صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
ليس الكون من دون مدبّر.

   في سيرة "القدّيس أفرام السّريانيّ" حادثة حصلت له في مطلع شبابه جعلته يُدرك أنّ الكون ليس من دون مدبّر. ورد في اعترافاته أنّه في بادئ الأمر سلك نظير أقرانه. لم يكن يطمع في القداسة ولا كان له مثل يحتذي به. همّه كان أن يعمل ويأكل من عرق جبينه وأن يكون له صيت حسن بين النّاس. كان يباهي بأنّه من الشباب المفكّر ويجاهر برأيه في العناية الإلهيّة أنّ لا شأن لها في تدبير الكون، وكلّ ما يحدث لا يتعدّى كونه وليد الإتفاق وناتج الأقدار الطبيعيّة.

   ولكن، حدث له، بتدبير الله، ما سفّه رأيه وفتح عينيّ قلبه على طرق القداسة وخدمة القريب.

   فلقد طارد يومًا بقرة أحد المساكين لأنّها دخلت حقله، ففرّت من أمامه فتبعها، فدخلت في الوعر، وقيل افترستها الوحوش. ونام أفرام عن البقرة ولم يعوّض على صاحبها، ولا اعتبر نفسه مذنبًا بشأنها. ولمّا يمضِ شهر على ذلك حتّى جرى القبض عليه متّهمًا بسرقة قطيع أضاعه الأجير المكلّف به الّذي اتفق مرور أفرام بموضعه ساعة وصول الشُرط إليه. فألقي في السّجن ريثما تجري محاكمته. هناك التقى عددًا من المساجين كلّهم متّهم بما لم تقترفه يداه. وإذ شعر بضيق عظيم لأنّه ألفى نفسه والمساجين الآخرين متّهمين ظلمًا بما هم منه براء، بات على وشك إصدار حكم على الله أنّه لا عدالة في الأرض تُرتجى والأمور تجري اتفاقًا ولا علاقة لله بها. وغفا متكدّرًا. فجاءه في الحلم صوت يقول له: إذا كنتَ بريئًا من هذا الجرم، يا أفرام، أفأنت بريء من غيره من الذنوب؟ فتذكّر أفرام العجلة وعرف ذنبه فاستغفر ربّه. فلما صحا، في اليوم التالي، أخذ يسأل المساجين واحدًا واحدًا عما سلف من سيرتهم فتبيّن له أنّ على كلّ واحد منهم ذنبًا وذنوبًا لم يؤدّ عنها الحساب، فتيقّن إذ ذاك أن ما ظنّه يصيب النّاس في حياتهم ظلمًا هو تأديب عن معاص سبق لهم أن ارتكبوها ولمّا يُجازوا عنها. إذ ذاك أدرك أن ما يحدث للنّاس لا يحدث لهم اتفاقًا وليس الكون من دون مدبّر يرعى شؤونه ويسهر على كلّ صغيرة وكبيرة فيه وإن كان لله في أحكامه شؤون غير ما لأحكام النّاس وما هم عنه غافلون. فأخذ، وهو بعد في السّجن، يرجو الله بدموع أن يعفو عنه واعدًا إيّاه بإصلاح سيرته لو نجّاه من هذا البلاء المبين. وكان أن أُطلق سراحه فخرج من السّجن والقضاة في نفسه كما بنار وبات واثقًا من عدالة ربّه وضعفه هو وفداحة خسارته إن لم يلحظ نفسه ويحرص على نقاوة سيرته، زهد وخرج فنسك في القفار وأضحى للتائبين معلّمًا وللمتهاونين منخسًا. وله تُنسب صلاة التوبة الّتي طالما ردّدها المؤمنون في الكنيسة على مدى الأيام: "أيّها الرّبّ وسيّد حياتي، أعتقني من البطالة والفضول وحبّ الرّئاسة والكلام البطال. وأنعم عليّ أنا عبدك الخاطئ بروح العفّة واتّضاع الفكر والصّبر والمحبّة. نعم يا ملكي وإلهي، هب لي أن أعرف ذبوبي وعيوبي وأن لا أدين إخوتي فإنّك مبارك إلى الأبد. آمين." كان قد بلغ من العمر، آنذاك، حدود الثامنة عشرة.


المرجع:

   الأرشمندريت توما (بيطار) (١٩٩٧)، سير القدّيسين وسائر الأعياد في الكنيسة الأرثوذكسية (السنكسار) – الجزء الثّاني، عائلة الثالوث القدوس–دير القديس يوحنا المعمدان – دوما – لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share