<
نحن مشدودون إلى الرّب، متعطّشون إلى أن نتّحد به أبديًّا. وهو بنفسه ينتظرنا بحبّ. إنّ العطش إلى الله يشبع كياننا الأرضيّ، فنصبو إلى أن نموت هكذا.(الأب صوفروني سخاروف). لا تقم بعملٍ بواسطة عقلك، بل بواسطة قلبك. ولا تقم بعمل دون أن تضع بتواضع ثقتك بالله.(القدّيس بايسيوس الآثوسي). إنّ لاهوت الإسم القدّوس ولاهوت الإيقونة لهما مسحة مشتركة. فتأمُّل إِيقونة المسيح يصلنا به بالرّوح.(الأب صوفروني سخاروف). إنّ المراكز والمسؤوليّات تشكّل عائقًا كبيرًا أمام مسيرة الإنسان المؤمن إلى الفردوس إن لم يكن حذرًا. (القدّيس بايسيوس الآثوسي).إنّ حاجتي إلى أن أُشفى بقوّة الرّوح القدس، مثل حاجة شابٍّ تائقٍ إلى الحياة، وواجد نفسه يتحطّم بمرض ما.(الأب صوفروني سخاروف).
اكتشاف أيقونة بشارة والدة الإله في تينوس.
(يُعيّد لها في ٣۰ كانون الثّاني)

   

   إنّ أيقونة البشارة العجائبيّة قد كُشف عنها بين ركام كنيسة قديمة للسّابق المجيد يوحنّا المعمدان في ٣۰ كانون الثّاني ١٨٢٣. تاريخها هو التّالي:

   قُبيل عيد البشارة، عام ١٨٣١، رأى رجل متقدّم في السّن اسمه "ميخائيل بوليزيوس" في الحلم والدة الإله مشعّة بثياب بيضاء. سألته أن يحفر في حقل "أنطونيوس ذُكساراس" خارج المدينة، حيث سيجد أيقونتها. وطلبت منه إعادة بناء كنيسة في الموضع إذ كانت توجد كنيسة للقدّيس يوحنّا المعمدان هناك في الماضي. وقد وعدته ملكة السّموات بأنّها ستساعده في إتمام هذه المهمّة.

   عندما استفاق من نومه رسم إشارة الصّليب على نفسه وحاول النّوم مجدّدًا، ظانًّا أنّ الحلم تجربة من الشّيطان. وقبل أن يعود إلى النّوم، رأى ميخائيل والدة الإله مرّة ثانيّة في الغرفة الّتي امتلأت نورًا ناصع البياض. كان وجهها محاطًا بشعاعٍ إلهيّ، وملامحها كلّها بهاء ولطف يصعب التّعبير عنهما. نظرتْ إلى الشّيخ وقالت له: "ما الّذي يخيفك؟... هذا من عدم إيمانك!. أصغِ إليّ!... أنا العذراء (الكليّة القداسة). وأشاؤك أن تحفر في حقل "أنطونيوس ذُكساراس" حيث أيقونتي مدفونة. أسألك أن تفعل ذلك خدمةً لي أيّها الشّيخ. هناك ستُبنى كنيسة وأنا سأكون معك لأعضدك". وإذ قالت هذا توارت من أمامه.

   في صباح اليوم التّالي، ذهب "ميخائيل" إلى القرية وروى للكاهن ما جرى له أثناء اللّيل. ظنّ الكاهن، هو أيضًا، أنّ الحلم تجربة من الشّيطان، لذلك حثّ "ميخائيل" على الاعتراف ومساهمة القدسات. غير أنّ هذا الأخير لم يكن مقتنعًا بأنّ الرّؤية كانت مجرّد حلم أو تجربة شيطانيّة فذهب وروى ما عاينه لسكّان القرية. معظمهم سخر منه، ولكنّ اثنَين صدّقا كلامه. هذان ذهبا معه إلى الحقل في ليلة من اللّيالي، وشرعوا يحفرون في أماكن عدّة، لكنّهم لم يجدوا شيئًا. فقط وجدوا بقايا حائط قديم. في الصّباح إذ لم يلقوا سوى الآجرّ، أقلعوا عن عزمهم مخافة أن يكتشف الأتراك أمرهم ويعرفوا مقصدهم.

   وإنّ "أنطونيوس ذُكساراس" صاحب الأرض، وجد هذه الآجر وحاول أن يبني بها فرنًا. غير أنّ الطّين لم يكن يُلصق الآجرّ إلى الآجرّ، فكلّما كانوا يحاولون بناء قسم من الفرن سرعان ما كان يسقط أرضًا. إذ ذاك أيقن العمّال أنّ الله كان يبيّن لهم أنّ الآجرّ  الّذي استُعمِلَ لبناء كنيسة لا يمكن استعماله لبناء فرن.

   وإنّ راهبة، باسم "بيلاجيا"، عمرها ثمانون سنة، أخذت تعاين أحلامًا متتالية لوالدة الإله  ابتداءً من حزيران ١٨٢٢. كانت "بيلاجيا" تعيش في دير للرّاهبات مكرّس لرقاد والدة الإله على جبل "كِخروفونيو" أي الجبل المعشوشب، وهو يبعد حوالي سفر ساعة عن القرية. عاشت هذه الرّاهبة في الدّير منذ الخامسة عشرة من عمرها، وكانت تُعرف بفضيلتها وتقاها.

   كانت الرّاهبة ترى في الحلم سيّدةً جليلةً كالملكة، وعلى رأسها تاج منير، تدخل قلايتها وتقولُ لها:

   - أيّتها الأخت بيلاجيا، لم أعد أحتملُ البقاء مخفيّةً في الأرض كلّ هذه السّنوات. فور طلوع الفجر، اذهبي لمقابلة "ستاماتِللوس كانغاذيس". أخبريه بأنّني أرغبُ في كشف قصري المهجور المدفون في حقل "أنطونيوس ذُكساراس". وليهتمَّ هو ببنائه ثانية، عظيمًا كسابق عهده.

   ارتعبتِ الرّاهبة من الرّؤيا، لكنّها كانت تعلم من الكتاب المقدّس أنّه كثيرًا ما أعلن الله إرادته عن طريق الأحلام، غير أنّها فكّرت باتّضاع قائلةً: "كيف يمكن أن يحدث لي هذا، أنا الحقيرة الّتي لا قيمة لها. أيُمكن أن أستحقّ أنا البائسة مثل هذه النّعمة؟". أخذَت تُصلّي. وكانت تخاف أن تخبر أحدًا عن الحلم. غير أنّ والدة الإله استمرّت في الظّهور لها مذكِّرةً إيّاها بتعليماتها. أمّا الرّاهبة فبقيت صامتة ولم تُعلم أحدًا. أخيرًا جاءتها والدة الإله في الحلم يوم الأحد في ٢٣ تموز وكلّمتها بلهجةٍ قاسية ووبّختها لعدم إيمانها قائلةً: "اذهبي واعملي كما سبقتُ وطلبتُ منكِ، كوني مطيعة!".


كنيسة والدة الإله الّتي بُنيت في تينوس.

   استيقظت البارة بيلاجيا خجلة، وعاينت بدهشةٍ، تحت ضوء قنديل الأيقونسطاس الخافت، أنّ الظّهور الفائق ما زال مستمرًّا، وسمعت التّهديد التّالي: "إن لم تنفّذي رغبتي، فسيُعاني كانغاذيس والجزيرة كلّها أيضًا ضيقاتٍ كثيرة".

   أغلقَتِ الرّاهبة القدّيسةُ عينَيها بيدَيها في محاولةٍ منها لتجنّب النّظرة القاسية، وسألت بخوفٍ: "وكيف سيتمكّنُ كانغاذيس من بناء قصركم أيّتها السّيّدة؟".

   - "أنتِ أتمّي ما أمرتُك به، وأنا سأهتمّ ببناء القصر".

   - "ومن أنت الّتي تُعطيني هذا الأمر؟".

   للحال ارتسم تعبير رقيق على وجه السّيّدة وأشارت بيدِها إلى العالم كلّه، وقالت: "استبشري أيّتها الأرض بالفرح الأعظم". فسقطتِ الرّاهبة على ركبتَيها متأثّرةً، وبالكاد استطاعت أن تُكمل قول السّيّدة: "سبّحي أيّتها السّموات مجد الرّبّ"، فغادرتها والدة الإله. قامت الرّاهبة لتوّها وأعلمت رئيسة الدّير بالرّؤيا، وأخبرت أيضًا "ستاماتِللوس كانغاذيس"، وهو بدوره إذ أقامته والدة الإله على أعمال التّنقيب ذهب وأعلم "الأسقف غبرييل" بالأمر. وإذ كان الأسقف قد سمع في السّابق عن أحلام "ميخائيل بوليزيوس" أيقن أنّ خبر الرّاهبة يتوافق مع ما سبق فسرده هذا الرّجل. فكتب إلى كلْ كنائس جزيرة تينوس، حاثًّا إيّاهم على أن يتعاونوا لأيجاد الكنيسة والأيقونة.

نبع الماء الّذي وُجد في المكان وأصبح ضمن كنيسة الينبوع الحي.
   بدأت أعمال التّنقيب في أيلول من العام ١٨٢٢ تحت إشراف الأستاذ كانغاذيس. كُشف عن أساسات كنيسة السّابق الّتي دمّرها العرب عام ١٢٠٠، ووجدوا أيضًا بئرًا قديمة بقرب الكنيسة ولكن لم يجدوا أثرًا لأيّة أيقونة. وإذ نفذ المال لإتمام المشروع، توقّفت الأشغال.

   فظهرت والدة الإله للرّاهبة بيلاجيا ثانيةً، حاثّة إيّاها على إكمال أعمال التّنقيب. بعث الأسقف غبرييل نداءً للمرّة الثّانية طلبًا لجمع المال اللاّزم لإعادة بناء كنيسة جديدة على أساسات الكنيسة القديمة للقدّيس يوحنّا السّابق المجيد. وبعد جهد، تمّ بناء كنيسة جديدة كُرّست للسّابق المجيد وللينبوع الحيّ.

   وفي ٣٠ كانون الثّاني ١٨٢٣، فيما كان البنّاؤون يجهّزون الأرض بغية رصفها بالحجارة، حوالي الظّهر، ضرب أحد العمّال واسمه "عمّانوئيل ماتسوس" بفأسه قطعةً خشبيّة فالقًا إيّاها إلى قسمَين.  تطلّع إلى جزء من الخشبة ورأى أنّها محروقة من جهة، في حين أنّ الجهة الأخرى فيه بقايا طلاء. نفض الغبار عنها وعرف أنّها أيقونة، وإذ جمع القسمَين، رسم على نفسه إشارة الصّليب وقبّل الأيقونة.

   نادى هذا العامل رفقاءه كي يتبرّكوا هم أيضًا من الأيقونة. وإذ تمّ تنظيفها تبيّن أنّها أيقونة لبشارة والدة الإله. وإنّ الشّق كان في وسطها، ما بين الملاك جبرائيل ووالدة الإله، ولم تتضرّر الوجوه. في اليوم عينه سُلِّمَت الأيقونة إلى الأسقف غبرييل، الّذي قبّلها بوقار وصرخ: "عظيم أنت يا ربّ وعظيمة هي أعمالك!".

   بعد العثور على الأيقونة امتلأ سكّان تينوس غيرةً فبنوا كنيسة مهيبة إكرامًا لوالدة الإله. كان النّاس يقدّمون المال مع أتعابهم لأجل بنائها.

   اكتملت الكنيسة عام ١٨٢٣، وقد كرّسها الأسقف غبرييل. رقدت الرّاهبة بيلاجيا في ٢٨ نيسان ١٨٣٤. تمّ إعلان قداستها وحدّد عيدها في ٢٣ تموز.

   تُعتبر أيقونة البشارة هذه من أثمن كنوز تينوس واليونان وقد جرت بها عجائب أشفية ونجاة كثيرة.


تطوافٌ بالأيقونة العجائبيّة.

المرجع:

مواهب وموهبون الجزء ٢ (٢٠٠٩)، ترجمة الخوريّة سميرة حموي عطيّة، عن دير المعزّي في أوروبوس – اليونان.

Finding of the Panagia Evangelistria Icon in Tinos:

http://www.johnsanidopoulos.com/2010/01/finding-of-panagia-evangelistria-icon.html

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share