<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
الرّاهبة برصنوفيا والحقيبة الحاوية على ألف إسمٍ.

   كانت تعيش في "دير أوبتينا" راهبة بلغت من العمر تسعين سنة. كان اسمها "برصنوفيا" وكانت تجول من دير إلى دير وعكّازها في يدها.

   كانت هذه الرّاهبة قد وضعت كلّ مقتنياتها في حقيبتَين تحملهما معها. الواحدة كانت تحتوي على بضعة قطع من الخبز المجفّف في حين أنّها في الأخرى كانت تحفظ أوراقًا مدوّنة عليها أسماء أمواتٍ تذكرهم. معظم هذه الأوراق قديم وقد بلي.

   كانت هذه السّائحة تأتي إلى أوبتينا، عادةً أثناء اللّيل، مع عكّازها وتقرع على النّافذة قائلةً: "دعوني أمكث هذه اللّيلة هنا!".

   البعض كان يسمح لها، أمّا البعض الآخر فكان يمنعها. والسّبب هو في أنّها لم تكن تنام البتّة بل تبقى ساهرةً طول اللّيل جاثيةً على ركبتَيها مصليّةً، ثمّ، في منتصف اللّيل، كانت توقظ كلّ النّائمين، صارخةً: "لماذا تنامون، أيّها الكسالى، الخاملون؟. تَفَكّروا في الدّينونة الأخيرة واستيقظوا للصّلاة!". وكانت تصرّ في ندائها على أن يستيقظ الجميع. لذلك كنتَ تراها في منتصف النّهار، أحيانًا كثيرةً، مستلقيةً في مستودعٍ أو اسطبلٍ ومعها حقيبتاها. كانت تُقيم أهميّةً كبيرة لمقتنياتها هذه أكثر من الملابس الدّافئة الّتي كانت تُعطى لها والّتي كثيرًا ما كانت تُحجم عنها.

   كانت الرّاهبة برصنوفيا عذراء وصارت راهبة في سنٍّ مبكرة. لم يكن أحد يعرف لماذا كانت تجول، لأنّه من المؤكّد أنّه لم يكن ينقصها من يأويها.

   كانت في السّابق نادرًا ما تأتي إلى "أوبتينا" ولكن مع تقدّمها في السّنّ استقرّت هناك. أخذت السّنون تُثقل عليها وقلّ تجوالها، وكانت تجلس على المقاعد الحائطيّة أثناء الخدم. لا فقط كانت تجلس أثناء الخدم بل كانت تحضرها منذ بدئها عند السّاعة الخامسة والنّصف صباحًا. كانت تُخرج الأوراق من حقيبتها وتجلس النّهار بطوله مصليّةً وذاكرةً أسماء الرّاقدين. لم تكن تأتي إلى غرفة المائدة في الدّير كي تأكل، إذ قلّما كان همّها الطّعام. وإذا قدّمت لها شيئًا كانت تتظاهر بأكله. في ما عدا ذلك كانت تتناول الخبز المجفّف من حقيبتها. قضمة صغيرة ثمّ تحفظ ما فضل بحرصٍ.

   قبل رقادها كانت تتوسّل إلى الّذين كانوا يزورونها أن يأخذوا الحقيبة مع الأسماء، حتّى يستمرّوا في ذكرها بعد رقادها. كانت تقول باتّضاع كبير وهي تحدّق في عينَي من يخاطبها برجاء كبير: "إنّها فضيلة مسيحيّة عظيمة أن نذكر أسماء الرّاقدين!". ولكن الكلّ كان ينظر ناحية أخرى، ولم يأخذ أحد الحقيبة مع أسماء الرّاقدين الّتي كان وزنها بين العشرة كليوغرامات والخمسة عشر كيلوغرامًا.

   ويُقال أنّ الرّاهبة برصنوفيا كانت تعرف كلّ الأسماء عن ظهر قلب. كانت ذاكرتها فذّة. وإليكم كيف عرفتُ ذلك: "بعد رقاد والدتي، كنتُ أوزّع على الكنائس الفاكهة والحلوى لأجل غفران خطاياها وراحة نفسها. وعندما رأيت الرّاهبة برصنوفيا في الزّاوية تُصلّي، كنت قد وزّعت كلّ ما كان في حوزتي، غير أنّي وجدتُ بندورتَين في محفظتي. فقدّمت لها واحدة وطلبتُ منها الصّلاة من أجل راحة نفس أمة الله "أناستاسيّا". وبعد خمس سنوات، إذ كنتُ واقفةً خارج الكنيسة، نادتني وقالَتْ لي: "إنّي أذكر أمّك "أناستاسيّا" دائمًا!".

   أذكر أيضًا قصّة أُخرى تتعلّق بمدفن مدينة "كوزيلسك". في سني الاضطهاد الشّيوعيّ أُقفل دير أوبتينا، في حين تمّ دفن رهبان وراهبات دير أوبتينا في "دير شمبردينو" (وهو الدّير النّسائي التّابع لدير أوبتينا)، ولكنّ الكلّ كان يجهل أسماءهم. لم تُحفظ أيّة سجلات عنهم وكانت الكتابة قد زالت عن القبور مع الوقت. كان الكهنة الرّهبان من دير أوبتينا يُقيمون الذّكرانيّات هناك من أجل الرّاقدين سائلين الله راحة نفوسهم قائلين: "يا رب، أنت تعرف أسماءهم".

   وفي صباح يوم خريف جاؤوا إلى المدفن ليُقيموا ذكرانيّة. كانت أوراق شجر القيقب الذهبيّة الصّفراء تُغطي القبور والممرّات الضّيقة حيث كانت تُشكّل كومًا. ومن كومة خرجت الرّاهبة برصنوفيا، وكانت سعيدة للغاية. فسألها الجميع: "أيّتها الأخت برصنوفيا، ماذا تفعلين هنا؟... هل أمضيت اللّيلة في المقبرة".

   فأجابت الرّاهبة: "إنّ الموتى يحبّونني"، ثمّ قادت الإخوة إلى المقابر دالّة إيّاهم على أسماء كلّ من يرقد هناك!".

   فكان يأتي الإخوة من دير أوبتينا كي يدوِّنوا على كلّ مقبرةٍ إسم الرّاقد هناك بحسب تعليمات الرّاهبة برصنوفيا. وكانت تروي لهم شجاعتهم إذ كانوا معترفين من أجل المسيح وتألّموا لأجله في زمن الاضطهاد. كانت تذكر كلّ واحد وواحدة منهم، وتعرفهم جميعًا، وتحبّهم وتُصلّي طول اللّيل من أجلهم. نادرًا ما كُنت تراها نائمة.

   كنّا نسألها: "أيّتها الأخت برصنوفيا كيف تستطعين الصّمود من دون نوم؟".

   فكان تُجيب ببهجة: "إنّ الموتى يعينونني!".

   ... والآن في الذّكرانيّات الّتي تُقام في دير أوبتينا يذكرون الرّاهبة برصنوفيا.

   كانت تحبّ الجميع، وبخاصّة الرّاقدين أكثر من الأحياء. إذ كانوا يسترعون انتباهها. فكلّ شيء هناك (في العالم الآخر) هو حقيقيّ. إنّ الأرواح على الأرض تُعيقها الأنانيّة والقلق من أجل ما هو فانٍ وعابر. ربّما لهذا السّبب كانت تجول كلّ حياتها، فارّةً من الاهتمام بالفانيّات، مزدريةً بحاجات العيش تمامًا كما ينسى الرّاشدون الألعاب الطّفوليّة.

   كان إيمان الرّاهبة برصنوفيا بسيطًا. كانت تُفسّر لنا كيف يجب علينا أن نسأل الرّاقدين أثناء الذّكرانيّات أن يُصلّوا من أجلنا. ليست هذه كلمات جوفاء بل حقيقة معيشة. إنّهم يُصلّون من أجلنا، إنّهم يذكروننا ويحبّوننا. إنّ كلّ الأمور الدّنيويّة هي إلى زوال، فقط المحبّة هي الّتي تثبت.


المرجع:

Nun Barsanuphia and the Pouch with Thousands of Names, Mystagogy February 21, 2015.

http://www.johnsanidopoulos.com/2015/02/nun-barsanuphia-and-pouch-with.html

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share