الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
العيش في السّماء.

ذكريات ابن كاهن أرثوذكسيّ رومانيّ.

كنيسة في ريف "رومانيا".

   في وسط السور المقدّس تنتصب الكنيسة بالقرب من د‏ار الخورنيّة الذي ولدت فيه.

    ‏الكنيسة، وإن كانت قد بنيت على الأرض، فإنها ليست بناءً أرضيًّا. وعلى كل حال، فإنها لا تشبه أيّ بناء آخر. إنّها نسخة أرضية منقولة عن الكنيسة الحقيقية في السّماء.الكنيسة هي في السّماء- كما يصفها القديس يوحنّا في كتاب الرؤيا. والمباني الّتي نراها في المدن والقرى، ونسمّيها كنائس، ليست إلّا نماذج عن الكنيسة الأصليّة.

    ‏إنّه يستحيل بناء مسكن سماويّ على الأرض لأنّه يستحيل بناء السّماء بالرّخام أو الغرانيت أو الخشب، أو بأيّة مادّةٍ ‏أخرى من الموادّ الثّقيلة الّتي نملكها على الأرض. فالمسكن السّماوي يجب أن يشاد بموادّ  سماويّة: ونحن لا نملكها. لذلك نبني على الأرض نماذج عن كنيستنا، حسبما أُوحيَ للأنبياء، ونستعين بالرّموز. والرّمز هو التعبير بالصورة، بطريقة غير مباشرة، عن الحقائق الّتي نعجز أن نعبّر عنها مباشرةً، بسبب افتقارنا إلى الوسائل. وفهمُ الرّمز هو المساهمة في استحضار ما يمثّل. فالأيقونة، والكنيسة، والاحتفال بالذّبيحة، والتعبّد ذاته، مهما كان، لا قيمة لها في نظر غير المؤمن، كما أنّ لا قيمة لأثمن كتابٍ في العالم بالنّسبة لأمّيٍّ. فمَن لا يؤمن يقف غريبًا أمام الكنيسة، والّليتورجية، والأيقونة، مثل الأمّيّ أمام صفحات الكتاب.

    ‏أوّل الرّموز هو شكل الكنيسة. إنّها تشبه سفينة متّجهة نحو الشّرق. وشكل السّفينة يرمز إلى أنّ الكنيسة ليست أرضيّة. إنها تطفو مثل سفينةٍ فوق الأرض. ومن ثمّ إنّها صورةٌ لله. وهكذا ترمز إلى الكون كلّه، لأن الله هو الكلّ. والكنيسة تُقسم إلى ثلاثة أقسام، لأنّ الله ثالوث. فالقسم ‏الرّئيسيّ في الكنيسة هو قدس الأقداس الّذي يرمز إلى السّماوات، وسماء السّماوات حيث يقوم عرش الله. والكاهن ‏الّذي ينوب عن الله، يقف في قدس الاقداس. والقسم الآخر ‏من الكنيسة، يمثّل العالم المنظور. فقبّة الكنيسة ترمز إلى قبة السّماء. وأرض الكنيسة ترمز إلى ما يوجد على الأرض. وعلى القبّة، صورة السيّد الأعظم (Pantocrator) تعلو كلّ الصور. إنّه يرمز إلى الشّركة في المحبّة، والاتّحاد بالمسيح. شركة قدّيسي الأرض مع قدّيسي السّماء،. وتحت صورة السّيد الأعظم نرى صورة المسيح تتوسّط الأيقونات، وعن جانبيه أمه ويوحنا المعمدان، والملائكة والرّسل مع باقي القدّيسين.

الرّبّ يسوع يناول التّلاميذ.

    ‏كلّ هذا لكي نتذكّر بأنّ المسيح هو في السّماء بصحبة القدّيسين، وأنّه معنا أيضا، وأنّه سيرجع يومًا .

    ‏تحت هذه الأيقونات يجتمع المؤمنون- المؤمنون المجتمعون لإقامة الذّبيحة الإلهيّة، والقدّيسون الّذين في السّماء- ولا يفصل بينهم شيء. فالسّماء والأرض لا تنفصلان أثناء الذّبيحة. ولهذا السّبب يبخّر الكاهنُ المسيح والقدّيسين والمؤمنين. كلّهم مجتمعون في سفينة واحدة، ومختلطون؛ ‏قدّيسو الأرض وقدّيسو السّماء، لأنّ الكنيسة، قبل أيّ شيء آخر، هي مكان المصالحة بين السّماء والأرض، هي اختلاطُ السّماويّ بالأرضيّ، بفضل حضور المسيح.

    ‏فالرّموز لا تحصى، وكلّها تعبّرعن التقاء السّماء والأرض. إنهما تختلطان فيها كما تختلط مياه النهر في المصبّ. والكنيسة، كالأيقونة، هي تكملةٌ لصلاة الأفخارستيّا، وهي جزء  مكمِّلٌ للّيتورجيا.

    ‏وبما أنّ الكنيسة هي السّماء مبنيّة على الأرض، فبإمكاني أن أجزم- بدون مبالغة- بأني قضيتُ طفولتي في السّماء، أي في الكنيسة وضمن السّور المقدّس. . . فكانت حياتي، بالمعنى الحقيقيّ والمجازيّ، ليتورجية مستمرّة وسامية.

    ‏فمنذ أن بدأت أحبو، كنت بالقرب من والدي، أشاركه في كل الرّتب: القدّاسات، والجنّازات، والعماد، والزّواج، والزّياحات، والطّلبات.

    ‏عدديًّا، رومانيا هي البلد الأرثوذكسيّ الثّاني. ونحن الشّعب الأرثوذكسيّ اللّاتيني الوحيد. فإنّنا نستعمل كلمات لاتينية  أكثر من أيّ شعب آخر، مع أننا نكهن بلغتنا الأمّ.

    ‏إنّه لا يحقّ للكاهن أن يقيم الذّبيحة الإلهية، أو أيّة رتبة أخرى كبيرة، ما لم يحضرها شخصٌ واحدٌ على الأقل. فكنتُ أنا دائمًا هذا الشّخص الثّاني. ونعرف أنّه حيث يكهن كاهن بحضور شخص واحد يكون الله حاضرًا. فهؤلاء الثلاثة، الله، والكاهن، والمؤمن، يؤلّفون وحدهم كنيسة كاملة، إلهيّة، رسوليّة وكاثوليكيّة (الكنيسة الجامعة). أنا، ووالدي، والله، كنّا نؤلّف هذه الكنيسة. نؤلّف جسد المسيح البشري. ولفظة"كاثوليكيّة" لا تعني عندنا كنيسة تشمل عدديًّا كلّ

أنا ووالدي والله.
الشّعوب، في كل مكانٍ على الأرض، وإنّما نوعيًّا. لأنّ من يتّحد بالله هو في شراكة مع الكون بأجمعه. وكلّ كنيسة تعجز أن تكون أكبر، أو أشمل من الكنيسة الّتي كنّا نؤلّفها أنا، ووالدي، والله، رغم أنّنا لم نكن إلّا ثلاثة، في كنيسةٍ صغيرةٍ من خشب، في أطراف جبال "باترودافا". أنا كنت أعرف ذلك. كنت أعرف أنّنا نؤلّف كنيسةً لا يمكن أن يوجد أكبر وأشمل منها، لأنه لا شيء أكبروأشمل من الله الّذي كان معنا، والّذي يمثّل الكلّ.

    كانت قمّة حياتنا الاحتفال بالذّبيحة الإلهيّة. فالافخارستيّا ليست إعادةً لذبيحة المسيح، وإنّما هي دائمًا ‏ذبيحةٌ حيّة، تتمّ أمام عيوننا. فقد كنت في الحقيقة، شاهدًا لحياة المسيح، ومعاصرًا لآلامه على الجلجلة، ولقيامته. وأحيانًا كان يدفعني إيمان طفل شاعر متحمّس، فكنتُ أعرب عن أسفي لأنّني لم أعش في زمن المسيح. تمنّيت لو رأيته صغيرًا، في ‏المذود كما رآه المجوس والرّعاة. ولكنّ والدي يؤكّد لي بأنّي ‏أعاصر المسيح، وبأنّ كلّ مسيحيّ هو معاصر للمسيح. وكان يستشهد بكلام يوحنّا الذّهبيّ الفم:"أنت لست المسيحي الوحيد الّذي يأسف لأنه لم ير المسيح. فكم من أناس يقولون اليوم: "إني أريد أن أراه شخصيًّا، بوجهه، وملامحه وثيابه، وحذائه". إنّكم ترونه، وتلمسونه، وتأكلونه... إنّه يهبكم ذاته... لأنّ جسد المسيح لم يعد في المذود، وإنّما على المذبح. . . لم يعد بين يديّ امرأة بسيطة: أنظروا، ها إنّ الكاهن يمسكه.!. إنّكم لا ترونه فحسب، وإنما تلمسونه أيضا. ولا تلمسونه فقط، وإنّما تأكلونه أيضا، وتحملونه إلى منازلكم."

    ‏إن ذلك لصحيحٌ. إنّي أعرف حاخاما ، كان يؤكّد، أنّه كان يستطعم نبيذ الفصح في فمه، حتّى عيد المظالّ، في الخريف.

    وأنا سأظلّ حتى الموت، أحسّ بحروق ملعقة الفضّة الّتي كنت أتناول فيها دمَ الرّبّ. ومن الطّبيعي أن تبقى هذه الحروق على شفتيّ: فملعقة المناولة تسمّى في اليونانيّة (labis) ومعناها، ملقط. إنها ترمز إلى الملقط الّذي يأخذ به السّارافيم الجمر عن مذبح الرّبّ، كما يقول أشعياء: "فطار إليّ أحد السّارافيم وبيده جمرة أخذها بملقط (labis) عن المذبح ومسّ فمي"(أش6: 6).

    ‏والقدّيس يوحنّا الدّمشقي يقول إنّنا في المناولة نأخذ جمرًا متلظيًّا: "لكي تتّحد نارُ أشواقنا بتأجُّجِ الجَّمر، فتذيب خطايانا، وتنير قلوبنا، فنتنقّى، ونصبح آلهة عندما نشارك في النّار الإلهيّة".

    ‏نتناول- الجمرة المحرقة - ويدانا مضمومتان، وقوفًا أمام الباب الملوكيّ لقدس الأقداس، الّذي يرمز إلى باب الجنّة. فأثناء المناولة كنت أسمع صوت المسيح يقول:"إنّي  أغذّي خاصّتي... أنا أهب نفسي غذاءً لنفوسكم... أردت أن أكون  لكم أخًا، ولهذا اتّخذت لحمًا ودمًا مثلكم. وهوذا أنا أقدّم  لكم هذا الجسد وهذا الدّم اللّذين جعلاني من سلالتكم".لقد مزج الله دمه بدمنا لكي نتّحد به نحن البشر فنصيروإيّاه واحدًا"(القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم).

    ‏وكلّما تناولت مرّة كنت أشعر، ليس فقط بأنّني قد غسلتُ من خطاياي، وإنّما أيضًا بأنّني رُفِعْتُ إلى مصافِّ ‏الآلهة (القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم). لأنّه كان يجري في جسمي نفس الدم الّذي يجري ‏في جسم الله. فكنتُ ابنًا لله بالدّم، وأحمل الله في ذاتي. كنت (Théophore)، حامل الله. فهمت لماذا تتغير وجوه المؤمنين عند خروجهم من الذّبيحة الإلهيّة، وتتألّق كأنّها تحت أضواء المسرح. الله الّذي كانوا يحملونه هو الّذي كان يشرق فيهم. كلّ مرّة كنت أتناول، لم أشعر فقط بأنني ابن الله وإنّما أيضًا بأنّني أخٌ بالدّم لكلّ مسيحيّي العالم. أخٌ بالدّم لكلّ المسيحيّين الّذين عاشوا ويعيشون حاليًّا، وسيعيشونَ غدًا. لأنّ الدّم الإلهيّ نفسه الّذي يجري في جسمي، قد جرى، ويجري، وسيجري في عروقهم. هذه الأخوّة البشريّة والكونيّة، هي كمال المسيحيّة، فكلّ شيءٍ يدخل في هذه اللّيتورجية الكونيّة. والكون كلّه واحدٌ لا يتجزّأ. فأنا كنت جزءًا من الله، والله كان جزءًا منّي. وفي تلك اللّحظة كنّا نعيش في الأبديّة. لأنّ الأبديّة تبدأ هنا على الأرض. وعندما نكون في الكنيسة، نكون عندئذٍ في السّماء، نكون في الأبديّة. فأنا قضيتُ طفولتي إذًا،  في الأبديّة.


المرجع:

من السّاعة الخامسة والعشرين إلى الأبديّة. فيرجيل جورجيو. تعريب الأب حليم عبد الله.1995.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share