كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
رسالة في المسكونيّة للقديس بائيسيوس الاثوسي.

   هذه رسالة وجّهها الأب بائيسيوس الآثوسي (المعلنة قداسته حديثًا)، إلى أب كاهن اسمه الأب خرالمبس، موضوعها الحركة المسكونيّة. الدافع إليها موقف البطريرك القسطنطيني أثيناغوراس. تاريخها ٣ كانون الثاني ١٩٦٩. أُرسلت من الجبل المقدّس.

(ملاحظة الناشر)

   

 قدس الأب خرالمبس،

   أشعر بالحزن الشديد كابن للكنيسة، بسبب الإضطراب الكبير في كنيستنا، الحاصل بسبب التّواصل بين البطريرك المسكونيّ والبابا، والمجموعات المختلفة الّتي تعمل من أجل وحدة (الكنائس).

   أعتقد أنّه من الجيّد، بالإضافة إلى تقديم الصّلوات، أن أكتب هذه الكلمات القليلة، كراهب مسكين، كيما تساعد على رفء ثوب أمّنا (الكنيسة) المجزّأ. وأَعلمُ أنّ محبّتَك سوف تساعد على إيصالها إلى أحبّائك الرّهبان، وشكرًا.

   بدءًا، أودّ أن أطلب المسامحة من الجميع للجرأة الّتي بها أكتب هذه الكلمات ولست أنا بقديس ولا لاهوتيّ. أتمنّى أن يفهم الجميع أنّني أكتب تعبيرًا عن حزني العميق النّاجم عن الموقف المؤسف المحبّ للعالم الّذي لأبينا البطريرك أثيناغوراس.

   يبدو لي أنّ البطريرك يُحبّ "امرأةً" أخرى عصريّة تُسمّى كنيسة البابا، ولم تعد "أمّنا" الأرثوذكسيّة لتجذبه بعد بما هي عليه من الإتضاع.

   هذا الحبّ من ناحية القسطنطينيّة يثير ردّات فعل كثيرة في أوساط الأرثوذكسيين، اليوم، العائشين في محيط قد أفرغ الحبّ فيه من معناه، وهم مشتّتون في مدن كثيرة في هذا العالم. وهذا الحب يلائم تمامًا روح هذا الزّمان: تفقد العائلة معناها الإلهيّ بسبب هذا النوع من الحبّ الآيل إلى التّفريق لا إلى التوحيد.

   بهذا الحبّ العالميّ بالذّات يحملنا البطريرك إلى روما. كان عليه أن يحبّنا نحن أولاده وأمّنا الكنيسة بالأولى، أمّا هو فيا للهول حوّل حبّه إلى ناحية أخرى بعيدة كثيرًا. أمّا نتيجة ذلك، فتروق بالطّبع لأولاده الدّهريين، المحبّين للعالم (الّذين حبّهم هو من هذا الحبّ العالميّ عينه). أمّا نحن، أولاد الأرثوذكسيّة، الخائفي الله، فقد خَذَلنا تمامًا، شبّانًا وكهولًا!.

   أعترف بأسى عميق، أنّني لم أجد عند ولا واحد من الوحدَويين (المسكونيين)، الّذين التقيتُهم، أيّ أثر للرّوحانيّة!. مع أنّهم يُجيدون التّحدّث عن المحبّة والوحدة، في حين أنّهم ليسوا متّحدين بالله، لأنّهم لا يحبّونه!.

   أترجّى بحنان كلّ الإخوة الوحدويين: بما أنّ وحدةَ الكنائس هي عمل روحانيّ، وبذا تتطلّب حبًّا روحانيًّا، فلنترك هذه المهمّة لمن لهم حبٌّ عظيم للّه وهم لاهوتيّون حقيقيّون، كآباء الكنيسة، الّذين ليسوا مشرّعين ولكنّهم مستمرّون في بذل حياتهم للكنيسة (بدل أن يشتروا شموعًا كبيرة)، وهم ملتهبون بنار محبّة الله بدل أن يُضاؤوا بقدّاحة قندلفت.

   علينا أن نعترف أنّ النّواميس الرّوحانيّة موجودة كما النّواميس الطّبيعيّة. لذلك لا يُرَدُّ غَضَبُ الله بوساطة لقاءٍ لخطأة (لأنّه بذا يحلُّ علينا غضبٌ مضاعفٌ)، بل بالتّوبة والإلتصاق بوصايا الله.

   لذلك علينا أن نعرف أنّ كنيستنا الأرثوذكسيّة هي بغير شائبة. أمّا الضّعفات الظاهرة فهي بسبب النّقص في المطارنة والكهنة ذوي المعرفة الأبائيّة الأصيلة. "أما المختارون فقليلين" (مت ١٤: ٢٢). لا نضطربنّ لهذا. الكنيسة كنيسة المسيح وهو ربّانها. الكنيسة ليست بناءً من حجر وأتربة وإسمنت، قابلٍ للهدم، لكنّها المسيح بذاته." وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ" (مت ٢١: ٤٤).

   عندما تدعو الحاجة، لَيُظهرَنَّ سيّدُنا ثمّةَ مَرقسًا أفسسيًّا آخر أو غريغوريوسَ بالاماس آخر، ليجمع الإخوة المتعثّرين، للإعتراف بالإيمان الأرثوذكسيّ، والتّمسّك بالتقليد، لسرور وبهجة أمّنا الكنيسة.

   في الماضي، انفصل كثيرٌ من المؤمنين، رهبانًا وعلمانيين، عن الكنيسة، بسبب الوحدَويّين. برأيي يقع الخطأ، كلّ مرّة ينفصل فيها مؤمنون عن الكنيسة، بسبب أخطاء البطريَرك. في الدّاخل، من قلب أمّنا الكنيسة، يتحتّم واجبُ كلِّ فردٍ أن يجاهد بطريقته. التّوقّف عن ذكر البطريرك، والإنفصال عن الكنيسة وإنشاء كنيسة أخرى، والإستمرار في النّيل من سمعة البطريرك بطريقة جارحة، هو دليل جهل.

   إذا ما كنّا بسبب زلّة للبطريرك، هنا وثمّة، ننفصل عن الكنيسة، وننشىء لنا كنائس خاصّة - ليحفظنا الله من ذلك - فإنّنا بذلك نتخطّى البروتستانت!. إنّه من الأيسر أن ننفصل من أن نتّحد من جديد!.

   للأسف لدينا الكثير من "الكنائس"، الّتي أنشأتها مجموعات كبيرة او حتّى إنسان واحد. من الممكن أن يُنشىء الواحد كنيسته في إسقيطه الخاصّ (أعني بذلك ما يحدث في الجبل المقدّس)، وبذا يعتقد أنّه قد أنشأ كنيسته المستقلّة.

   إذا كان الوحدويون يرمون الكنيسة بسهم، فإنّ الآخِرين الّذين ذكرتُهم إنّما يسدّدون لها الثّاني.

   لنصلِّ حتّى ينيرنا الله، ومعنا البطريرك أثيناغوراس، حتّى تتّحد بالأولى هذه "الكنائس" المذكورة سابقًا، ويعود الهدوء إلى قلوب المؤمنين المتعثّرين، ويسود السّلام والوئام بين كلّ أبناء الكنيسة الأرثوذكسيّة، ومن ثمّ نفكّر كيف نتّحد مع "المذاهب" الأخرى، إذا ما كانت تريد، وبصدق، أن تنضمّ إلى الإيمان الأرثوذكسيّ.

   وأشير أيضًا إلى وجود فريق ثالث في كنيستنا، وهم إخوة، وأبناء أمناء، ولكن لا تفاهم روحيّ بينهم. يُمضون الوقت في انتقاد بعضهم البعض بشكل غير مُجدٍ بالكليّة. يراقبون بعضهم البعض (بدل أن يراقبوا ذواتهم) ويكيلون التّهم اللاّذعة لما يقوله أو يكتبه الآخرون... وينجم عن ذلك إعثار كثير، إذ يؤذون بعضُهم البعض بهذا التّصرّف، باذرين الشكّ في قلوب ضعفاء النّفوس.

   للأسف بيننا من يدلي بتصاريح مؤذية تجاه الآخرين، إذ يريدون أن يكون الجميع على مثالهم، وإن لم يكن كذلك، أو كان لطيفًا معنا أو حازمًا، نطلق الحكم عليه أنّه ليس روحانيًّا. لكلٍّ منّا أهميّته في الكنيسة: جميع الآباءً، لطفاء كانوا أم حازمين، عندهم ما يقدّمونه للكنيسة. تمامًا كما الأعشاب، الّتي منها المرّ والحلو، وكلّها تفيد أجسادنا. والأمر عينه ينطبق على الكنيسة، كلّ منّا له أهميّته: كلّ  يُكمل الخصال الروحيّة للآخر، وكلّنا مرتبط بعضنا بالبعض الآخر، بقصد دعم لا فقط الاختلاف في خصالنا بل بالأكثر ضعفاتنا الإنسانيّة.

   أطلب المعذرة من جديد لأجل كتابتي الجريئة هذه. أنا لستُ سوى راهبٍ مسكين، وعملي الأساس هو أن أحارب بكلّ ما أوتيتُ من قوّة لأتحرّر من إنساني القديم ومساعدة الآخرين في الكنيسة بمعونة الله بالصّلاة.

   لكنّني كتبتُ ما شعرتُ به، إذ انتابني حزن شديد، لمّا بلغت قلاّيتي أخبار الأحداث المحزنة في كنيستنا الأرثوذكسيّة المقدّسة.  

   في النّهاية، علينا كلّنا أن نصلّي حتّى يُنعم علينا الله، بأن نساهم كلّ في موقعه في مجد الكنيسة.


نصّ منشور بواسطة الموقع الإلكتروني:

http://www.manastir-lepavina.org/vijest_fr.php?id=3293

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share