قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
الحرمان يساعد كثيرًا

   - ياروندا!. لماذا يعاني العالم اليوم كثيرًا؟.

   - لأنّه يتجنّب التّعب. هذه الرّاحة تسبّب له المرض والمعاناة. إنّ تسهيلات هذا العصر تجعل أهل هذا العالم حمقى. هذه الرّاحة سبّبت أمراضًا كثيرة. كم كانوا يتجشّمون العناء في درس الحنطة في البيادر. كم كان التّعب عظيمًا وبالمقابل كان طعم الخبز لذيذًا.

   هل كنتِ تشاهدين خبزًا مطروحًا على الأرض. إن وجدْتِ قطعةً من الخبز كنت تلتقطينها وتقبّلينها. كلّ الّذين عرفوا زمن الاحتلال التّركيّ لليونان ويشاهدون الآن قطعة من الخبز مطروحة على الأرض يلتقطونها ويضعونها جانبًا، في حين الآخرون يدوسونها. اليوم النّاس لا يعرفون قيمة الخبز فيرمون فضلاته مع القمامة. حتّى الغالبيّة العظمى لا تنطق بعبارة: المجد لك يا الله للبركات الّتي تغدقها علينا. الحرمان يساعد كثيرًا.

   لا يقدِّرُ النّاس قيمة الأشياء إلاّ إذا حرموا منها. والّذين يحرمون أنفسهم بمعرفة وتمييز وتواضع من أجل المسيح يشعرون بالفرح الرّوحيّ. إن قال أحدهم: لن أشرب اليوم ماءً لأنّ فلانًا مريض ولا أستطيع أن أقوم بأكثر من هذا يا إلهي، إنّ الله عندها لا يسقيه ماءً عاديًا بل ماءً روحيًا ترافقه تعزية إلهيّة...

   إنّ المساكين يُقرّون بفضل من يُقَدِّم لهم مساعدة بسيطة فيشكرونه، في حين أنّ الولد المُدلَّل لا يُقرُّ بفضل والديه مهما قدّما له من خدمات. يملك الولدُ المدلّلُ كلّ شيء ولكنّه لا يعرفُ الرّاحة بل يتعذّب. المساكينُ يعترفون للمحسنين بكلّ مساعدةٍ مهما كانت بسيطة. الأغنياء يتذمرون وهم يتنعّمون بحياة رغدة ورفاهية. عليهم أن يشكروا الله ويساعدوا الفقراء. رغم امتلاكهم كلّ شيء تقريبًا فإنّهم يشعرون بالفراغ يُطبقُ على حياتهم لذلك تراهم يتشاجرون مع أهلهم ويغادرون إلى حيث لا يعلم أحد حاملين حقائب فيها بعض الحاجيّات ومزوّدين ببعض المال. هناك شاب توفّرت له أسباب الرّاحة فامتلك من الأشياء معظمها ولكنّه لم يحسّ بالسّرور أو السّعادة فخرج من المنزل سرًّا وراح ينام داخل القطارات علّه يشعر ببعض العذاب. لو كان هذا الشّاب يعمل ويأكل من عرق جبينه لأحسّ ببعض الرّاحة في منزله ومجّد الله.

   إن كان واحدُنا لا يتعب فإنّه لا يقدِّر تعب الآخرين. ما معنى أن يزاول الإنسان مهنة سهلة ويجني المال دون تعب؟!. إنّ الشّعب السّويّديّ يهيم في الطّرقات لأنّهم يحصلون على مخصّصات من الدّولة ولا يتعبون. الرّاحة والتّنقّل في الطّرقات يُتعبهم فيشعرون بالقلق لأنّ دواليبهم الرّوحيّة خرجت عن الخط شأن الدّواليب الّتي تخرج عن المحور فتجري على غير هدًى وينتهي بها الأمر في الهاوية.


   التّسهيلات الكثيرة تجعل الإنسان عقيمًا.

   يتطلّع العالمُ اليوم نحو الجمال فينخدع به... وهذا الأمر يساعد الأوروبيّين الّذين يبتدعون أشياء جديدة جميلة عمليّة تريح الإنسان كما يزعمون. كان النّاس قديمًا يعملون يدويًّا مستعملين معدّات بدائيّة. أمّا اليوم فالآلات الجديدة تدفع بالنّاس إلى مزيد من العلاج الفيزيائيّ والتّدليك، وتبعًا لذلك فقد كثر أطباء العلاج الفيزيائيّ والتّدليك. تجدين اليوم نجّارًا بطنه ناتئ فهل كنتِ تجدين مثله قديمًا؟. وهل سيبقى هذا النّتوء بعد عمل مضنٍ بالمسحاج ذهابًا وإيابًا؟. عندما تتجاوز التّسهيلات الكثيرة الحدود فإنّها تجعل الإنسان عقيمًا و"تنبلاً". وبدل أن يحرّك يدَيه أو يتحرّك قليلاً فإنّه يُفضّل أن يضغط على زر ليتحرّك كلّ شيء من تلقاء ذاته. عندما يعتاد الإنسان على السّهولة يطلب أن تكون الأمور سهلة. والنّاس يريدون أن يعملوا قليلاً وأن يتقاضوا كثيرًا. هذه النّزعة تغلّبت على الحياة الرّوحيّة. نودّ أن نتقدّس دون تعب ونودّ أن تكون صحتنا جيّدة دون حركة. كيف سيتحمّل النّاس حدوث حرب وهم يعيشون في رفاهيّة؟.



   كان النّاس يعيشون قديمًا حياةً قاسية وكانوا يتمتّعون بقوة وقدرة على التّحمّل، وها هم اليوم بحاجة إلى فيتامينات لمنحهم القوة وسيارات لتنقلهم. عندما يعمل شاب هزيل فإنّ جسمه يتقوّى. يقصدُني كثير من الأهل ويقولون لي: "ابني مشلول". هو ليس مشلولاً ولكنّ الواقع أنّ رجلَيه مصابتان بالضّعف. يُدلِّل الأهل الولد فيجلس وبقدر ما يجلس تضعف رجلاه وينتهي به الأمر إلى استعمال كرسي المُقْعَدِين، ويقولون لي: "صلِّ من أجل ابني إنّه مشلول!"... قلتُ لهم: "قدّموا لولدكم طعامًا لا يزيد الوزن وافرضوا عليه الحركة والمشي فيهبط الوزن وتتحرّك وظائف الأعضاء بطريقة طبيعيّة". كان هناك ولد في "كونيتسا" كثير المشاكسة، أحرقته قنبلة فلم يعد باستطاعته أن يمدّ رجله بعد الحريق الّذي أصابها. ولكن عدم هدوئه وطبعه الحيويّ دفعاه إلى تحريك رجله باستمرار فتحرّكت العضلات وتمدّدت الأعصاب وأصبح صحيحًا معافى فانضمّ إلى ثوّار "زيرفا" (الّذين حاربوا الألمان والشّيوعيّين).

   الحركة تساعد أحيانًا كثيرة... فعندما كانت تُصاب رجلي بألمٍ ناجمٍ عن عرق النّسا كنت أُصلّي وأنا أمشي فتتحسّن حالتي. وعندما أمرض لأيّامٍ دون حراك كنت أخاطب ربّي قائلاً: "ساعدني قليلاً كي أنهض وأتحرّك ومن ثمّ سأتدبّر أمري"... وأذهب لقطع الحطب. فبقائي في الفراش يساعد على شلِّ الحركة. لذلك وبقليل من الشّجاعة أتحامل على نفسي (رغم الإصابة بالبرد) وأنهض لقطع بعض الحطب. أرتدي ثيابًا صوفيّة فأتصبّب عرقًا وتتحسّن حالتي.

   كان يعيش قرب قلايتي راهب قبرصيّ. عمره ناهز المئة وما زال يخدم نفسه. أين تجدين إنسانًا كهذا في عالم اليوم؟!. فبعض المتقاعدين لا يقْوَون على السّير لأنّ كثرة الجلوس أضعفت أرجلهم وأصابتهم بالبدانة. كان عليهم أن يقوموا بالحركة ليساعدوا أنفسهم.

   أخذوا الرّاهب القبرصيّ واسمه "يوسف"، إلى دير "فاتوبيذي". قاموا بغسله والاهتمام به فقال لهم: "حالما جئت إلى هنا مرضتُ. أنتم جعلتموني أمرض. أرجعوني إلى قلايتي!". عادوا به إلى قلايته. ذهبتُ يومًا لأراه وسألته عمّا حدث له، فقال: "وضعوني في سيارة ومضوا بي إلى الدّير وقاموا بتنظيفي وغسل شعري واهتموا بي. أحسست بالمرض فطلبت منهم أن يعيدوني من حيث أتيت، وقد استعدْت عافيتي فور وصولي إلى القلاية".

   ضَعُف نظر هذا الرّاهب ولكنّه ظلّ يحبك المسابح. وعندما أرسلتُ له بعض الشّعيريّة تساءَل إن كان مُصابًا بالسّلّ ليُرسل له الأب باييسيوس الشّعيرية. فهو يأكل الحبوب (لوبياء، حمّص، فاصوليا) ويتمتّع بصحة جيّدة. يتّكئ على عصوين ويجمع الأعشاب ويزرع وينقل الماء ليغسل ثيابه ورأسه. يقوم بواجباته الرّوحيّة فيتلو الخدم والمزامير والصّلوات. وقد أشرف بنفسه على العمل عندما استأجر عمّالاً لإصلاح السّقف رغم خطورة العمل. ولكنّه كان يحسّ بفرح غامر وكان قلبه يرفرف كالأجنحة. كان الآباء يأخذون ثيابه خفية ويغسلونها مرّات كثيرة. أمّا هو فكان يُلقي ثيابه في الحوض ويرشّ فوقها مسحوق للغسيل فتصبح نظيفة خلال أيّام.كان يثق بالله في حين أنّ الآخرين كانوا يملكون الأشياء كلّها ويسيطر عليهم الخوف. بالعناية مرض هذا الرّاهب وبالعمل والحركة استعاد عافيّته.

   الرّفاهيّة لا تساعد... الرّاحة ليست للرّاهب. على الرّاهب أن يقسو على نفسه إن كان يتمتّع بصحّة جيّدة وإلا فهو ليس راهبًا.


المرجع:
   النّاسك المغبوط القدّيس باييسيوس الآثوسيّ (٢٠١٢)، إلى الإنسان المعاصر بمحبّة مع ألم، سلسلة ياروندا الجزء الأوّل، دير الشّفيعة الحارّة الحرش، بدبّا، الكورة، لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share