بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
المحبّة هي طريق الخلاص.

للقدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم.

المحبّة هي ميزة المسيحيّ الحقيقيّ، فهي تظهره تلميذًا للمسيح المصلوب الّذي لم تكن لديه أيّة علاقة بالأمور الأرضيّة. من دون المحبّة، الشّهادة لا تفيد أبدًا.!.

    لنقتني، إذًا، هذه الموهبة الممتازة وليحبّ بعضنا بعضًا، ولا تقولوا لي:" إنّنا نحبّ لأنّنا لدينا بعض الأصدقاء"، حيث واحد واثنان وآخر ثلاثة وآخر أربعة. هذه ليست محبّة نقيّة، مسيحيّة، متّفقة مع مشيئة الله، إذ إنّ كلّ من لديه المحبّة التّي يريدها الله لا يحبّ أصدقاءه الّذين يحبّونه فقط، بل كلّ النّاس وحتّى أعداءه الّذين يكرهونه ويظلمونه أيضًا. يقول الرّبّ:" أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟"(مت5: 44- 46).

    كم كان سيكون عالمنا مختلفًا لو كانت المحبّة سائدة في كلّ مكان.!. لما كانت هناك ضرورة لقوانين ولا لمحاكم، ولا لعقوبات، لا أحد كان سيظلم قريبه، وكانت ستختفي النّزاعات والقتالات والحروب والفوضى والخطف والطّمع، والظّلم كلّه، ولكان الشّرّ مجهولًا بالكليّة، لأنّ المحبّة لديها الميزة الوحيدة الّذتي تميّزها عن الفضائل الأخرى وهي أنّها لا تترافق مع بعض النّقائص. على سبيل المثال عدم القنية يترافق غالبًا مع الغرور، والفصاحة مع حبّ الظّهور، وصنع العجائب مع العجب، والرّحمة مع الشّهوة، والتّواضع مع الكبرياء، وقِس على ذلك، هذه لا توجد في المحبّة الحقيقيّة إذ إنّ الإنسان الّذي يحبّ، يعيش على الأرض كما كان يعيش في السّماء، بهدوءٍ وفرحٍ لا اضطراب فيهما، وبنفسٍ طاهرة من الحسد والغيرة والغضب والكبرياء والميل الشّائن، وكما أنّه لا أحد يفعل سوءًا بنفسه، هكذا أيضًا لا يفعل أحد سوءًا بقريبه الّذي يعتبره كنفسه.  هذا هو إنسان المحبّة- ملاك أرضيّ.!. لكنّ ذاك الّذي ليست لديه محبّة، ولو صنع عجائب كثيرة، وكانت لديه معرفة تامّة بالحقائق الإلهيّة، وإن أقام آلاف الموتى، فلن يربح شيئًا بما أنّه يعيش لنفسه فقط وبعيدًا عن الآخرين. لذلك، بالضّبط، حدّد المسيح المحبّة للقريب بأنّها برهان المحبّة الكاملة له، إذ قال للرّسول بطرس:" إن كنت تحبّني إرعَ خرافي"(يو 21: 16). وهذا يرمز إلى أنّ للمحبّة قيمة أكبر من الشّهادة.

    لو كانت المحبّة تسود في مجتمعنا، لما كان هناك تمييز، ولما كان هناك عبيد وأحرار، أسياد وعبيد، فقراء وأغنياء، صغار وكبار، كذلك لكان إبليس وشياطينه مجهولين وضعيفين بالكليّة لأنّ المحبّة أقوى من كلّ سور وأصلب من كلّ معدن، لا يغلبها لا الفقر ولا الغنى. بالأحرى، حيث تسود المحبّة لا يعود هناك غنى وفقر، بل فقط إيجابيّات الاثنين: من الغنى يأخذ الفقر الوسائل الضّروريّة للحفاظ على حياته، فيما يأخذ الغنى من الفقر راحة البال، وهكذا تتوارى اهتمامات الغنى ومخاوف الفقر.
مائدة محبّة تجمع الأغنياء والفقراء.

    لكن لِمَ أذكر فقط الفوائد الّتي تسبّبها محبّة الآخرين.؟. كم هي رائعة، بالأَولى، محبّة كهذه، بحدّ ذاتها.!. كم من الفرح والسّلام تفيض بالنّفس الّتي تملكها.!. هذه واحدة من ميزاتها الكبرى. الفضائل الأخرى، كالصّوم والسّهر والعفّة ترافقها بعض المتاعب، ومرّات كثيرة تسبّب الحسد لدى الآخرين، لكنّ المحبّة، إلى جانب فوائدها الأخرى، تولّد شعورًا مفرحًا ولا تسبّب تعبًا أبدًا. كمثل النّحلة الّتي تجمع العصارة السّكريّة من أزهار مختلفة وتجلبها إلى الخليّة، هكذا تجمع المحبّة الصّالحات أيضًا من كلّ مكان وتستودعها النّفسَ الّتي تسكن فيها. فإن كان العبد يملك محبّة في نفسه، فإنّ عبوديّته تبدو له أكثر سعادة من الحرّية، لأنّه يفرح بأنّهم يأمرونه بدلًا من أن يأمر هو، ويخدمُ بدل  أن يخدموه، ويساعد بدلًا من أن يساعدوه. المحبّة تغيّر طبيعة الأشياء، وتكون يداها ممتلئتين بالخيرات كلّها، وتقترب منّا بحنان أكبر من حنان الأم، وبكرم أوفر من كرم الملوك، وتجعل الأعمال المتعبة والصّعبة خفيفة وسهلة معلنةً لنا حلاوة الفضيلة ومرارة الشّرّ. سأذكر لكم أمثلةً عديدة متعلّقةً بهذا الأمر: أن تقدّم الآخرين على ذاتك يبدو ثقيلًا بينما المحبّة تجعله خفيفًا، وأن تأخذ من الآخرين يبدو مسرًّا لكنّ المحبّة تجعله محزنًا، وأن تسيء إلى الآخرين يبدو ممتعًا لكنّ المحبّة تجعله مرًّا. المتعة الكبرى، بالنّسبة للمحبّة، هي الكلام الطيّب وتقدير الجميع.

    الغضب، أيضًا، يولّد سعادة قاسية لكن ليس في إنسان المحبّة لأنّه لا يعرف الغضب، فإن أحزنه قريبه لا يغضب بل يفيض دموعًا وطلبات وتوسّلات، وإن رأى قريبه يخطىء فإنّه يبكي ويتألّم، لكنّ هذا الألم يكون حلوًا لأنّ دموع المحبّة وحزنها هي أسمى من كلّ ضحك وفرح. السّلام والرّاحة اللّذان يشعر بهما كلّ اللّذين يبكون لأجل أحبّائهم، لا يشعر بهما كلّ الّذين يضحكون.

    قد تسألونني:" ألا تلد المحبّة فرحًا ولو كان غير حقيقيّ على كلّ حال.؟."

    لا، المحبّة النّقيّة، فقط، تجلب فرحًا طاهرًا ونقيًّا، والمحبّة النّقيّة ليست المحبّة الدنيويّة والسّوقيّة الّتي تخلق الشّرّ والرّذيلة، بل المحبّة المسيحيّة والرّوحيّة الّتي يطلبها منّا بولس، والّتي تهدف إلى منفعة القريب. هذه المحبّة كانت لدى الرّسول الّذي كان يقول:" من يضعف وأنا لا أضعف، من يعثر وأنا لا ألتهب"(2كو 11: 29).!.

    لا شيء يُغضب الله أكثر من عدم مبالاتنا بالقريب. لذلك أمر بأن يعاقَب العبد الّذي أظهر قساوة تجاه زملائه العبيد بشدّة. ولذلك قال إنّه يجب أن تكون ميزة تلاميذه المحبّة، لأنّ المحبّة تقود إلى الاهتمام بالقريب بشكل طبيعيّ.

    قد تسألونني أيضًا:" عندما نهتمّ بالقريب، ألا نهمل خلاصنا.؟."

    لا يوجد خطر كهذا، بل بالعكس، لأنّ ذاك الّذي يهتمّ بالآخرين لا يسبّب حزنًا لأحد، بل يعطف على الجميع ويساعد الجميع بقدر ما يستطيع ولا يسلب شيئًا من أحد ولا يكون طمّاعًا أو سارقًا أو كاذبًا، بل يتجنّب كلّ شرّ ويطلب الخير دائمًا، ويصلّي من أجل أعدائه ويسامح كلّ الّذين يظلمونه، إضافةً إلى أنّه يُشتم ولا يسيء الكلام مهما فعلوا به. ألا نساهم بكلّ هذه في خلاصنا.؟.

    المحبّة، إذًا، هي طريق الخلاص، فلنتبعها لكي نرث الحياة الأبديّة.!.

   

المرجع:

    "أقوال الحياة"، الجزء الأوّل(2007)، القدّيس يوحنّا الذّهبي الفمّ.  

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share