إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
الكاهن المسيحي.
بقلم المطران سابا إسبر

   الكاهن رسول، حامل رسالة أو مسترزق. ليس من رجال دين في المسيحيّة. أساسًا هي ليست دينًا، بل طريق، حياة. الكاهن مرشد في هذا الطّريق. يرافق المؤمن في مسيره نحو الله، نحو الحياة المتألّهة. يساعده على استكمالها. يزوّده بالأسرار الإلهيّة، الّتي تمنحه النّعمة الإلهيّة. يتقبّل اعترافه. يهديه. يضيء طريقه. يتحنّن عليه، كما تحنّن المسيح على المريض والأبرص والأرملة، كما وعلى الجموع، الّتي كثيرًا ما رآها "كغنم لا راعي لها".

   هو أب، ولا يُدعى "أبونا" عبثًا. والأب حاضن ومحتضن، يعمل من أجل عائلته. عائلة الكاهن هي رعيّته. يحضنها بافتقادها وزيارتها ومناولة مرضاها وعجزتها. قد يستطيع تأمين مساعدة فقرائها، وقد لا يستطيع. لكنّه في الحالتين يحبّهم بحنان، ويلمس النّاس محبّته، ويميّزون صدقها من زيفها، بحسّ عالٍ يملكونه. حبّ الكاهن لرعيّته يجعله مُطاعًا. هو يُطاع عندما ينطق بكلمة الله، لا بأهوائه. كلمته تُسمع عندما يكون همّه خلاص أبنائه ومصلحتهم. وإن قسا قليلًا آنذاك ووبّخ، تقبل الرّعية انفعاله، لأنّها تدرك أنّه ينفعل محبّةً بها.

   هو أب روحيّ أوّلًا. دوره، وظيفته أن يسمو برعيّته إلى العلا. بروحانيّته السّامية يشدّهم إلى فوق. وعلى مثال سيّده، لا يأنف من النّزول إلى مستواهم الرّوحي ليشاركهم آلامهم، ومن ثم يرفعهم إلى فوق. تمامًا كما فعل المسيح؛ تجسّد وصار إنسانًا. تنازل لكي يرفعنا. "الكاهن يفرح مع الفرحين ويبكي مع الباكين"، فالجميع أولاده، وما يطرأ عليهم يعنيه في الصّميم. تقوم خدمته على إنهاضهم من واقعهم إلى واقع أفضل، يسوده الله ومرضاته. وقد يحتاج في سبيل تحقيق هذه الخدمة إلى أن يستخدم طرقًا وأساليب "رعائيّة" يستسيغونها ويتقبّلونها. هو مدعو إلى استنباط ما يلهمه الله مما يساهم في إيصال الكلمة الإلهيّة إليهم. هذه تكون وسائل، عتبات، دَرَجات في ارتقائهم الرّوحيّ، وإلا فليست من صلب عمله: حذارِ من أن يعتبرها هدفًا بحدّ ذاتها!.

   عليه أن لا يضيّع الهدف. هدفه خلاص شعبه. قداسته. تزيينه بالفضائل. دعمه ومساندته ليصير بمستوى الإنجيل. كلّ الخدمات الرّعائيّة يجب أن تصب في هذا الهدف، وتكون في خدمته، وإلا فيصير، لا سمح الله، وكيل شركة ترفيهيّة. تضييع الهدف سهل جدًّا. فغالبيّة المؤمنين تستطيب الكاهن على ذوقها. والكثيرون يتأففون من الكاهن المطالِب بكلمة الله. يريدون أن يعيشوا كما يحلو لهم. وقد يكون هدف كاهنهم أن يرفعهم، وهم يريدون البقاء، روحيًّا، حيث هم، فيشدّونه إلى مستواهم. ويضيّقون عليه حتّى يرضخ لطلباتهم.

   يحافظ على الخدمة الأمينة عندما يكون رجلَ صلاة حقًّا. تغيير النّاس وخلاصهم عمل الله أساسًا. وحده الله قادر على تليين القلوب وشفائها. والكاهن الصّالح يقدّم رعيّته إلى الله يوميًّا، في صلاة حارّة. والكاهن، تعريفًا، هو الّذي يقدّم العالم إلى الله لكي يقدّسه ويجلّيه (من "التجلّي"). يحفظه القدّاس الإلهي كثيرًا. ومن المؤسف أن لا يقيم معظم كهنة اليوم القدّاس الإلهي إلا في الآحاد والأعياد. هذه خسارة ولا أعظم!. كان الكهنة القدماء، على بساطتهم، يعون أنّهم رجال صلاة، أكثر من كهنة هذه الأيّام. كنائسهم كانت تُفتح يوميًّا صباحًا ومساءً، لإقامة خدمتَي السَّحَر والغروب. بينما يميل كهنة اليوم إلى أن يكونوا مساعدين اجتماعيّين أكثر منهم رجالًا لله.

   تندرج خدمتهم الاجتماعيّة ضمن إطار خدمة المحبّة، وهذه الأخيرة هي رسالة المسيح، ورسالة رسله من بعده، أي الكهنة. تتمايز خدمة المحبّة المسيحيّة عن الخدمة الاجتماعيّة، وإن تقاطعت الخدمتان، في عدد من المناحي والحقول. تبقى المحبّة المسيحيّة حاضنةً للشّخص، دونما ضغط، ومتّجهة نحوه بكلّيته، ولا تنحصر في مجرّد تأمين حاجة مخصّصة. المحبّة المسيحيّة تشارك المتألّم وتتألّم معه، وتعتقد بأنّه هو المُحسن إليها، عندما تخدمه، وليس العكس. هي ترى الإنسان أمامها لا الفرد. وجهه يعنيها، وتخدمه بفرح، لأنّها ترى فيه شخص المسيح نفسه. هذه الخدمة لا تتحقّق إلا بنعمة إلهيّة خاصّة، يندّي الله بها المصلّين، الّذين يدركون، جيّدًا، أنّ خلوتهم اليوميّة إليه هي زادهم الحقيقي.

   والكاهن في خضمّ المسؤوليّة المرهوبة الملقاة على عاتقه، وأمام كثرة الاحتياجات، قد يجرب الاكتفاء بخدمتين أو أكثر، ويعفي نفسه من الخدمات الأخرى. آنذاك يتبنّى الخدمات الّتي تعزّيه، وقد يكون ساهيًا عن انزلاقه هذا، وإن لم يوجد من ينبّهه أو يوقظه، يألف ما هو عليه، ولا يعود ضميره يؤنّبه ويطالبه بما هو أكثر من ذلك.

   قد يبرّر الكاهن ضعف رعايته بعدم تأمين رعيّته لوضعه المعيشي. هذا وارد كثيرًا في رعايانا الأنطاكيّة. فليست جميعها راعيةً لكاهنها معيشيًّا، بالشّكل المقبول. هذا يجب أن يدفعه إلى البذل والخدمة الفضلى، متكلًا على ربّه، الّذي يُطعم عصافير السّماء، الّتي لا تغزل ولا تحصد. فهو يزيد من قداسته؛ وأمام تفانيه لا بدّ للرّبّ من أن يفتقده بطرقٍ، وحده يعرفها. كثر هم الكهنة الفاضلون، الّذين اختبروا هذا الافتقاد الإلهيّ، عندما أهملهم أبناؤهم. هذا الكلام ليس تبريرًا لتقاعس المؤمنين عن رعاية آبائهم الرّوحيّين، بل تشديد للآباء، وتذكير لهم بأنّهم خَدَم الله أوّلًا. والله الّذي لا ينسى أحدًا، لن ينساهم.  قد يشعر الكاهن بأنّه مغبون عندما يقيس نفسه بأغنى شخص في رعيّته. هذه تجربة شيطانيّة كبرى له. جميع الآباء الصّالحين اختبروا أنّ المال يهرب من الكاهن بقدر ما يركض وراءه، ويأتي إليه بقدر ما يهمله.

   الكاهن كبير وصغير في آن. كبير لأنّه على صورة سيّده، لا يرى إلى الصّغائر، ولا يتوقف عندها، بل يعبرها متجاوزًا إيّاها. وصغير لأنّه لا يأنف من التّنازل بحبّ إلى عالم الخطأة، بغية تطهيره. رفيع جدًّا وسامٍ، وفي الوقت ذاته متواضع جدًّا، وقريب.

   ألا أهّل ربّي كهنتك ليكونوا بالمستوى الّذي يرضيك. آزرهم، عَزِّهِم، شدّدهم، قوّهم أمام الصعاب والتّجارب الكثيرة الّتي يواجهونها. أنرهم ربّي بنورك، حتّى يكتفوا بك، ويكفوا بك العالم.


بقلم المطران سابا اسبر
١٢ أيلول ٢٠١٦


   ملاحظة الموقع.

   هذه مقالة، دليلٌ للكاهن، تستأهل أن ينظر كلُّ كاهن أو مقبل إلى الكهنوت فيها مليًّا. لذلك ندفعها إلى التّداول بشكرٍ لله وفرح، بارك الله.


المرجع:

https://www.facebook.com/BishopSabaEsber/posts/1122606007832704:0

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share