صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
التّوبة

   إحفظْ نفسك بلا انقطاعٍ في حالةِ توبةٍ ونوح. تحقّق من ضعفاتك الصّغيرة وحاربها لأنّك إذا لم تهتمّ بالصّغيرة كُن أكيدًا أنّك ستسقط، وعندها ستجد نفسك غير مبالٍ بالكبيرة أيضًا. أحيانًا تتولّد أكثر الخطايا خطورة وجديّة من الفكر الخاطئ وغير المتواضع.

   بداية التّوبة هي بداية الخلاص. وبداية التّوبة هي الابتعاد عن الخطيئة، وبداية الابتعاد عن الخطيئة هي الإرادة الحسنة والصّالحة.

   الإرادة الصّالحة تلد الأتعاب، والأتعاب الفضائل، والفضائل العمل الرّوحيّ، وفي النّهاية عندما يكون العمل الرّوحيّ مستمرًّا وثابتًا يُثبّت الفضيلة في النّفس ويجعلها حالة طبيعيّة، إذ ذاك حين تصل إلى هذه الدّرجة ستكون لستَ ببعيدٍ عن ملامسة الله.

   إسمع بانتباهٍ شديدٍ كيف يُشدِّدُ القدّيس يوحنّا السّلّميّ على التّوبة الحقيقيّة: "إنّ التّوبةَ هي تجديد المعموديّة. وهي مصالحة مع الله من أجل حياة جديدة، وابتعاد كامل عن الخطيئة. وانسحاق عميق وتواضع. التّوبة ابتعادٌ ثابتُ عن كلِّ راحةٍ جسديّةٍ وهي لومٌ للذات مستمرٌّ. وهي عدم الاهتمام بشيء إلاّ بخلاص النّفس. التّوبةُ هي عملُ الفضيلةِ ومناقضةُ أعمالِ الخطيئة السّابقة. وهي تنقيةُ الضّمير المُظلمِ، وصبرٌ طوعيٌّ على كلِّ الأحزانِ الآتيةِ من النّاسِ والشّياطين. التّوبةُ عقابٌ للذّات وشقاءٌ للجسد مستمرّ. وهي حرق الخطايا بنار الصّلاة المستمرّة".

   كلّ هذه تكوِّن التّوبة الحقيقيّة. ولكن هل هي دلالات توبتِكَ أنت؟.

   هذا العالم الّذي نسيَ الله، صار أرضًا للخطيئةِ والعويلِ. ليس في العالمِ شيءٌ صالحٌ، ولا يستحقّ الثّناء. الخطيئةُ تسودُ في كلِّ مكانٍ، وهناك الإثمُ والعصيان، ونتائجُها الّتي لا مفرّ منها: الألمُ، والحزنُ والتّنهد. "كلُّ الرّأسِ مريضٌ وكلّ القلبِ سقيم. من أسفلِ القدم إلى الرّأسِ ليس فيه صحّةٌ بل جرحٌ وإحباطٌ وضربةٌ طريّة لم تُعصَر ولم تُعصب ولم تُلَيَّنْ بالزّيت" (إشعياء ١: ٥-٦)، لهذا يا أخي "أسكُبِ الدّمعَ كالنّهرِ نهارًا وليلاً ولا تكفَّ عينك ولا تعطِ ذاتَكَ راحةً" (مراثي إرميا ٢: ١٨).

   بكى كلُّ القديّسين وحزنوا كثيرًا، تابوا عن خطاياهم "صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً" و"مزجتُ شرابي بدموعي" (مزمور ٤١: ٣، ١٠٢: ٩). ما بكى السّيّد لأنّه بحاجة لدموع الخطايا بل حَزِنَ على عدم توبة البشر وقساوة قلوبهم. "فيما هو يَقتَرب نَظَرَ إلى المدينة (مدينة أورشليم) وبكى عليها، قائلاً إنّكِ لو عَلِمْتِ أنت أيضًا حتّى في يومكِ هذا ما هو لسلامِكِ!، ولكن الآن قد أُخفيَ عن عينَيْكِ" (لوقا ١٩: ٤١-٤٢).

   كيف لا تبكي عندما ترى أنّ حياتَكَ مليئةٌ بالتّجارب والأحزان، والألم والنّكبات؟، "أيُّ نعيمٍ ثبت في الدّنيا من دون أن يخالطه حزنٌ؟ أم أيُّ مجدٍ استقام على الأرض من غير انتقال؟. الكلُّ أضعف من الظّلّ. الكلُّ أخدَعُ من الأحلام. لحظةٌ واحدةٌ وجميع هذه الأشياء يعقبها الموت..." (من الإيذيوميلاّ الأولى للقدّيس يوحنّا الدّمشقيّ).

   كيفَ تُجازِف بأن تفقد الحياة الأخرى ولا تحزن على هذا؟. هذه هي المصيبة الكبرى. لا أحد يعرف ماذا سيجدُ هناك، وليس لدي أيّة فكرةٍ أو معلومات....، سيتسلّل الموت كاللّص ويفصل النّفس عن الجسد.

   في أيّة ساعة سيحدث هذا؟. ستُغادرُ النّفسُ إلى هناك حيث لم يكن هناك أحد، سترى ما لم يعرفه أحد، وستسمع ما لم يُسمع مِن قَبل.

   إبكِ إذًا. تُبْ وقدِّمْ للرّبِّ دموعك كطيبٍ للتّوبة. الدّموع تطهّر النّفس وتمسح كلّ وصمة، تُبهجُ الضّمير وتُنير الذهن، تحلُّ سيور الأهواء وتمزِّقُ الخطايا المكتوبة.

   إبكِ ونُحْ بتوبةٍ، لتَغسلَ خطاياك وتطهِّر دنس نفسِكَ وتُشفى من العمى الرّوحيّ، ولتُغرِقَ في بحر الدّموع مفهوم فرعون العقيم، ولتَمحوَ بمجاري عينَيك لهيبَ مذاقةِ الجحيم، وتؤهَّل للحياةِ الأبديّة في المسيح يسوع ربِّنا.


المرجع:

   القدّيس ديمتريوس روستوف، الأبجديّة الرّوحيّة، نقلته عن اليونانيّة ماريا قبّارة، مكتبة البشارة، بانياس (٢٠٠٥).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share