بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
إنّ ما يقدّس الأولاد ويجعلهم صالحين، هو حياة الوالدَين في المنزل

    إنَّ ما يُقدّس الأولاد ويجعلهم صالحين، هو حياة الوالدَين في المنزل. ينبغي على الآباء أن يعطوا ذواتهم إلى محبّة الله، وأن يصبحوا مثل القدّيسين بالقرب من أولادهم، بوداعتهم وصبرهم ومحبّتهم لهم، وأنْ يضعوا كلّ يوم فكرة جديدة ونيّة جديدة، في تعاملهم مع أولادهم بحماس ومحبّة. عندئذٍ، سيغمرهم الفرح وتزورهم القداسة، وينتقل هذا الفرح إلى أولادهم.

   الأهل هم السّبب في سوء تصرّفات الأولاد.

   لا النّصائح ولا القسوة ولا النّظام، تنفع الأولاد أو تخلّصهم. إذا لم يتقدّس الأهل ولم يجاهدوا، فهم يرتكبون أخطاء كبيرة، وينقلون الشّرّ الّذي في داخلهم إلى أولادهم. إذا لم يعِشْ الأهل حياة مقدّسة، ولم يتكلّموا بمحبّة، فإنّ الشيطان سوف يعذِّبهم بعصيان الأولاد. فالمحبّة والحوار والتّفاهم الجيّد بين الأبوين، هي المطلوبة لدى الأولاد، وهي الضمان والأمان الكبيران لهم.

   سلوك الأولاد له علاقة مباشرة بحالة الأهل. فعندما ينجرح الأولاد من سوء تصرّف الوالدَين المتبادلة، يفقدون ثباتهم وتأهبَّهم وشوقهم للمسير نحو الأمام، فيتأثّرون بشكل سيّء، ويتعرّض بناء نفوسهم للانهيار بين لحظة وأخرى.

   سوف أروي لكم مثلَين:

   حضر إليّ أختان شابّتان، إحداهما تعيش حياة سيّئة للغاية، وسألتاني عن السّبب في ذلك، فقلت لهما:

   - السّبب كائن في البيت، في أهلكما.

   وفيما كنت "أنظر" إلى إحداهما، قلت لها:

   - أنتِ ورثتِ من أمِّكِ كذا وكذا. فقالت:

   - ولكن والديَّ صالحان، إنّهما مسيحيّان، ويعترفان ويتناولان، ويمكنك أن تقول إنّنا نمارس ديانتنا ونعيشها. فقالت الأخرى:

   - إلا إذا كانت الدّيانة هي السّبب. فقلت لهما:

   - إنّني لا أصدّق شيئًا مما تقولانه، و"أرى" شيئًا واحدًا فقط: والداكما لم يعيشا فرح المسيح.

   فقالت الأخرى:

   - اسمعي يا ماريا، كلام الشّيخ صحيح، إنّه على حقّ. صحيح أنّ والدَينا يذهبان إلى الأب الرّوحيّ، ويمارسان الاعتراف، ويتقدّمان إلى المناولة الإلهيّة، نعم... ولكن هل عشنا يومًا واحدًا في البيت بسلام؟! أم كان والدنا يتذمّر باستمرار من والدتنا، وما كانا يأكلان سوية، أو يذهبان إلى مكان سوية، إذًا الشّيخ على حق. فسألتها:

   - ما اسم والدك؟ فأجابتني. ثم:

   - ما اسم والدتك؟ أجابتني أيضًا. عندها قلت لها:

   - أنتِ في داخلك لستِ على ما يرام مع والدتك على الإطلاق.

   والآن اسمعوني أنتم... في اللّحظة الّتي أجابتني فيها عن اسم أبيها، "رأيته"، "ورأيت" نفسه. وعندما أجابتني عن اسم أمّها، "رأيت الأمّ أيضًا، ورأيت كيف كانت نظرة الابنة إلى أمّها".

   مرّة أخرى، جاءت لزيارتي سيّدة مع إحدى بناتها، وكانت متضايقة جدًا، تجهش بالبكاء، وتشعر بتعاسة عميقة، فسألتها:

   - ماذا بك؟!.

   - إنّني يائسة من ابنتي الكبيرة الّتي طردت زوجها من البيت، وكانت تضلّلنا بأكاذيب كثيرة.

   - أيّه أكاذيب؟!.

   - لقد طردت زوجها من البيت منذ زمن طويل، ولم تقل لنا شيئًا. كنّا نسألها في الهاتف: "كيف حال ستيللي؟!"، فتجيبنا: "إنّه بخير، ذهب لشراء جريدة". وكانت تختلق كلّ مرة حجّة، كي لا نشكّ. ولقد استمرّت على هذا المنوال مدّة عامَين، وهي تخفي عنّا الحقيقة. وعلمنا الأمر منه شخصيًّا منذ بضعة أيّام، عندما التقينا به صدفة.

   - أنت السّبب، أنت وزوجك، وأنتِ بالأكثر.

   - أنا؟! أنا الّتي كنت أحبّ أولادي، وكم حرمت نفسي من الحياة لأجلهم... لم أكن أخرج من المطبخ، وكنت أرشدهم إلى الله وإلى الكنيسة، وأدفعهم نحو الخير، فكيف أكون أنا السّبب؟!.

   فتوجّهت نحو الابنة الأخرى الّتي كانت ترافقها، وقلت لها:

   - وأنتِ، ما رأيك؟...

   - نعم يا أمي، إنّ الأب على حقّ. فنحن لم نأكل أبدًا خبزًا لذيذًا بسبب الخصومات الحاصلة بينك وبين أبي باستمرار كلّ أيّام حياتنا.

   - أترين كيف أنّني على حق؟ أنتما السّبب، أنتما أسأتما إلى الأولاد. هم لم يخطئوا، ولكنّهم يتحمّلون العواقب. عاقبة عدم المحبّة والصّبر!...

   هكذا تتكوّن لدى الأولاد، بسبب الأهل، حالة نفسيّة تترك آثارها داخلهم طيلة حياتهم، وتطبع تصرّفاتهم وعلاقاتهم مع الآخرين وتجعلها ذات علاقة مباشرة بمسالك حياتهم منذ أعوام الطّفولة، فيكبرون ويتعلّمون، ولكنّهم في العمق لا يتغيّرون، ويبدو هذا في أدقّ تفاصيل حياتهم أيضًا. فعلى سبيل المثال: يصيبك النّهم، وتريد أن تأكل كثيرًا. تتناول وتأكل، ترى طعامًا آخر فترغب به أيضًا، وتريد غيره، تشعر بالجوع، وإذا لم تأكل تصاب بدوار ورجفة وتخشى من الهزال. إنّها حالة نفسيّة لها تفسيرها، من الممكن القول بأنّك لم تعرف أبًا ولا أمًا، أو أنّك محروم وجائع، فقير وضعيف. إنّه حدث روحيّ، لكنّه ينعكس بشكل مركّب على الجسد.

   يعود جزء كبير من المسؤوليّة في حياة الإنسان الرّوحيّة إلى عائلته وطفولته. لا تكفي النّصائح والضغوطات ولا المنطق والتهديدات، لتحرير الأولاد من مشاكلهم الدّاخليّة المختلفة، بل على الأرجح تسوء حالتهم. الإصلاح يتمّ بنقاوة الأهل. صيروا قدّيسين، وعندها لن تواجهوا أيّة مشكلة مع أولادكم. قداسة الأهل تعتق الأولاد من المآزق. يريد الأولاد أناسًا قدّيسين بقربهم، يتمتّعون بمحبّة كبيرة، لا يُرهبونهم ولا يقتصرون على التّعليم والوعظ، بل يقدِّمون لهم قدوة محبّة، شريفة وصلاة.

   صلّوا أيّها الآباء بصمت، وبأيدٍ مرفوعة نحو المسيح، واحتضنوا أولادكم سريًّا. وعندما يَخلّون بالنّظام، اتّخذوا بعض التدابير التربويّة، لكن لا تضغوا عليهم، وبالأخصّ، الجأوا إلى الصّلاة، فالرّب يسوع ووصاياه ونعمته هي كلّها الجواب.


المرجع:

الشّيخ بورفيريوس الرّائي (سيرة وأقوال) (2005)، ترجمة دير راهبات السّيّدة بلمانا.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share