<
الرّجاء ليس فقط رجاء بالله، بل بعمل الله في النّاس.(المطران جورج خضر).من كان مع المسيح كانت أموره، على هذا النّحو، بسيطة وسهلة وسلاميّة، ليس عنده يأس أو اكتئاب أو يعاني من مشاكل نفسيّة، أو تقلقه أفكار تافهة أو يتألّم بسبب الجراحات الّتي تراكمت عليه مع الأيّام.(القدّيس بورفيريوس الرّائي)ليست التّجارب أقوى من نعمة الله.(الشّيخ يوسف الهدوئي).طوبى للإنسان الّذي تيقّن أنّه رأى وجه المسيح بين كلّ الوجوه.(المطران جورج خضر).كلمة تواضع بأصلها اللاّتيني تعني الأرض الخصبة.التّواضع هو حال تراب الأرض. يبقى التّراب في مكانه صامتًا، راضيًا بكلّ شيء، محوّلاً هذه النّفايات المنحلّة إلى ثروة جديدة، وعلى نحوٍ عجائبيّ. (المطران أنطوني بلوم)
ليس الكون من دون مدبّر.

   في سيرة "القدّيس أفرام السّريانيّ" حادثة حصلت له في مطلع شبابه جعلته يُدرك أنّ الكون ليس من دون مدبّر. ورد في اعترافاته أنّه في بادئ الأمر سلك نظير أقرانه. لم يكن يطمع في القداسة ولا كان له مثل يحتذي به. همّه كان أن يعمل ويأكل من عرق جبينه وأن يكون له صيت حسن بين النّاس. كان يباهي بأنّه من الشباب المفكّر ويجاهر برأيه في العناية الإلهيّة أنّ لا شأن لها في تدبير الكون، وكلّ ما يحدث لا يتعدّى كونه وليد الإتفاق وناتج الأقدار الطبيعيّة.

   ولكن، حدث له، بتدبير الله، ما سفّه رأيه وفتح عينيّ قلبه على طرق القداسة وخدمة القريب.

   فلقد طارد يومًا بقرة أحد المساكين لأنّها دخلت حقله، ففرّت من أمامه فتبعها، فدخلت في الوعر، وقيل افترستها الوحوش. ونام أفرام عن البقرة ولم يعوّض على صاحبها، ولا اعتبر نفسه مذنبًا بشأنها. ولمّا يمضِ شهر على ذلك حتّى جرى القبض عليه متّهمًا بسرقة قطيع أضاعه الأجير المكلّف به الّذي اتفق مرور أفرام بموضعه ساعة وصول الشُرط إليه. فألقي في السّجن ريثما تجري محاكمته. هناك التقى عددًا من المساجين كلّهم متّهم بما لم تقترفه يداه. وإذ شعر بضيق عظيم لأنّه ألفى نفسه والمساجين الآخرين متّهمين ظلمًا بما هم منه براء، بات على وشك إصدار حكم على الله أنّه لا عدالة في الأرض تُرتجى والأمور تجري اتفاقًا ولا علاقة لله بها. وغفا متكدّرًا. فجاءه في الحلم صوت يقول له: إذا كنتَ بريئًا من هذا الجرم، يا أفرام، أفأنت بريء من غيره من الذنوب؟ فتذكّر أفرام العجلة وعرف ذنبه فاستغفر ربّه. فلما صحا، في اليوم التالي، أخذ يسأل المساجين واحدًا واحدًا عما سلف من سيرتهم فتبيّن له أنّ على كلّ واحد منهم ذنبًا وذنوبًا لم يؤدّ عنها الحساب، فتيقّن إذ ذاك أن ما ظنّه يصيب النّاس في حياتهم ظلمًا هو تأديب عن معاص سبق لهم أن ارتكبوها ولمّا يُجازوا عنها. إذ ذاك أدرك أن ما يحدث للنّاس لا يحدث لهم اتفاقًا وليس الكون من دون مدبّر يرعى شؤونه ويسهر على كلّ صغيرة وكبيرة فيه وإن كان لله في أحكامه شؤون غير ما لأحكام النّاس وما هم عنه غافلون. فأخذ، وهو بعد في السّجن، يرجو الله بدموع أن يعفو عنه واعدًا إيّاه بإصلاح سيرته لو نجّاه من هذا البلاء المبين. وكان أن أُطلق سراحه فخرج من السّجن والقضاة في نفسه كما بنار وبات واثقًا من عدالة ربّه وضعفه هو وفداحة خسارته إن لم يلحظ نفسه ويحرص على نقاوة سيرته، زهد وخرج فنسك في القفار وأضحى للتائبين معلّمًا وللمتهاونين منخسًا. وله تُنسب صلاة التوبة الّتي طالما ردّدها المؤمنون في الكنيسة على مدى الأيام: "أيّها الرّبّ وسيّد حياتي، أعتقني من البطالة والفضول وحبّ الرّئاسة والكلام البطال. وأنعم عليّ أنا عبدك الخاطئ بروح العفّة واتّضاع الفكر والصّبر والمحبّة. نعم يا ملكي وإلهي، هب لي أن أعرف ذبوبي وعيوبي وأن لا أدين إخوتي فإنّك مبارك إلى الأبد. آمين." كان قد بلغ من العمر، آنذاك، حدود الثامنة عشرة.


المرجع:

   الأرشمندريت توما (بيطار) (١٩٩٧)، سير القدّيسين وسائر الأعياد في الكنيسة الأرثوذكسية (السنكسار) – الجزء الثّاني، عائلة الثالوث القدوس–دير القديس يوحنا المعمدان – دوما – لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share