صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
الرّسالة إلى ذيوغنيطس

       كُتبت بين العامين 190-200 م. لا نعرف ٱسم كاتبها الحقيقيّ. ما نعرفه أنّه يتوجّه فيها إلى إنسانٍ وثنيّ، مدافعًا عن المسيحيّين.

       حياة المسيحيّين

       لا يختلف المسيحيّون عن سواهم من أبناء البشر في الوطن أو اللّغة أو اللّباس. فالواقع هو أنّهم لا يقطنون مدنًا لهم من دون سواهم، ولا يتكلّمون لغة غريبة خاصّة بهم... يحترمون العادات المحليّة بكلّ ما يختصّ بالملبس أو الطعام أو طريق العيش، ولكنّ أسلوب معيشتهم يستوجب الإعجاب والإقرار بأنّه غير متوقّع، يأتيهم من كونهم أعضاء في جماعة ملهمة من روح الله.

       يتمّمون كلّ واجباتهم المدنيّة، ويدفعون سائر الضرائب. تراهم يسكنون البلدان، ولكنّهم غرباء عنها. ويشتركون في كلّ شيء كمواطنين، ولكنّهم يحتملون كلّ ما يحتمله الغرباء. وكلّ بلد أجنبيّ وطن لهم، وكلُّ وطن لهم بلدٌ غريب. يتزاوجون كغيرهم ويتوالدون، ولكنّهم لا يهملون أولادهم، ولا يعرّضونهم للموت. يشاركون طعامهم مع الجميع، ولكنّهم لا يشاركون فراشهم. هم في العالم، ولكنّهم لا يعيشون بمقتضاه. يجدون أنفسهم بالجسد، ولكنّهم لا يعيشون للجسد. يقضون أيّامهم على الأرض، ولكنّهم مواطنو السّماء. يطيعون القوانين المرعيّة، ولكنّهم يتقيّدون بأكثر منها في حياتهم الخاصّة.

       يحبّون جميع النّاس، ولكنّهم يُضطهدون. تراهم مجهولين، ولكن لا يُحكم عليهم. يُقتلون، وبالموت يكسبون الحياة. إنّهم فقراء، ولكنّهم يُغنون كثيرين. يعوزهم كلّ شيء، ولكنّهم ينعمون بكلّ شيء. يُحتقرون، وبذلك يجدون المجد... يُفترى عليهم، ولكنّهم يُبرِّرون. يُجدّف عليهم، ولكنّهم يُبارِكون. يهانون، ولكنّهم يُكرِّمون. يعملون الخير فيُجازون كأشرار، ولكنّهم يفرحون لأنّهم يحبّون.

       باختصار، إنّ المسيحيّين هم للعالم كما الرّوح للجسد وكما أنّ الرّوح تسكن كلّ أعضاء الجسد، فإنّ المسيحيّين يقطنون كلّ مدن العالم. وكما أنّ الرّوح تسكن في الجسد وتظلّ ليست منه، فهكذا المسيحيّيون يسكنون في العالم، ولكنّهم يظلّون غرباء عنه. وكما أنّ الرّوح غير المنظورة تُحبس في الجسد، فهكذا المسيحيّون. إنّهم يُعرفون مسيحيّين في العالم، ولكن على دينهم أن يظلّ غير منظور. ومع أنّ النّفس لا تسيء إلى الجسم، فإنّ الجسم يكرهها ويحاربها، لأنّها تعيقه في الانغماس في الملذّات. فالمسيحيّون كذلك لا يسيئون إلى العالم، لكنّ العالم يكرههم، لأنّهم يقاومون ملذّاته. والنّفس تحبّ الجسد الّذي يكرهها كما أنّ المسيحيّين يحبّون الّذين يكرهونهم. وكما أنّ النّفس تُحبس في الجسد، ولكنّها تشدّه إلى بعضه البعض، فإنّ المسيحيّين، أيضًا، يُحبسون في العالم، ولكنّهم يشدّونه بعضه إلى بعض. وكما أنّ النّفس الخالدة تسكن في مسكن فانٍ، فإنّ المسيحيّين، أيضًا، يعيشون غرباء بين الأشياء الفانية، منتظرين الخلود في السّماء. وكما أنّ النّفس تتحسّن بتقنين المأكل والمشرب، كذلك المسيحيّون. مع أنّهم يُضطهدون، فإنّهم يتكاثرون يومًا بعد يوم. إنّ المسؤوليّة، الّتي أوكلها إليهم الله، هي على قدر كبير من الأهميّة، لا تسمح لهم بالانعزال عنها.

       أتى المسيح لدعوتنا إلى الله

       أرسل الله المسيح، خالق الكون، إلى البشر، لا ليعمّ الخوف والتسلّط والرّعب، كما يتصوّر عقل البشر، بل بكلّ طيبة ولطف، كما يُرسل الملك ٱبنه الملك. لكونه إلهًا، أرسله، ليأتي بالبشر إلى الخلاص، كما يليق به، لا بالقوّة والعنف، إذ لا عنفَ في الله، بل بالإقناع. أرسله، لا ليؤنّبنا، بل ليدعونا إليه. أرسله، لا ليحاكمنا، بل لأنّه يحبّنا.

 

       المرجع:

       رزق ر. (2011)، تأمّل وصلِّ مع المسيحيّين الأوائل (من بعيْد منتصف القرن الثّاني إلى أواخر القرن الثّالث)، الجزء الثّالث، تعاونية النّور الأرثوذكسيّة للنّشر والتوزيع م.م.، بيروت.       

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share