن نعمل إتفاقيّة أنا وأنت: لا تَعُدْ تأخذ منّي نظّارتي، وأنا أعدك بأنّي سأعطيك حصّتي من السّكر بشكل منتظم من الآن فصاعدًا".

   لم يثق "تشوما" بكلام الشّيخ وظنّ أنّه ربما ينصب له فخًا. ولكن، رغم كلّ شيء، أغراه الاقتراح، لأنّ لذة المغامرة والمرح للقيام بعمل بطوليّ قد بدأت تضعف لديه لتكرارها، فقال للشّيخ: "هذه أفضل فكرة ولا مانع عندي من تنفيذها". وافق "تشوما" مبدئيًّا على هذه المعاهدة ولكنّه اضطرب في داخله إذ بان له أنّ نوايا الشّيخ كانت صادقة. وكان أن قرّر، في يومٍ من الأيّام، أن يبوح للشّيخ بما يجول في نفسه، فبادره بالسّؤال: "لماذا أيّها الرّفيق، لم تغضب عليّ ولا مرّةً واحدة؟. أو لِمَ لم تذهب على الأقل لتشي بي لدى القيادة العامة؟".

   ابتسم الشّيخ وقال: "إذا فعلتُ هذا يا ولدي فلن يجعلك ذلك أفضل حالاً ممّا أنت عليه!". فصرخ "تشوما" وهو في غاية الاندهاش: "ولماذا تودّني أن أصبح أفضل؟". أجابه: "لأنّي أحبّك، وعندما يحبّ المرء فإنّه يودّ لمن يحبّه أن يصير على أحسن حال".

   انذهل "تشوما" لأنّه لم يعتقد أنّ ثمّة إنسانٍ يحبُّه، إلا عندما كان يتذكّر أمّه، كما في حلم، وهي تحتضنه طفلاً صغيرًا وتهدهده...

   لم يكن أحد يحبّه فعلاً، لأنّ كلّ من كانوا حوله كانوا يرهبونه. ففي "بيت الأطفال" لم يكن إلا صاحبَ الرّقم المرعب بالرّغم من الأنظمة والقوانين المُحْكمةِ والدّقيقةِ!. وفي السّنِّ الثّامنة لم يقدر أن يواصلَ الإقامة هناك فهرب ليلاً تاركًا نفسه لأيِّ تيارٍ يجرفه... منذ ذلك الحين لم يكن له بيتٌ يأوي إليه إلاّ الشّوارع والأرصفة؛ ولا أصحاب له إلا رفقاء السّوء من المشردين الّذين لا يمكن للمرء أن يحتفظ بمكانته بينهم ويحظى باحترامهم له إلا إذا كان بحوذته دائمًا خنجر حاد!. كان في تلك الفترة من الزّمن أطفال كثر روس يجوبون الطّرقات هائمين على وجوههم بلا دار ولا مأوى. ولمّا طالَ بهم التّشرّد أضحوا كالجوارحِ الصّغيرة...

   احتار تشوما، ولم يفهم لماذا هذا الشّيخ الوقور يبتسمُ له بلطفٍ، وما السّبب في أنّه تكلّم معه بغاية الأدب والذّوق ومعروفٌ عنه أنّه لصٌّ سجين وينبغي أن يكونَ هناك أُطرٌ للتّعاملِ معه أو لتكريمه. على أيّ حال، منذ ذلك الوقت أبى هذا الغلام أن يأخذ السّكر من الشّيخ.

   بدأ هذا الشّيخ اللّطيف يشغل بال تشوما بتزايدٍ ملحوظ، حتّى إنّه كان يتعمّدُ أن يلتقيه في الطّريق وكأنّه "بالصّدفة" لكي يطرح عليه ما يجولُ في خاطره من أسئلة... وفي يومٍ من الأيّام سأله عن اسمه في العالم قبل أن يدخل المعتقل فعرف أنّه كان يُسمّى "الأب فالير". فعرَّف هو بنفسه تاليًا قائلاً له: "وأنا أُدعى نيقولا ومدوَّنٌ بالكامل في جواز سفري: نيقولاس نأوموف".

   كان سجناء معسكر "أوستفيميوك" مرّةً ذاهبين ليعملوا بقطع الأخشاب (في الغابة القريبة منهم) فقال الأب فالير لرفيقه: "دعنا نرافقهم معًا وهناك ستكون لنا فرصة لحديث أطول". فرح تشوما وقال: "ولِمَ لا؟".

   وفي أثناء الوقفات القصيرة الّتي كان يُسمح بالتّدخين، كان تشوما يجلس على جذع شجرة بالقرب من الشّيخ الطّيّب. وبينما كان يلفُّ سيجارته لاحظ أنّ صديقه لا يدخّن، فقال له: "لماذا أيّها الأب العزيز لا تدخّن في حين أنّ كلّ النّاس هنا يدخّنون؟". أجابه: "هذا ليس من ضروريّات الحياة ويمكننا أن نستغني عنه لأنّ لا حاجة له. ثمّ إنّ الإفراطَ في التّدخين بعامة مضرٌّ للصّحة".

   - لكنّه مستحبٌّ لديّ جدًا، لأنّي بدأتُ أدخّن منذ أن كنتُ في الثامنةَ من عمري. فكنتُ ألتقط أعقاب السّجائر من صندوقِ القمامةِ.

   - وهل كان هذا يجعلك مسرورًا؟.

   - لا، لا بل كان يُثير فيَّ الميل للغثيان في البداية، ولكن بعد ذلك تجرّأت واعتدْتُ عليه...

   - أمّا أنا، فلم أتعوّد عليه. فمن أوّل سيجارة دخّنتُها فكّرتُ جدّيًا وبتعقّل فرأيتُ أنّ من الغباء أن أجعل نفسي عبدًا لها... مدى حياتي!...

   قطّب تشوما حاجبَيه آسفًا على ماضيه، فهذه فكرة لم تخطر على باله من قبل. ثم أخذ يُستثارُ فيه حبُّ المعرفةِ وأخذ يرهب من نظرات الأب فالير، الّتي كانت تبدو له من خلال نظارته المحدّبة أنّها تحرق أعماقَه. وبمرور الأيّام، لم يعد يقدر أن يمسكَ نفسه أكثر عن الكلام فسأل الشّيخ: "أيّها الأب العزيز ما الّذي أتى بك إلى هنا لتكون بيننا نحن الأشقياء بحقّ؟".

   - إنّني هنا يا نقولا، من أجل الإيمان بالله!.

   فقال تشوما وهو في غاية الاندهاش: "الإيمان بالله؟.. إذن أنت جاسوس".

   - يتّهمونني بذلك لأنّهم يريدون أن يجدوا علّةً (ظاهرة) ليحاكموني بسببها.

   - بناءً على ذلك أنت لست جاسوسًا؟.

   - لا يا ابني لستُ جاسوسًا، ومهمتي الدّينيّة الّتي كنت أمارسها لم تكن في الخفاء بل علانيةً، ولكنّ الّذين يريدون أن يُزيلوا ذكر الله من النّفوس يعتبرون أنّ الإيمان به جريمة. لأجل ذلك أنا هنا.

   - ولكن ما هي مهنتك؟.

   - كاهن... أي أُبشّر بحقائق الإيمان لمن لا يعرفونها.

   وبدأت محبّة تشوما وثقته بصديقه الجديد تزداد، فردّ عليه من قبيل المداعبة: "أمّا أنا فمهنتي الأساسيّة: لصّ، ولكن أؤكّد لك أنّي لصّ طيّب وأُجيد مهنتي تمامًا!".

   ابتسم الأب فالير وقال: "منذ متى وأنت تمارس هذه... الحرفة؟".

   - منذ أن هربتُ من "بيت التربية الاجتماعيّة للأطفال". في البداية اعتدْتُ السّرقة من أجل سدِّ حاجتي. أما بعد ذلك فكنت أمارسها كنوعٍ من الرّياضة وحبّ المغامرة، فكنتُ أُسلّي نفسي بأن أخدع النّاس، وكلَّ مرّةٍ كنت أنجحُ فيها كان يغلبُ عليّ المرح.

   - وأين كنتَ قبل أن تُودَع في "بيتِ تربيّة الأطفال"؟.

   - لا أتذكّر شيئًا، لأنّي كنت طفلاً صغيرًا (٤ سنوات). وكلُّ ما أعرفه أنّهم قتلوا والدي أما أُمّي فقد أوْدعوها السّجن. ربّما تكون الآن قد أُطلق سراحها، ولكنّني أخجل أن أبحث عنها وأنا على هذه الحال. والداي كانا من الطّبقة البرجوازيّة، فهم يُعتبران من أعداء الشّعب.

   - الأم هي دائمًا أم!. قالها الأب فالير بلطفٍ وهدوء وتابع: "وما من أحدٍ يحبّك كما تحبّك هي. ولن يحبّك أحد مثلها، بل وأكثر منها، بلا شكّ، إلا والدة الإله الّتي حبّها لك هو انعكاس لحبّ الله لك...

   كلمات الأب فالير هذه فتحت أمام تشوما باب الإيمان... وبدأت تطغى عليه أحاسيس جديدة: شيءٌ من النّدم، ومن الخجل... ثمّ هذه الذّكرى المُعذّبة وهذا السّؤال المُحيّر: هل أمّه ما زالت على قيد الحياة؟ أو أنّها ماتت؟. فجأة خطرت بباله لفظة "يتيم" الّتي طالما سمعها دون أن يفهم معناها. أمّا الآن فبدأت تأخذ لديه أبعادًا جديدةً لا تقبل الشّكَ مطلقًا.

   في صباح اليوم التّالي قابله الأب فالير فلمّا وجدَه على غير عادته سأله: "تشوما لماذا أنت كئيبٌ؟"...

   لم يُجب بشيءٍ وهمّ بالانصراف، فخطرت ببالِ الأب فالير فكرة رائعة. للحال عرضها عليه: "نيقولاس، أتريد أن تتعلّم القراءة والكتابة؟".

   - وما الفائدة من ذلك؟.

   - إنّها ستمكّنك من قراءة الجرائد اليوميّة... والكتب... بل ستستطيع الكتابة إلى أمّك.

   - وما جدوى ذلك؟. ربّما تكون قد ماتت.

   - وكيف تتيقّن من الأمر؟.

   منذ ذلك اليوم، بعد إعداد الطّعام للجنود وأعمال التّنظيف المرهقة، اعتاد كلاهما أن يتقابلا في آخر المعسكر. الأب فالير ومعه قطعة من الفحم كان يرسم بها أحرف الأبجديّة على أيّة ورقة يجدها، وكان تشوما يردّدها بصوتٍ منخفضٍ... حتّى أتقنها قراءةً وكتابةً...

   في الخريف أُصيب تشوما بحمّى شديدة، ولم تكن هناك مستشفى. كان أمثاله يموتون من سوء الرّعاية عندما كان يقبل عليهم الشّتاء ببرده القارص. بَيْدَ أنّ الأب فالير أخذ على عاتقه أن يعمل كلّ ما في وسعه لرعايته والسّهر عليه. وكأمٍّ تغذّي رضيعها كان يجمع بعض الأعشاب ويسلقها ثم يطعم مريضه الّذي كان يعاني ويئنّ من الحُمّى الشّديدة. لم يكن لتشوما عهدٌ بمثل هذه المعاملة الرّقيقة قط. حاول عبثًا أن يعرف ما هي الدّوافع الأساسيّة لهذا الاهتمام الفائق. ذات يوم، بعد أن عبر المرحلة الخطرة بسلام، سأل ممرّضه بلهجة حادة: "لماذا تعمل معي كلّ هذا؟".

   -  وماذا عملتُ؟. قالها الأب فالير باندهاش.

   - إنّك تُدلّلني كما يُدلَّل الصّغار.

   - هذا يا ولدي يدخل أيضًا في صميم عملي.

   حاول تشوما جاهدًا أن يفهم ما معنى كلام الشّيخ فقال له: "إذن أوضح لي قليلاً اختصاص مهنتك".

   منذ ذلك اليوم شرع الأب فالير يشرح لتشوما ألف باء الإيمان المسيحيّ: أي المحبّة الأخويّة الّتي كان يُعطي عنها مثالاً عمليًّا أمامه.

   عندما تعافى تشوما تمامًا، أخذ يستغلّ كلّ لحظةٍ يكون فيها كلاهما بلا عمل ليستفيد من معلّمه. أما الأب فالير فباحتراسٍ شديد للغاية كان يُخرج من تحت قميصه الخارجيّ كتابًا قديمًا ملفوفًا بعنايةٍ بخرقةٍ بالية، وكان يقرأ له منه بصوتٍ منخفضٍ كلام الإنجيل،  أمّا تشوما فكان يُصغي بانتباه. وكان كلّه آذان، إلّا أنّه لم يقدر أن يُطبّق بحرص ما يسمعه بسبب عاداته القديمة الّتي لم يكن قد تخلّى عنها. ولكن، شيئًا فشيئًا، بدأ ضميره يستيقظ، وأخذ يتذكّر أفعاله القديمة بنوعٍ من الأسى...

   قالَ له الأب فالير: "لا بدّ أن تكون قد تعمّدْتَ في طفولتك يا نيقولاس، وهذا ما يُنير بصيرتك ويفتح أُذنيك وقلبك".

   وأكثر ما أثّر في تشوما وجعله في غاية الفرح قصّة اللّص اليمين، لأنّه ما إن سمعها حتّى صاح بابتسامة عريضة: "أترى أيّها الأب العزيز كيف كان يسوعك (الّذي طالما تُكلّمني عنه) يحبّ اللّصوص وقطّاع الطّرق!".

   فجاوبه الأب فالير ووجهه يُشع بالفرح: "إنّه يحبّنا كلّنا ولكنّك على حقّ فيما تقول لأنّ يسوع فعلاً يحبّ الخطأة بأكثر سخاء، لأنّهم بحاجة أكبر إلى رحمته وحنانه".

   - إذن يسوعك يُحبُّني!. هل أنت متأكّد من هذا؟.

   - أترى هذه الأرض الّتي نحن جالسون عليها ونحسّها بأقدامنا؟... فإنّي متيقّنٌ من حبّه أكثر ممّا أنا متيقّن من جلوسي هنا!...

   كان هذا يفوق إدراك تشوما الرّوحيّ الّذي بالكادِ بدأ يتفتّح، فعلّق على كلامِ محدّثه: "بناءً على ما تقول، أيّها الأب العزيز، يجب على الإنسان أن يجاهد كي يكون لصًّا إذ إنّ يسوع يحبّ أمثالنا بصفة مميّزة ويذهب بهم إلى الفردوس"...

   حاول الأب فالير بصبرٍ بالغ أن يشرح له موقف اللّص اليمين قائلاً: "إنّه عندما كان يسرق ويقتل لم يكن يعرف بعدُ ذاك الّذي سيخلّصه!. كذلك أنت يا نيقولاس عندما كنت تسرق لم تكن تعرف يسوع. أما الآن فأنت إنسان آخر وحالتك تختلف عما كنت عليه... الآن يا نيقولاس ليكن في علمك أنّك إذا فعلتَ الشّرَّ فكأنّك تصلب يسوع مرّة أخرى".

   كان الفصل ربيعًا عندما كان يتحدّث الأب فالير إلى تشوما، وهو أيضًا موسم الصّوم الكبير (وقد شارف على النّهاية)، فكانت الفرصة مؤاتية كي يقرأ ويشرح له عن آلام الرّبّ يسوع... فما إن أدرك تشوما غايتها الخلاصيّة حتّى صاح مندهشًا: "إذن هل صحيح أنّه مات ليخلّصني؟. هل هذا ممكن؟".

   - نعم إنّه مات من أجلك، وبهذا أعطانا مثالًا للحبّ الحقيقيّ لكي نعطي نحن أيضًا حياتنا من أجل إخوتنا.

   وبعد سحابة من الصّمت تأمّل فيها تشوما فيما قاله له الشّيخ، سألهُ: "قُل لي إذن، أيّها الأب العزيز: هل يمكنك أنت أيضًا أن تعطي حياتَك من أجلي؟".

   ابتسم الأب فالير وقال: "بكلّ تأكيد!. لأنّ هذا أيضًا من صميم عملي".

   في مطلع الموسم الرّبيعيّ لتعويم الأخشاب ونقلها عن طريق النّهر، ثم شحنها، بعد ذلك، في السّفن الكبيرة، جرى حادث مؤلم في معسكر "أوستفيميوك": ففي إحدى هذه الشّحنات الثّقيلة الّتي لم تُرصَّ جيدًا تفكّكتِ الرّبطُ ومن ثمّ اختل توازن المركب واندفعت الأخشاب جهة النّهر. كانت الصّدمة رهيبة، فصرخ تشوما، وفي قفزة واحدة طار إلى مكان الحادث، فإذا به يشاهد الأب فالير مطروحًا على ظهره، وقطعة خشبٍ كبيرة تكاد تسحق صدره. ومن فمه المنفتح قليلاً كانت تخرج فقاقيع حمراء... كانت عيناه مفتوحتَين. لم يُبدِ أيّة حركةٍ، وبدأ الدّم يسيل من فمه بغزارة.

   في سرعة خاطفة أعدّ تشوما مِحملاً وأسرعت كلّ الفرقة العسكريّة للاشتراك معه في إنقاذ المصاب. نقلوه إلى المنطقة الّتي فيها الطّبيب المسؤول. فلمّا عاين المصاب أقرّ أنّه ليس بمقدوره عمل أي شيء لإنقاذه لأنّ القفص الصّدريّ أطبق على الرّئتَين وعجنهما.

   لم تقدر لا التّوسّلات ولا التّهديدات أن تُجبر تشوما على ترك سرير المحتضر. وإذ كان جالسًا القرفصاء على الأرض كعادته كان يبكي بدموع سخيّة.

   فجأة فتح الأب عينَيه وقال له بصوتٍ قويّ: "اليوم الجمعة العظيمة!". ثمّ التفت إلى تشوما الّذي كان ينتحب بشدّة، وقال له: "كُفَّ عن البكاء يا نيقولاس!. فها أنت ترى أنّ الموت ليس شؤمًا ولا هو بليّة ولاسيّما اليوم".

   رفع تشوما رأسه متحيّرًا ومندهشًا لهذه المفاجأة وهذا الكلام وتساءل: "لماذا اليوم بصفة خاصّة؟".

   - نيقولاس... أنت لا تفهم الآن، لكنّك ستفهم فيما بعد!. الآن وقد بتّ تعرف جيّدًا أن تقرأ وتكتب، أرسل فورًا بعد موتي رسالة إلى السّلطات السّوفيتيّة العليا، حتّى يبحثوا لك عن والدتك. لا بدّ أنّها تتوق لرؤيتك...

   كان تشوما يسمع من دون أن يعي جيّدًا ما يُقال له. كانت الكآبة الشّديدة بيّنة على ملامحه فجأة طفق يقول: "بناءً على ما قلتَه لي سابقًا، فهل من أجلي أنت تموت الآن يا أبي؟".

   ولكنّ الأب فالير كان قد أغمض عينَيه لتوّه وأسلم الرّوح. أخذ تشوما ينتحب بمرارةٍ مؤثّرة للغاية. حاول رفقاؤه عبثًا أن يبعدوه عن المكان، فلم يشأ أن يترك جثّة أبيه وصديقه ولا دقيقة واحدة. فبقي بجانبه يفكّر بعمقٍ، وإذا به يرى وجه الأب فالير وعليه مسحةٌ من السّلام العجيب ويَفيض منه نورٌ بهيّ!.

   عندما جاء المحكوم عليهم بالأشغال الشّاقة وهم من أشرس المساجين، ليرَوه، أحسّوا بالهيبة والخشوع فأخذوا يرسمون على أنفسهم علامة الصّليب رافعين قبّعاتهم توقيرًا.

   دُفن هذا الأب الموقّر في سَحر اليوم الثّالث من انتقاله. وكم كانت دهشة المعسكر كلّه عندما فوجئوا بهذا التّطابق العجيب، إذ كان هذا اليوم هو عيد القيامة المجيدة، فأحسّوا جميعهم أنّهم اشتركوا في أفراحها سريًّا.

   كانوا وقوفًا كلُّهم بلا ترتيب ولا نظام بجانب الحفرة الّتي احتفروها على الفور وجاؤوا ليودعوا فيها الأب فالير. كان تشوما قد توقّف عن البكاء. وبينما كان الرّفقاء يطمرون المقبرة ركض إلى أعلى مكان يُطلُّ على المعسكر وصاح بالصّوت الملآن وبكلّ قوّته: "كريستوس فوسكريزي! (أي المسيح قام!).

   أحسّ الجميع بالمهابة. ثمّ إنّهم بصوتٍ واحدٍ طنّ كالرّعد ردّدوا ومعهم كلّ الجنود الحرّاس: فواستينو فوسكريزي! (حقّا قام!).

   وهكذا افتقدتِ النّعمةُ معسكر "أوستفيميوك" فكان لهم عيد قيامة حقيقيّ.

   وبمناسة عيد الفصح أُعطي لكلّ المحكوم عليهم بالأشغال الشّاقة راحة من العمل، فانتهز نيقولاس نأوموف الفرصة وأخذ ورقةً بيضاء وبدأ يكتب عليها أوّل رسالة في حياته. كان يرصّ الكلمات بصعوبة في خطٍّ مستقيم ولكن بعناية شديدة على قدر استطاعته...

   "إلى السّلطة السّوفياتيّة العليا، أنا في السّادسة عشرة من عمري، وأبحث عن والدتي. فُصِلْتُ عنها عندما كان عمري ٤ سنوات. ربّما تكون حيّة. أتمنّى أن أراها ثانية. أيّها الرّفقاء إبحثوا لي عنها وإذا وجدتموها أعلموني بذلك. ما زال أمامي ثلاثة أشهر في السّجن. ودمتم في سلام!. نيقولاس نأوموف".

   في يوم عيد القيامة هذا، في إحدى مدن الولاية كانت امرأة شابة، يبدو عليها الحزن المرير. هذه تعوّدت أن تأتي وتصلّي أمام أيقونة والدة الإله "قازان". كانت خدمة القدّاس الإلهيّ تُقام بأكملها في الكنيسة الصّغيرة الّتي كانت تكتظّ بالمصلّين. وبعد أن ختم الكاهن المتقدّم في السّنّ قدّاس العيد وقف مجدّدًا في الباب الملوكيّ ليُطلق صيحة البهجة الصّادحة بالقيامة: "المسيح قام!" فسُمع دوّي بصوتٍ واحدٍ يقول: "حقّا قام!".

   وبعد أن فرغت الكنيسة تدريجيًّا من المصلّين بقيت هذه السّيّدة المسكينة المثقلة بالأحزان وعيناها شاخصتان إلى أيقونة والدة الإله، ومثبتّان على وجهها الوديع. كانت تُصلّي من دون أن تتفوّه بكلمة، ملقيةً همّها على الله القادر على كلّ شيء...

   اثنتا عشرة سنة مضت منذ ليلة الهَوْل والرّعب عندما صُرعَ زوجها وانتُزع منها بالقوة ابنها الوحيد البالغ من العمر أربع سنوات، طفلها نيقولاس، الّذي لم ترَه منذ ذلك الحين!. هل ما زال بعد على قيد الحياة؟. أم عليها أن تبحث عنه في سجلّات مداخل الأضرحة العامة؟. لم تكن تعرف إلا أمرًا واحدًا: أنّ والدة الإله قادرة على صنع المعجزات، إذ لها دالة عند ابنها وهي اختبرت آلامًا أشدّ لذلك باستطاعتها أن تشعر بعذابها. فكانت تقول لها: "يا كليّة الطّهر والقداسة، يا أمّ إلهي، اليوم هو عيد القيامة وها أنا أعاني من ضيق شديد، ابنك قام وأنا لا أعرف إن كان ابني حيًّا بعد أم لا؟!. يا أمّنا، يا سيّدة "قازان"، تحنّني عليّ!". وفجأة أضاء نور في هذا المكان الظّليل يُشعّ من وجه والدة الإله، فأطلقت المرأة صرخة وتقدّمت من الأيقونة كي تتحقّق منها فرأت والدة الإله تبتسم لها بحنان يعسر التّعبير عنه. كم من الوقت دامت هذه الرّؤية؟... لم يكن باستطاعتها أن تحدد الفترة ولا أن تُجيب على أيّ من الأسئلة الّتي طرحها عليها الكاهن عندما روت له ما جرى لها... لم تكن متيقّنة إلاّ من أمر واحد: أنّ العذراء الكليّة الطّهر ابتسمت لها، إذن ابنها ما زال حيًّا... لقد استُجيبت توسّلاتها!".

   أما رسالة تشوما "المجرم الخطير"، أي نيقولاس نأوموف، فقد عبرت بكلّ القنوات الإداريّة حتّى وصلت إلى سجلّات الأمّهات الّلواتي يبحثن عن أولادهنّ المفقودين إثر الأحداث السّياسيّة وأعمال القمع للثّورات الدّاخليّة.

   نحن لا نعلم تمامًا في أيّ يوم التقيا. ولكن يمكننا أن نقول بلا أدنى شكّ أنّ اللّقيا قد تمّت في وقتٍ من الأوقات بحسب تدبير العناية الإلهيّة.

   كلّ ما تقدّم دوّنه شهود ثقة... وإنّ الحقائق والأسماء حقيقيّة تعود إلى أشخاص حقيقيّين.

   المسيح قام!.


المرجع:

مطرانيّة الرّوم الأرثوذكس اللاذقيّة (١٩٩٥)، خبرات روحيّة معاصرة (٦)، أسبوع الآلام وعيد القيامة، تأليف ماريا فينوفسكا وآخرون.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share