قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
القدّيس بورفيريوس الكابسوكاليفيّ،
شفيع العلوم والتّكنولوجيا.

   لا يوجد في سنكسار (سير القدّيسين) الكنيسة الأرثوذكسيّة قدّيس يتعاطى التّكنولوجيا الحديثة على غرار "القدّيس بورفيريوس" الكابسوكاليفيّ. الحكمة الّتي اقتناها هذا القدّيس، بنعمة الله، فريدة من نوعها، والطّريقة الّتي كان يصنع بها المعجزات في هذه الحياة، وبعد رقاده، فذّة لدرجة أنّها تخزينا نحن "علماء التّكنولوجيا".

   من الجدير بالذّكر هنا أنّ القدّيس بورفيريوس عاش في زمنٍ كانت فيه التّكنولوجيا تتطوّر بسرعة جنبًا إلى جنب وعلوم أخرى في كلّ أنحاء العالم، وعلى كلّ الأصعدة، لدرجة أنّ بعض المفكّرين الأرثوذكس، في تلك الحقبة، اعتبروا التّقدم التّكنولوجيّ شيطانيًّا وشرّيرًا!.

   في السّنوات الثّلاثين الأخيرة من حياة القدّيس بورفيريوس، تطوّرتِ التّكنولوجيّا بسرعة فائقة: مشى أوّل رجلٍ على القمر، جرى تطوير الرّاديو والتّلفزيون. حصلت نهضة في مجال الأدويّة والتّكنولوجيّا النانويّة (أي الّتي تتعاطى الجزيئات المتناهية الصّغر). والأبحاث كانت تتمّ على الجزئيّات الأوّليّة. وتطوّرت أجهزة الحاسوب (الكمبيوتر) والمعلوماتيّة، إلى الأبحاث الخاصّة بمقاييس الزّلازل، وعلم الفلك، وتكنولوجيا المادة، وما سوى ذلك.

   كان علماء مشهورون يزورون القدّيس بورفيريوس، في الكثير من الأحيان، ليصفوا له ويُعلِموه، بفرحٍ كبيرٍ واعتزاز، باكتشافاتهم العلميّة، وكانوا يُذهَلون من ملاحظاته العلميّة الدّقيقة بهذا الخصوص، وكذلك من النّصائح والإضافات ذات المستوى العلمي الرّاقي الّتي كان يبديها بشأن أبحاثهم.

   كان علماء الفلك يقولون له إنّهم اكتشفوا كواكب بمجهرهم الفلكيّ المتطوّر فكان يدلّهم على كواكب أعظم قريبة من تلك الّتي اكتشفوها. وأساتذة في الطّب كانوا يأتونه بفرح وحماس ليُعلموه بطريقة طبيّة متخصّصة ومبتكرة لعلاج إحدى الأمراض، فكانوا يشعرون بالذّهول إذ كان يصحّح أبحاثهم مستخدمًا مفردات طبيّة دقيقة ومصطلحات علميّة دقيقة جدًا.

   عندما قدِمَت الإذاعة الخاصّة إلى اليونان، نظر بعض الكهنة بارتياب إلى تأسيس وإدارة محطّة إذاعيّة لكنيسة اليونان. أمّا القدّيس بورفيريوس فتهلّل، كطفلٍ صغير، لمثل هذا الحدث وكان يمسك جهاز الرّاديو، يوميًّا، ليسمع إذاعة الكنيسة.

   وقد سُجِّل للقدّيس بورفيريوس عددٌ كبيرٌ من المعجزات الّتي تمّت بمعونة الله، إذ كان يرى ويتعرّف بعَيْنَيه (الدّاخليّتَين لأنّه كان كفيفًا) إلى الطّبقات الجيولوجيّة للتّربة السّفليّة للأرض، كأفضل من كلّ الباحثين في علم الزّلازل، كما كان يرى المجرّات والكون بكليّته بدقّة أكبر من المجاهر الفلكيّة المتطوّرة، ويبصر الخلايا والفيروسات بكلّ تفاصيلها أفضل من أي ميكروسكوب إلكترونيّ.

   قبل قليل من رقاده، في بداية العام ١٩٩٠، تنبّأ بالثّورة الّتي سيُحدثُها الحاسوب للبشرّية. كان يقول: "كم ستكون الحال جيّدة حين سيتكلّم الحاسوب الواحد إلى الآخر!".  وبالفعل فإنّ عظمة "الإنترنت" مؤسّسة على هذه الخاصيّة والوظيفة، حيث يتكلّم الواحد إلى الآخر من خلال الكمبيوتر ضمن هذه الشّبكة الكبيرة الكونيّة الّتي للإنترنيت.

   غير أن عظمة القدّيس بورفيريوس، في ظنّي، وكذلك معجزاته الفريدة الّتي سُجِّلت له وأذهلت علماء التّكنولوجيا والفيزياء هي في تقليصه للوقت، لا فقط لبضع أجزاء من الألف من الثّانية، بل لأكثر من ساعة، الأمر الّذي طالما حاول علماء الفيزياء جاهدين القيام به مستخدمين نظريّة النّسبيّة وفيزياء الجسيمات. هناك ذِكْرٌ واحدٌ لمثل هذه المعجزة، في الإيمان المسيحيّ الأرثوذكسيّ، فيها تدخُّل في الزّمن نجده في العهد القديم عندما رفع "يشوع بن نون" يدَيه بشكل صليب كي تتوقف الشّمس عن دورانها، ويطول النّهار فيتمكّن الإسرائليّون من الانتصار على أعدئهم على جبل "جدعون". أمّا الفرق بين هذه الحادثة ومعجزة القدّيس بورفيريوس فيكمن في أنّ التّغيير في الوقت، لم يحصل إلاّ لمجموعةٍ من الرّاهبات وليس للعالم بأسره. إنّ تقليصًا من هذا النّوع للزّمن يُمكن أن يتمَّ إحقاقه، اليوم، من خلال "نظريّة النّسبيّة"، لجسمٍ  يتحرّكُ بسرعة أكبر من سرعة الضّوء؛ وأنا كباحثٍ في التّكنولوجيا والعلوم، أذهلتني هذه المعجزة لأنّه حتّى علميًّا لا يمكن لهذه التّجربة أن تتمّ إلا إذا اتخذت هذه الجسيمات حجمًا ووزنًا.

   هذه العجيبة شهدتها راهبات دير القدّيس يوحنّا المعمدان في "ماكرينو"، ناحية "ميغارا"، مع رئيستهم الحالية. وهي واحدة من عجائب كثيرة للقدّيس. في الحادثة أنّ تلك الرّاهبات زرن الشّيخ في منسكه في "ميليسي" وأردن مغادرته باكرًا كي يتمكّنَّ من بلوغ ديرهنَّ قبل أن تُقفَل الأبواب الخارجيّة. ولكنّ القدّيس كان مسرورًا جدًا بلقائهنّ ولم يشأ أن يغادرنَه هكذا بسرعة. قالت له الرّاهبات إنّه يجب عليهن أن يذهبن، لكنّه قال لهنّ: "ابقينَ بعدُ، ودَعْنَ الله يتدبّر الأمر". في نهاية المطاف، أطاعت الرّاهبات القدّيس. وبعد مرور وقتٍ، غادرْنَه واستقلَّيْن سيارة أُجرة إلى الدّير... والسّرّ كمن في أنّهن لا فقط تأخرنَ في مغادرة القدّيس بل في أنّ سائق السّيارة كان يسير ببطءٍ شديد. وقد حزنت الرّاهبات للتّأخير، عالمات بأنّه لدى وصولهنّ ستكون البوابة قد أُغلقت منذ بعض الوقت. لكن، ويا للمفاجأة، بلغنَ الدّير ووجدن البوابة لا زالت مفتوحة، إذ وصلن تمامًا في الوقت الّذي أردنه، وتبيّن لهنّ أنّه لم تمرَّ سوى خمس عشرة دقيقة على مغادرتهنّ "ميليسي"!!...

   لسنوات عديدة حيّرتني وأربكتْني هذه المعجزة لأنّها كانت بالنّسبة لي من التّدخّلات العجائبيّة القليلة المسجلة في الزّمن في تقليدنا الأرثوذكسيّ ولا يُمكن تفسيرها بأيِّ من المعلومات العلميّة الحديثة المتداولة.

   أعان القدّيس بورفيريوس وما زال يُعين العديدين بنصائحه وعجائبه وخاصّة من خلال موهبةِ الرّؤية لديه، ما كان يُذهل كلّ من يتلقّونها لِعِظَمها. وإذ نبحث في السّنكسار الأرثوذكسيّ لا نَجِد قدّيسًا واحدًا شفيعًا للأبحاث والتّكنولوجيا. لذلك أظنّ أنّ القدّيس بورفيريوس كابسوكاليفيا يمكن اعتباره بحقٍّ، القدّيس الحكيم للعلوم الحديثة والتّكنولوجيا.


المرجع:

Christodoulos A. Protopapas, Saint Porphyrios of Kavsokalyva, the Patron of Science and Technology.

http://www.bio-orthodoxy.com/2015/04/saint-porphyrios-of-kavsokalyva-patron.html

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share