فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
ألبير في الفُلْك!

ووري الثّرى في عيد الصّليب 2013


       ألبير عيسى لحّام رقد، في الرّبّ، في 10 أيلول 2013. أحد مؤسّسي حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة. رجل لله مميّز. محام لامع. إنسان كلمة. مُصَلٍّ في مستوى القلب. كانت له مساهمة فذّة في مواجهة أنطاكية أزماتها على امتداد حقب عدّة. هزّه ربّه وإنجيلُه إلى عمق أعماقه. بذل ولم يألُ جهدًا في بذله. لمّا يقترنْ ولا كانت له عائلتُه. ولكنْ قرَنَ نفسه بمسيحه وكنيسته وأحبّته واهتمّ بالعائلة الأعَمّ، عائلة الكنيسة والحركة وإخوته في الجسد. فيما كان يذوي في بضع سنيه الأخيرة، كان يتألّق ويشفّ ويفيض حسًّا قلبيًّا، إلى عقل نيِّر، فلا يسعك إلاّ أن ترى وراء عدستيه السّمِيكتَين عينَين كبيرتَين يسحّ منهما الدّمع بصمت كالحمامة البيضاء تحكيك إقبالها عليك ورِفقها بك وتوقها إليك. قلبٌ الإنسان، يا أُخيّ! ألبير رقّ وترقرق فبات أجمل جميلاً، على ألَقٍ، حرًّا، بلا عِقَد، بعدُ!

       مَن لم يرَ إلى عينيه تسكبان الدّمع كساقية ريًّا، ويصغَ إليه، وقد استحالت الكلمة في فيه تاريخًا وودادًا وروحًا وتسبيحًا، ما عرفه في ما آلت به إليه السّنون. كبُرت فيه النّعمة وضؤل حتّى اللّهب الضّعيف المتمايل لشمعة ذاب أكثرها ونتأت من هنا ومن هناك، وسالت وتراكمت نقاطها، إلاّ فتيلُها بقي يظهر خلسة ليضيء من ماضٍ خفتَ في حاضر اشتدّت حلكة ظلمته. رأيتُك عصفورًا، يا شيخُ، يوم كانت لك كلمة تقولها فيِ الأب، أبينا، الأرشمندريت إلياس مرقص. سكبتَ روحَك يومها سكبًا، وقلتَ كلامًا أكبر كبيرًا ممّا تفوّهت به. كنتُ، يومها، على مدّة يد منك. عاينتُ عينيك الزّائغتَين تبحثان، في الحقّ، لا عن الكلمة، يا صاح، بل عن حركة الكيان المغمور بألطاف ربّك في رقّة قلبك. ويومها، أيضًا، سمعتُك عصفورًا ارتحلتْ قوّة زقزقته، فبات يؤدّي بحّةً سماويّة، كمَن يحكي اللّقيا لدى مَن جمعنا ويجمعنا إليه. بثثتنا، يا ألبير، بعضًا من عطر الملكوت!

       وثانية، كانت عيني عليك، يوم ودّعتَ وودّعنا فدوى. تحوّلتَ، في الزّاوية اليمنى، خلف الكرسي الأسقفيّ، كتلة لحم ضئيلة جرت من عينيك فيها أنهار ماء حيّ، فبدوت كتلة نور!

       مذ ذاك، يا حبيب المسيح، بتُّ أعرفُك، ولا أعرفك، إلاّ مكلَّلاً بالدّمع! ذُقتَ ما تاق إليه العاشقون ربَّهم، دموعًا بها جَرَح ربُّك قلبَك، حبيبًا!

       واليوم، يا أخ النّور، وقفتُ بك وجالستُك، في كنيسة القدّيس ديمتريوس، وأنتَ مسجّى في فُلْكٍ، في صندوق من خشب السّنديان. افرحْ، يا نوح، لأنّ الّذي أحببتَه اصطفاك سَمِيًّا لسابقك، فعرفت أن تنوح بصمت حتّى تطفئ كلّ عاصفة هبّت عليك! لا همَّ، بعدُ، ما وراءك، طالما وجه النّور أمامك! بوركتَ يا حبيب مسيح الرّبّ! دخلتَ ربَّك عصفورًا تاق إلى المعالي، فأخرج لك سيّدُك من توقك نسرًا، عينُه في شمس الضّياء!

       لا تنسنا! كن إلينا عند المعلِّم كما كنتَ عندنا إليه! الله معك! واكبتك الملائكة! قد بلغتَ يا حبيب المسيح، فبلِّغ، على نحو ما يتيسّر لك الآن، مَن هو معنا في كلّ حال، أنّنا مقيمون على الوداد، برحمة منه، أبدًا، عسانا نبقى وإيّاك والأحبّة السّابقين والحاليّين واللاّحقين، نتنامى في الصّلاة لديه، حتّى يتسنّى لنا، في مهبّ الرّيح، أن يكون لنا، نحن أيضًا، مستقَرٌّ في عينيه!

       لم تعد، يا حبيبي، بحاجة إلى نظّارَتين! باتت عينا الحبيب عينيك! عيد صليبك، اليوم، يسحّ قيامة! فردوس مبارَك!

       الله معك وإلى الملتقى!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
دوما – لبنان

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share