فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
لكلِّ شابٍّ مجمعهُ

       "ليضئ نوركم قدّام النّاس، فيروا أعمالكم، ويمجّدوا أباكم الّذي في السّموات" (مت5: 16).

       لقد كان لي احتكاك شبه يوميّ مع أبناء كنيستي في هذه الفترة، فتعرَّفت أكثر إلى بعضهم، وتعرَّفت إلى نفسي، أيضاً، من خلالهم. الكثيرون منهم كنت أعرفهم في نطاق الكنيسة، فقط. أمّا الآن، فقد رأيت إخوتي في مواقع ومواقف في حياتهم خارج نطاق العمل الكنسيّ. كنَّا، ذات ليلة، في احتفال شعبيّ، فخطرت لي فكرة: إن كان المسيح قال: "أنتم لستم من هذا العالم"؛ فالمسيحي، إذاً، مميّز عن الآخرين في كلِّ شيء! فتساءلت: إذا نظرت، الآن، من حولي، فهل أستطيع أن أتبيَّن أحدًا من إخوتي في المسيح، في هذا الحفل؟! هل أستطيع أن أتبيَّن الحشمة وسط الخلاعة، أو الرّصانة وسط فجور مُستشرٍ؟!

       حزنت، وكان حزني شديداً، لا بل كادت عيناي تدمعان. بحثت بين النّاس، الّذين معظمهم من أبناء الكنيسة، فلم أجد مَن هو صامد بإزاء روح الزّنى! إن كان الكلُّ يتصرَّفون بطريقة مشابهة، فإمّا الكلّ في مصافِّ القديسين، أو الكلّ يتقهقرون من الأبالسة!

       في الحقيقة، إن كان لشيطان الزّنى، في السّابق، عمل كثير؛ فأظنّ أنّه، الآن، جالس بطّال، لا لأنّه غير قادر على محاربتنا؛ بل، بالأحرى، لأنَّه قد قيَّد الأكثرين بسلاسله؛ ومن ثمّ، هو جالس يحرسهم، فقط! نحن لا ننتفض، ولا نعاكسه، ولا نحرِّك ساكناً! نحن إمّا نُغمض أعيننا ونُقبع ذواتنا في جهل لا قرار له؛ أو نتطلَّع، فنرى أنّنا مسجونون مع الأكثرين؛ فنمنِّي النّفس بأنّ هذه سُنَّة الحياة!!!

       ليست المصيبة أنّ الشّيطان أقوى منا، إذ من البدء كان هكذا؛ لكنّ آباءنا، بقوّة المسيح، "مسحوا به التّراب"، وكانوا مثلنا ترابيّين! وجسَّدوا الإنجيل القائل:"قوَّتي في الضُّعف تُكمَل". المصيبة الكبرى أنّنا لم نعد مثلهم واعين ضعفنا، وصارخين إلى السّيِّد لينقذنا من براثنه، كما صرخ النّبيّ داود: "أَخرِج من الحبس نفسي لكي أشكر اسمك". كيف تعمل محبَّة الله فينا، إن كنَّا أقفلنا باب قلبنا وأعطينا المفتاح لعدوِّه؟! كيف نتوب عن خطيئةٍ لا نريد رؤيتها؟!

       ذُهلت عندما أخبروني عن قدّيسين وقدّيسات قلعوا أعينهم، وتنسَّكوا، وشوَّهوا أجسادهم لمجرَّد أنَّ أحد إخوتهم تعثَّر من مظهرهم. إلى هذه الدّرجة كانوا محارِبين لروح الزّنى حتّى الدّم. انحدرنا، اليوم، إلى درجة لم يعد معها شبابنا يحسُّون بروح الزّنى؛ لا بل هم، عن قصد أو عن غير قصد، يعزِّزونه! نحن لسنا، فقط، غير منتبهين لسلامة لباسنا! لا بل نحن منتبهون لأن نلبس ما يُعثر ويجذب. قلعت القديسة عينها لأنّها أعثرت رجلاً، وبناتُنا يَلبسن الزّخارف ليُعثروه!!!

       يا إخوتي في المسيح يسوع، إن وُضعنا أمام خيارين: إمَّا زنى المجتمع، وإمَّا وحدة الصّحراء؛ فلنخرج من بينهم.

       الجمود يعتري نفوسنا. لم نعد نشعر بالخطيئة، وهذه كبرى الخطايا! كلُّ الخطايا تُغفر، إن أحسسنا بها، وصرخنا إلى الله ليخلِّصنا منها ويرحمنا. لكن، إن فقدنا الحسّ، فأيَّةَ رحمة سنجد؟! تمنّيت، في لحظاتٍ من حياتي، أن يكون الفتور موصِلاً إلى الملكوت، لَكنتُ جلست في راحةٍ، من دون جهاد، مقتنعاً بأنّني سأخلص. لكن، أين الخلاص في الفتور والمسيح، له المجد، قال: "الفاتر سأتقيَّؤه من فمي"؟! أيّ خلاص سَنجد، ونحن قابعون تحت وطأةِ لامبالاةٍ صخَّرت القلوب، فلا أحد منا يشعر بأنَّ التزامهُ، في الكنيسة، يجب أن يطبع حياته كلَّها؟! عندما فَتر العبرانيُّون، لم يتخلّوا عن الرّبِّ في الظّاهر، لكنَّهم أدخلوا الإله الوحيد في مجمع آلهة؛ حينها، صرخ إيليَّا النّبيّ: "إلى متى تعرجون بين هذا الفريق وذاك؟! إن كان الرّبُّ هو الإله، فاتبعوه؛ وإن كان البعل هو الإله، فاتبعوه".

       نحن حبسنا الله في مبنى حجريّ نسمّيه كنيسة، ندخلها بشخصيَّة، ونتصرَّف خارجها بشخصيَّة أخرى مناقضة لها. أعرف أنّ الأكثريَّة تدخل وتخرج من دون أيّ إحساس بالله! هذا أفهمه! لكن، ما لا أفهمه، والّذي يحزُّ في نفسي عميقاً، هو تصرُّف "الأقلّيَّة" المسمَّاة "أولاد الكنيسة". هذه "الأقلّيَّة"، الّتي يجدر بها أن تكون بوق الكنيسة، في المجتمع، تتحوَّل إلى بوقٍ للمجتمع في الكنيسة! ما جدوى الاحتشام في الكنيسة، إن كنت أخلعه خارجها؟! ما نفع البشارة والعمل في الكنيسة، إن كنت في مدرستي أو جامعتي صامتاً صمت القبور، ولا ما يميِّزني عن أيِّ تلميذ آخر؟! المجتمع أصبح قاسياً جدًّا، وهو مليء بما يُعثر! لكنّ المحزن أنَّ العثرة الكبرى تأتي من هذه "الأقلّيّة"! آه، لو كنّا مستعدّين للقول مثل الأب باييسيوس: "من منكم يبكِّتني على عثرة؟"! خوفي، يا إخوتي، أن نكون قد رفعنا اسم إلهنا باطلاً! خوفي أن يكون الرّسول بولس صارخاً فينا: " إنّ اسم الله يُجدَّف عليه بسببكم، بين الأمم"!!!

       الحياة في المسيح حياة واحدة. إمَّا أن نكون في المسيح في كلّ تفاصيل حياتنا، أو لا نكون! إمَّا يكون المسيح في قلوبنا، في الكنيسة الجداريّة وخارجها، أو لا يكون! هذا ما كان واضحاً عند القدّيس يوستينوس بوبوفيتش، عندما قال: "أن يؤمن الإنسان بالمسيح يعني أن يخدمه، ويخدمه وحده في كلِّ أوجه حياته".

       وصلني، منذ فترة، أنّ فتاةً، في مدرسة ثانويّة، أنّبها مدير المدرسة؛ لأنّها كانت تجمع رفقاءها على قراءة  الإنجيل!!! وددت، في تلك اللّحظة، لو أنّني أرى تلك الفتاة لأقول لها: "يا فرحي، المسيح قام".

       الرَّجاء أن نصير على مستوى الوصيّة القائلة: "بشِّروا في كلِّ وقت موافق وغير موافق"، لئلاّ يكون المسيح إلهاً، نضمُّه إلى مجمع آلهتنا، نخصِّص له وقتاً، والوقت الباقي لآلهةٍ أخرى!

       للأسف، لو كنَّا ملحاً للأرض، لَما أنبتت حسكاً!!!

       لكنَّ "الله قادر أن يُخرج من الغثِّ ثميناً".

ت. م.
شاب جامعيّ
18 تشرين الأوّل 2012

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share