<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
في الألم.

   المطران أنطوني:أعتقد أنّ في عالمنا اتّجاهين خاطئَين على حدّ سواء. الأوّل يدّعي عدم وجود الأشياء الموجودة، بالرّغم من وجودها وذلك لأنّ مواجهتها مؤلمةٌ جدًّا،
المطران أنطوني بلوم.
والثّاني أنّك إن اضطُرِرتَ لمواجهة أمرٍ ما، ولم تستطع تحاشيه، تخلّص منه ببساطة بطرقٍ اصطناعيّة؛ مسكّنات، مهدّئات، أيّ شيء، يساعدك على تجنّب مواجهة الواقع.

    س: في سبيل تخفيف ألم البعض، ربّما تضطرّ لوصف دواءٍ قد يضع حدًّا لحياة المريض. كيف تتّخذ القرار إزاء معضلةٍ كهذه؟.

    المطران أنطوني: أعتقد أنّنا لا نستطيع أن نحمّل إنسانًا أكثر من طاقته، ولكن بإمكاننا، بل يجب علينا أن نسعى إلى  إيصاله إلى الحدّ الّذي يستطيع أن يحتمله بالأكثر. لكن، من ناحية يجب أن نعمل ما بوسعنا لتحاشي فقدان المريض لوعيه بدون حاجة، ما أعتقد أنّه يُعمَلُ عادةً، لأنّ النّاس غالبًا ما يعتقدون أنّ المريض إذا فقد وعيه سوف يتألّم أقلّ، وسيحصل موته بطريقة أسهل، وهذا برأيي اعتقاد خاطىء. من ناحيةٍ أخرى، أعتقد بوجود خطورة ما، كلّ مرّة نلجأ فيها إلى الدّواء، لكنّ الوعيَ الأخلاقيّ، والخبرة الطّبيّة، يرشدانكَ ويصلان بك إلى نتيجةٍ معيّنة. لكنّ ثمّة ما يصدمني. في كلّ هذه المناقشات، والسّؤال الّذي تسأله ضمنًا، لا فقط باسمك بل باسم الجميع، هناك افتراض أنّ الشّخص لن يتصدّى للألم. هناك افتراض أنّ كلّ إنسانٍ جبانٌ هو، وغير قادرٍ على بلوغ المستوى الأقصى للشّجاعة الإنسانيّة. هذا ما أعتقده غير محقٍّ. لقد التقيت أكثر من مرّةٍ أشخاصًا (نساءً ورجالاً) يبدون عاديّين جدًّا، لكنّهم بإزاء المأساة كانوا، بكلّ بساطةٍ، أبطالاً. أخصّ بالذّكر، حالة امرأة عرفتها في أوّل شبابها، وقد أُصيبت بسرطان الثّدي، وكان سرطانًا خبيثًا، وانتشر بسرعة كبيرة. كانت مؤمنةً بسيطة وقالت: إذا ما كان الله قد أرسل لي هذا الألم، فلا بدّ أن يكون هناك سبب لذلك، ولسوف يدّخر لي الله القوّة لمواجهته. ورفضت أن تتلقّى مساعدة الأدوية، إلى درجة أنّه لمّا تلف صدرها كلّيًا، كان بالإمكان رؤية رئتيها تتنفّسان من خلال الجرح. إلى أن أتى يوم، استيقظت فيه وقالت: هذه اللّيلة، اقترب منّي السيّد المسيح كثيرًا، فالآن لم يعد يهمّني ما إذا كنتُ أتألّم أو إذا استطعتَ أن تشفيني، لأنّني تعلّمتُ كلّ ما يجب أن أتعلّمه من مرضي. إذ ذاك، فقط، قبلت المسكّن، وهو بعكس ما يفعله النّاس عادةً أو ما يعتقدون أنّه يجب فعله.

    س: هل تعتقد بوجود أيّ سبب لرفض استعمال التخدير؟.

    المطران أنطوني: كلاّ... أعتقد أنّ الإنسان يجب أن يُعطى كلّ إمكانيّة لكي يتألّم أقلّ، لكنّه أيضًا يجب أن يتعلّم ويُشجّع على مواجهة ما هو أكثر من المعتاد.

    س: هل تعتقد أنّ الكثير من النّاس يخافون الموت ويرهبونه ؟

    المطران أنطوني: أعتقد أنّ الغربيين، كما يبدو، يخافون الموت أكثر بكثير ممّا يفعله الرّوس. ما لفتني في موقف الغربيين من الموت هو أنّهم يعتقدون كأنّ الموت أمر غير لائق، و نجازه يكون في الخفية. عندما يرقد أحدهم، يضعونه في مكان بعيد، ولا يسمح للأطفال أن يأتوا ليودّعوا أهلهم أو أجدادهم الوداع الأخير، وهذا ما صدمني.

    ما اختبرته، غالبًا، أنّ البشر يجب أن يتعلّموا عن الموت حينما يكونون مفعمين نضارةً وحياةً، إذ يكونون قادرين على مواجهة الموت لا كرعب بل كتحدٍّ.

    س: في مواجهة الألم الّذي ينتهي بالموت، هل تعتقد أنّ البشر جبناءٌ تمامًا أم شجعانٌ تمامًا؟

    المطران أنطوني: أعتقد أنّ البشر شجعانٌ تمامًا. قد يميلون إلى الجبن إذا ما حاول من حولهم إقناعهم باستمرار أنّ عليهم أن يتلقّوا مساعدة، وأنّهم سوف يواجهون ألمًا لا يُحتمل...الخ. وأيضًا قد يجبن البعض لأنّ البشر، بعامّة، لا يعرفون كيف يعيشون في الحاضر. أذكر جوابًا مذهلاً ورد في حياة كاهن آر(Curé d’Ars) الفرنسيّ، الّذي إبّان افتقاده لأحد الأطفال المرضى، سأله: كيف بإمكانكَ يا ولدي أن تحتمل أَلَمَكَ؟، فابتسم الطّفل وأجاب: لقد تعلّمتُ يا أبتِ، أن احتمل فقط ألم هذه اللّحظة. لستُ أعاني من ألم البارحة، ولا من ألم الغد بعد.

    باعتقادي أنّ ما يجعل الألم مخيفًا بهذا المقدار وصعبًا، أنّ النّاس لا يتذوّقون فقط ألم اللّحظة الحاضرة بل نوعًا من التأثير التّراكميّ لآلام البارحة ومخاوف ألم الغد... نضيّع كلّ شيء إذا لم نعش الزّمان الحاضر حيث كلُّ الأمور حقيقيّة.

    س: قد يقول البعض، كيف يمكن أن يكون الإله المحبُّ موجودًا، ويسمح بأن يتعرّض الجنس البشريُّ لهذا القدر من المآسي والتّحطيم في هذه البرهة الزمنيّة القصيرة؟.

    المطران أنطوني: في مقطع من كتابات اللاّهوتيّ الفرنسيّ جان دانيالو، أثّر فيّ كثيرًا، مؤخّرًا، في سياق ما أعرف عن الاضطّهاد، والألم، والمستشفيات، والحرب... حاول أن يستخرج معنىً من أمر مختلفٍ بالكلّية، وكبمصادفة، أورد عبارةً وجدتُها منيرة. قال: الألم هو نقطة الالتقاء الوحيدة بين الخير والشّر، وهي الفرصة الوحيدة ليَخْلُصَ الشّرّير بواسطة الخيّر.

    إذا ما امعنّا النظر في هذا الأمر، نستنتج أنّه إذا لم يكن الشرّ ليلتقي بالخير بحال، أي إذا لم يتعرّض البريء للشرّ بعامّة، أو لإنسان شرّير بخاصّة، سيكون هناك خطّان متوازيان، واحد للهلاك الكليّ والآخر للخلاص،إذا جاز التّعبير، ما يعني تاليًا تكثُّفَ الشرّ، وأن يصبح أكثر غلاظةً وصلابةً، في حين ينأى عنه الخير. لكنّ شريعة الحياة، كما نراها في الطّبيعة، في العلاقات البشريّة... هي أنّني إذا ما كنتُ شرّيرًا، كان على أحد الأبرياء أن يتألّم. لقد ثملتُ قبل أن أقود سيّارتي، فقُتِلَ ذاك الولد. لقد كنتُ غير مسؤول قبل إتمامي عمليّة جراحيّة، فنسيتُ أمرًا ما، فتألّم المريض...الخ.

    نقطة الالتقاء، هذه، بين المتألّم وبين الّذي سبّب الألم، هي نقطة في غاية الأهميّة. إنّها ملتقى الطرقات، والصّليب أيضًا، الصّلب الفعليّ القديم. عند ذوقك الألم كبيرًا كان أم طفيفًا على يد أحدهم، وكنت قادرًا على الغفران، تُحرز قوّة إلهيّة حقيقيّة. وهذا ما أثّر فيّ بعمق.

    س: أعتقد انّه بإمكاني فهم ذلك، ولكن كيف ينطبق ذلك على الأحداث الجماعيّة: كقتل النازيين وحرقهم ل6 ملايين من اليهود، وقتل الرّوس لثلاث أو ثماني ملايين من الفلاّحين، وقتلنا نحن في سنوات الحرب ل20 مليون إنسان. الواقع أنّ خباثتنا أفضت إلى هذا الألم. هل تعني أنّ هذا الألم  قادر على تطهير خباثتنا؟.

    المطران انطوني: نعم، أعتقد ذلك، وسوف أسوق لك بضع أمثلةٍ.أذكر كاهنًا شابًّا تمّ توقيفه، وتعذيبه، وإذ خرج إنسانًا محطّمًا، سأله أقرباؤه: ماذا تبقّى منك؟. فأجاب: لقد أباد الألم كلّ ما فيّ. الحبّ وحده بقي... مثال آخر مأخوذ من معتقل- صلاة كتبت على ورق للتغليف، تقول ما معناه: أيّها السيّد، لا تذكر فقط البشر ذوي الإرادة الصالحة، بل ذوي الإرادة المريضة أيضًا. و لا تذكر الآلام الّتي اوقعوها بنا، بل اذكر الثّمار الّتي جنيناها من هذه الآلام- صداقتنا، وفاءنا، تواضعنا، شجاعتنا، كرمنا، واتّساع قلبنا الّذي نجم عن ذلك، وعندما سيمثلون للدّينونة، لتكن هذه الثّمار الّتي جنينا، غفرانًا لهم... كان هذا الإنسان عظيمًا في ملاحظته ذلك، لأنّه تألّم وأصبح إنسانًا أعظم، لقد استطاع الغفران باسم الله. وباسم الآخر أيضًا، كما قال أحد أساقفتنا الّذي قضى شهيدًا في أيّامنا: موت الشّهادة فضلُ المسيحيين، لأنّ الشّهيد فقط سيكون باستطاعته أمام منبر المسيح، أن يقف مدافعًا عن مضطهديه قائلاً: لقد غفرتُ على مثالك، وبحسب كلمتك، ليس لي عليه شيء بعد الآن. هذا هو انتصار الضّعيف،في الظّاهر، عندما نعرف أنّ قوّة الله تتجلّى بالكليّة، بالكامل، وتظفر في الضّعف.

    س: ماذا إذا ما وافاني الألم غدًا؟...

    المطران أنطوني: اعتبر هذه اللّحظة المعيّنة بأبعاد عظمتها وأبديّتها واتّخذها الآن- الإلهيّ الأبديّ الآن. ومن ثمّ انطلاقًا من الهدوء والثّبات الّذي بإمكانك إحرازه، أنظر إلى ما يأتي كحدث ما لك عليه أيّ سلطة، والحاوي معنىً تجهله. قم بفعلٍ إيمانيّ، ارتكز على المعنى الّذي أحرزته، وسر نحوه. 

(أجريت هذه المقابلة في بداية الستّينات، حين كان المتروبوليت أنطوني ما يزال أسقفًا).

   
المصدر:

"http://masarchive.org/Sites/Site/Texts-E-Other.html"

الإيقونات من سيرة القدّيس يوحنّا المعمدان (بمناسبة عيد قطع رأس السّابق).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share